تتواصل المسيرات والمظاهرات في الشوارع الجزائريّة التي بدأت منذ 22 فبراير (شباط)، والمطالبة برحيل نظام الرئيس بوتفليقة الذي يشغل منصب الرئيس منذ سنة 1999. وقد شهدت أمس الثلاثاء ساحة البريد المركزي بالعاصمة الجزائرية تجمّعات لآلاف الطلبة الجامعيين والأطبّاء والممرّضين والصيادلة وباقي عمّال الصحّة مطالبة برحيل النظام. وتأتي هذه المسيرات بعد أن شهدت الجزائر مظاهرات حاشدة في مختلف أنحائها الجمعة الماضي وُصفت بالمليونيّة الأكبر منذ انطلاق الاحتجاجات ضد ترشّح بوتفليقة لعهدة خامسة، وهو ما استدعى من الرئيس الذي يعاني من مرض أقعده في كرسي متحرّك ومنعه من مخاطبة الشعب منذ سبع سنوات، التراجُع عن العهدة الخامسة وتأجيل الانتخابات، ودعوة الساحة السياسية والمجتمع المدنيّ إلى «ندوة وطنيّة»، وهي المقترحات التي تلقى اعتراضًا من الشارع الجزائري المُطالب باستقالة بوتفليقة.

واتسمت المسيرات في مختلف أنحاء الجزائر في مجملها بالسلمية والابتعاد عن مظاهر العنف، كما أنّ الشعارات السياسيّة المرفوعة والمطالب كانت واضحة، إذ غابت الشعارات العنصرية والجهويّة بشكل عام. لكن المشهد السياسي في مواقع التواصل الاجتماعي في هذه الأيّام مختلف تمامًا عن هذا الجوّ التضامني الأخوي الذي تشهده المسيرات في الشارع، فقد شهدت مواقع التواصل الاجتماعيّ، بالخصوص موقع «فيسبوك» انتشارًا كبيرًا للشائعات والأخبار الكاذبة والمزيّفة، من خلال نشر تغريدات مزيّفة على لسان بعض السياسيّين المحسوبين على المعارضة، بالإضافة إلى انتشار صور أخرى تدعو إلى التفرقة على أساس عرقي وجهوي.

6 مشاهد من الميدان.. كيف جعلت الانتفاضة الجزائر أفضل من السويد؟

وِحدة وأخوّة في الشارع.. وحملات تحريض وعنصرية على مواقع التواصل

صحيح أن مواقع التواصل الاجتماعيّ بطبيعتها تشهد رواجًا للمعلومات المغلوطة والأخبار الكاذبة في مختلف أنحاء العالم، وأن هذا لا يتعلّق ببلد دون الآخر، لكن الحالة الجزائريّة التي تشهد هذه الأيّام حراكًا شعبيًّا في مواجهة السلطة قد شهدت ارتفاعًا استثنائيًّا في كميّة هذه المنشورات؛ ما جعل البعض يصفها بـ«الحرب الإلكترونيّة» لتقسيم الصفوف داخل الحراك، وذلك عن طريق التركيز على الاختلافات العرقيّة والجهويّة بين المشاركين في الحراك، وبدء الحرب الأبديّة بين التيّار الاسلامي والعلماني الذي شهدته عدّة بلدان بعد الثورات العربيّة؛ وهو ما أدّى إلى إجهاض الكثير من هذه التجارب.

أحد المنشورات العنصرية التي انتشرت على مواقع التواصل

هذه الشائعات والأخبار الكاذبة تجد بيئة خصبة في مواقع التواصل الاجتماعيّ، ويتم تغذية صراعات قديمة وإعادة إحيائها؛ إذ إن الجزائر شهدت في السنوات الأخيرة بعض حوادث الصراعات على أساس عرقيّ، لعل آخرها أحداث العنف في مدينة غارداية الواقعة في الجنوب الجزائري (600 كم جنوب العاصمة) سنة 2014، بين السكّان العرب المالكيّين والأمازيغ الإباضيّين. المنطقة نفسها التي عاشت قبل خمس سنوات هذه الأحداث المؤسفة، عرفت روحًا مختلفة في المسيرات التي شهدتها، إذ جرى رفع شعارات تدعو إلى الأخوّة بين العرب والميزابيين، وجرى ترديد شعارات: «عربي ميزابي.. خاوة خاوة (إخوة)».

وتتضمّن هذه المنشورات صورًا لإحراق للعلم الجزائريّ منسوبة لناشطين أمازيغ، أو تمزيقًا للعلم الأمازيغي أو تصريحات زائفة لسياسيّين متعلّقة بالدين الإسلامي وغيرها من المواضيع المتعلّقة بالهويّة والدين والعرق والجهويّة، والتي تثير حساسيّة في الأوساط المختلفة المشاركة في الحراك. وغالبًا ما تعرف المسيرات المُعارضة في مختلف مناطق الجزائر روحًا تعاونيّة وتضامنيّة بين مختلف الأطراف المشاركة فيها على اختلاف توجّهاتهم الفكريّة وانتماءاتهم الجهويّة والعرقيّة، وكثيرًا ما تردّد شعارات تدعو إلى الوحدة الوطنيّة، وهو ما جعل البعض يعتبر أن هذه المنشورات تدخل في حملة إعلامية ممنهجة لاختراق الحراك الشعبي وإرباك صفوفه. وتستغلّ الحركات الانفصاليّة في منطقة القبائل بعض الشعارات واللافتات العنصريّة التي يرفعها مشاركون في المسيرات من أجل تغذية الأفكار الانفصاليّة والعنصريّة ضد العرب والجزائريّين، والدفع بأجندتها السياسيّة نحو الانفصال.

هل يُعادي الأمازيغ في الجزائر الإسلام حقًّا؟

زيارة لعمامرة إلى روسيا.. هل يستعين النظام بجيش روسيا الإلكتروني؟

لكن بعض الأصوات المعارضة لا ترى أنّ الأمر متعلّق بمجرّد منشورات تحريضيّة على مواقع التواصل، إذ ربطت بين الانتشار الرهيب لهذه المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وبين زيارة وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة لروسيا، في أوّل زيارة خارجية له بعد تكليفه من طرف بوتفليقة نائب رئيس الوزراء ووزير للخارجيّة، هذه الزيارة التي أثارت الكثير من الجدل، ومن بين هذه الأصوات، الدبلوماسي السابق المعارض محمد العربي زيتوت الذي حذّر من أن تكون إحدى أسباب الزيارة، الاستفادة من الخبرة الروسيّة الرائدة عالميًّا في مجال التحكّم بوسائل التواصل الاجتماعي وتقسيم الرأي العام عن طريق نشر الأخبار الكاذبة (fake news)، وذكر في هذا السياق كيف استطاع الروس قلب نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية لصالح دونالد ترامب سنة 2016، بالإضافة إلى تدخّلهم في انتخابات بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي «البريكسيت» وعدّة انتخابات حول العالم، ولذلك فإنّه من المحتمل – حسب السيد زيتوت – أن يتدخّل الروس بخبراتهم في هذا المجال من أجل التأثير على الحراك الشعبي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتقسيمه عن طريق الحساسيّات العرقية والجهوية، أو خلق استقطاب علماني إسلامي داخله، من خلال جيوش إلكترونيّة تملك عدّة حسابات على مواقع التواصل، وتعمل على إغراقه بالأخبار الكاذبة والمنشورات التحريضيّة.

وقد برزت إلى العالم قوّة وخطورة هذه الأدوات التقنيّة التي تستخدمها الحكومة الروسيّة بالخصوص خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكيّة، إذ وصلت التحقيقات المستقلّة إلى أنّ الروس استطاعوا التأثير في نتائجها من خلال التلاعب بالرأي العام عبر مواقع التواصل، وتوجد تفاصيل مرعبة عن حجم التأثير التي تستطيع استخدامه الأجهزة الروسيّة المكلّفة بالتلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي، ففي أمريكا، وبالتحديد في ولاية تكساس المعروفة بميولها اليمينيّة، ظهرت من العدم صفحة على «فيسبوك» تسمّى «قلب تكساس»، وتدعو إلى أهالي تكساس للتظاهر أمام المركز الإسلامي في مدينة هيوستن، والذي وصفته الصفحة بأنّه «عرين الكراهية» ودعت إلى «إيقاف أسلمة تكساس»، كما أضافت الصفحة في دعوتها للتظاهر: «أحضروا معكم أسلحتكم النارية إلى المظاهرة»، وسرعان ما فوجئ أهالي تكساس أن الصفحة قد حصلت على رُبع مليون إعجاب على «فيسبوك». لم يسمع الناشطون السياسيون في المدينة بحركة «قلب تكساس» من قبل، وعزموا على إقامة مظاهرة مضادّة في نفس المكان للردّ عليها، ليتّضح بعد شهور من هذه المظاهرة وبعد تحقيقات معمّقة، أن هذه الحركة وصفحة «فيسبوك» هي مجرّد حركة وهمية جرى إنشاؤها عبر الإنترنت من طرف مهندسين روس على بعد آلاف الكيلومترات من أمريكا، وكان الغرض منها افتعال أعمال عُنف عن بُعد في تكساس، وقد حضر بعض الناس للمشاركة في المظاهرة بالفعل، وبعضهم كان يحمل أسلحته، ولحسن الحظّ أن هذه المظاهرة قد مرّت بسلام.

وتُستخدم في هذا المجال عدّة تقنيات من أجل التلاعب بالرأي العام في وسائل التواصل الاجتماعي، مثل استخدام مجموعة من الأشخاص المتفرّغين (جيوش إلكترونية) في ورديّات على مدار الساعة من أجل نشر منشورات على هذه المواقع تعبّر عن رأي معيّن، من أجل أن يظهر لباقي المستخدمين أن هذا الرأي هو الغالب، وبذلك قد ترتفع مجموعة من الوسوم (هاشتاجات) إلى الصّدارة ممّا يمنحها انتشارًا أكبر.

وقد أشار خبراء في مجال الأمن الإلكتروني إلى أنّ الروس استطاعوا التأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكيّة من خلال تقسيم الأمريكيين على أساس عرقي وأيديولوجي. وحسب التقارير فإن الوكالة المكلّفة بهذه المهمّة تقع في مدينة سانت بطرسبرغ الروسيّة، مسقط رأس الرئيس بوتين، عملت إلى تشجيع الجماعات الانفصاليّة في كل من تكساس وكاليفورنيا من خلال استعمال «مزارع الذُباب الإلكتروني» (troll farms) لنشر الأخبار الكاذبة ونظريّات المؤامرة وباقي الشائعات السياسيّة من أجل تقسيم الأمريكيين وتشجيع الاتجاهات العنصريّة والحساسيّات الدينيّة بين الناخبين.

حذار من الذباب الإلكتروني!الفليتكس المناسب في هذا الحال هو الوعي و الحذر و قبلهم حب الوطن.

Geplaatst door ‎Mouvement Rachad – حركة رشاد‎ op Maandag 18 maart 2019

وعملت هذه الحملات الإلكترونيّة على تشجيع الأمريكيين السود على مقاطعة الانتخابات، خصوصًا أن السود في الولايات المتّحدة يميلون بشكل عام للتصويت على الديمقراطيين، ولذلك فإن مقاطعتهم للانتخابات ستكون في مصلحة المرشح الجمهوري وقتها دونالد ترامب، كما عملت هذه الحملات الالكترونية على جعل اليمين المتطرّف أكثر صداميّة مع المخالفين لهم من أجل خلق استقطاب بين اليمين واليسار، وهو ما يصبّ في مصلحة دونالد ترامب. في الحالة الجزائرية، لا توجد أدلّة قاطعة على أن روسيا تدخّلت بثقلها وخبرتها من أجل استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لكسر الحراك، لكن المنشورات الكثيرة التي تهاطلت على «فيسبوك» التي توصف بالعنصريّة والتي تلعب على قضايا الجهوية والدين والهويّة بشكل مفاجئ، تُنذر بأنّ هنالك أطرافًا تحاول استغلال الوسيلة التي استعملها الحراك الجزائري لتنظيم صفوفه وتبادل المعلومات فيما بينه، ولكن هذه المرّة من أجل خلق استقطاب أيديولوجي أو عرقي، يبدأ على مواقع التواصل، وقد ينتهي في الشوارع.

الكثير من النشطاء الجزائريين حذّروا أيضًا من هذه الظاهرة التي شهدتها الساحة الإلكترونيّة، ودعوا إلى الوحدة وتجنّب الفُرقة، ولنبذ الاستقطابات والصراعات على أساس الهويّة، كما استحضروا تجارب الثورات العربية السابقة، وكيف لعب الإعلام التقليدي دورًا مهمّا في تغذية الشقاق بين مختلف الأطراف السياسيّة، وتحريضه ضد الأقليّات، انتقل هذا لوسائل التواصل الاجتماعي.

«لا تقعوا في الفخّ».. 10 دروس مستفادة للجزائريين من ثورة مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد