أشار حزب المؤتمر الشعبي الصيني الحاكم، عدة مرات إلى قدرات الجيش الصيني الكبيرة، وأنه صار قادرًا على تعطيل الأقمار الصناعية الأمريكية؛ وذلك قبل أن يتم التأكد من هذه المعلومة بشهادة أمريكية، وبالأخص من واقع تقرير صادر عن وكالة الاستخبارات العسكرية الأمريكية.

لا ينفصل التحول النوعي في قدرات الصين العسكرية عن برامج التحديث التي يُشرف عليها بشكل مُباشر الرئيس الصيني على مدار أعوام ماضية، وتهدف لتطوير برامج بكين المرتبطة بالأسلحة النووية الأرضية والمنتشرة في بحار العالم والمجهزة بتكنولوجيا صواريخ باليستية عابرة للقارات.

يرسم التقرير التالي صورة شاملة عن دوافع هذا التطوير النوعي في الجيش الصيني، وما هي أبرز ملامحه، وما هي حدود قدراته، وسط تحول بكين لهدف عسكري للولايات المتحدة الأمريكية، وتلويح رئيسها دونالد ترامب بذلك مرات متعددة.

«استراتيجية المعادلة».. كلمة السر وراء تطوير الصين أسلحتها النووية

بدأت الصين خططها طويلة الأجل من أجل تطوير سلاح نووي تكتيكي جديد، في عام 2014، بعدما باتت الحاجة إليه مُلحة، في ظل تحول بكين لهدف عسكري مُحتمل للولايات المُتحدة الأمريكية، ورغبتها الساعية إلى تحجيم قدرة أمريكا على نشر قوة فعالة في غرب المحيط الهادي، وكسر الهيمنة الأمريكية في هذه المنطقة التي باتت ورقة ضغط رئيسية على بكين، وعائقًا أمام طموحها.

Embed from Getty Images

ويمكن القول بأن العامل الحاسم في دفع بكين لتطوير قدراتها النووية كان إطلاق وزارة الدفاع الأمريكية مُبادرة استراتيجية المعادلة في أواخر عام 2013، أثناء ولاية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، والتي ركزت فيها على النشر الفعال للقوة العسكرية التقليدية، بهدف الحفاظ على الهيمنة التقليدية في مياه آسيا، واستمرار نقاط التفوق الأمريكي الجزئي تجاه الصين، لتُصبح الأخيرة تحت هيمنة واشنطن في هذه المنطقة محل النزاع الدائم بين الطرفين، وإعادة فرض هيمنتها على تايلاند، الحليف القديم للولايات المتحدة، بعد اقترابها من بكين أكثر من واشنطن.

وقد تمثلت هذه المُبادرة في قرارات الشراء للمعدات العسكرية الأمريكية؛ وفي مراجعة الخطط والعقائد العسكرية في منطقة المحيط الهادي، إذ رأت واشنطن أن التدابير المضادة التي تتخذها غير كافية لمواجهة الاستراتيجية العسكرية الصينية، والكثير منها ليس مستدامًا، خصوصًا بعدما بنت الصين جزرًا غير مأهولة في بحر الصين الجنوبي.

وكتب آنذاك فرانك كندال، المسؤول الرئيسي عن تطوير وامتلاك الأنظمة العسكرية الجديدة في البنتاجون، في بحثٍ جديد يركز على الآثار المترتبة على الحشد العسكري في الصين، قائلا: «في حين لا تزال لدى الولايات المتحدة مزايا عسكرية كبيرة، إلا أن تفوقها في بعض المجالات الحربية الرئيسية في خطر، السفن التابعة للبحرية الأمريكية والقواعد الغربية في المحيط الهادي معرضة لهجمات صاروخية من صواريخ هي الآن بالفعل جزء من المخزون الصيني».

وفي الواقع فإن تلك الاستراتيجية كانت إشارة رمزية للتنين الصيني للبحث عن مجالات تفوق جديدة، وبالأخص نحو تطوير قدراته النووية، تحسبًا لأي تحركات أمريكية، أو مزيد من الهيمنة الأمريكية، لتستمر في تطوير قدراتها النووية، ورفع ميزانية الجيش الصيني (رسميًا: جيش التحرير الشعبي)، والتي استمرت في النمو عند مستويات مرتفعة حتى بعد أن تباطأ اقتصاد الصين بالفعل.

فيديو يشرح لك: كيف ستتزعم الصين العالم قريبًا

وقد تأكد هذا التطوير من واقع تقدير البنتاجون في تقريرها السنوي للكونجرس لعام 2014 بخصوص التحديث العسكري الصيني، إذ ذكر التقرير أن هذه التحسينات التقنية والتدريبية تعزز القوة النووية الصينية وتزيد من قدرات ضرباتها الاستراتيجية، وقيمت أن الصين سوف «تفعّل نظمًا للقيادة والسيطرة أكثر تطورًا»، بينما قدر البنتاجون في تقريره الصادر عام 2017 بشأن قدرات الصين العسكرية المُعلنة أن ميزانية الأخيرة العسكرية تزداد سنويًا بمعدل 8.5% منذ عام 2007 وحتى 2016، مع تعديلات مستويات التضخم.

ولم تكن الصين قبل إطلاق هذه الاستراتيجية متوقفة عن تطوير قدراتها؛ لكن إعلانها من جانب البنتاجون أدى إلى تحقيق طفرة نوعية في المشروع لتحديث قدراتها النووية، على وجه الدقة، وذلك بشكل مُتواكب مع الأخطار الأمريكية التي تُشكل تهديدًا واسعًا للنفوذ الصيني العسكري، خصوصًا مع ارتباط تلك المُبادرة بجعل تايوان تحت سيادتها؛ مما سيُشكل عائقًا أمام صعود الصين اقتصاديًا وعسكريًا.

ماذا تعرف عن برنامج الجيش الصيني لتطوير الأسلحة النووية؟

أخذت الصين خطوات أكثر فاعلية، بعد عام 2014، لتطوير قدراتها النووية؛ إذ جاء على رأس هذه الخطوات تحديث شامل لقوتها النووية بشكل كبير، في ضوء استفادة بكين من تكنولوجيا الصناعات النووية السوفياتية السابقة. وكان العامل الأكثر أهمية في التطور النوعي لهذه القدرات هو التحديث المتعلق بنشر صواريخ باليستية عابرة للقارات، محمولة على الطرق وأكثر قدرة على البقاء مسلحة برؤوس حربية متعددة، وتحمل مواصفات خاصة في كون أهدافها مُستقلة، وتمتلك قدرة على اختراق الدفاعات الصاروخي.

Embed from Getty Images

إلى جانب ذلك؛ فقد أطلقت الصين مشروع تحديث وتطوير تحت إشراف الرئيس الصيني شي جين بينغ يهدف إلى تكثيف الأبحاث في كل أنواع الصواريخ بداية من التي يمكن أن تدمر الأقمار الصناعية في الفضاء إلى الصواريخ البالستية المتطورة المزودة برؤوس نووية.

امتدت خطة التطوير والتحديث إلى تدشين غواصات مُجهزة بصواريخ باليستية، فضلًا عن تصميم نُظم تدريب خاصة للمُحاربين النوويين في جيش التحرير، فضلًا عن انعكاس ذلك على التحسن الملحوظ في مجال التدريب والاحتراف بين المحاربين النوويين في الجيش الصيني.

وربما ما اعتبرته واشنطن خطرًا وتهديدًا لنفوذها العسكري؛ هو اتجاه الصين مؤخرًا إلى تطوير قاذفات بعيدة المدى، ذات قدرة على حمل أسلحة نووية ونظام إنذار مبكر إلى الفضاء الخارجي، إلى جانب حيازتها أجزاء من معلومات متعلقة بالصناعات العسكرية الأمريكية بشكل سري.

«ناشيونال إنترست»: الخطأ القاتل في خطة الصين للهيمنة على اقتصاد العالم

الصين تتفوق عسكريًّا وتهدد أمريكا بأسلحة تفوق سرعة الصوت

قبل شهور، خرج قادة المؤتمر الشعبي الصيني، وهو الحزب الحاكم الذي ينتمي إليه ضباط الجيش، يروجون لمزاعم تتحدث حول قدرة الجيش الصيني على تعطيل الأقمار الصناعية الأمريكية»، وسط اندهاش الجميع، وتساؤلات مفتوحة من المراقبين، وانطباعات تحمل في أغلبها سمة عدم التصديق على الرغم من الإمكانيات الكبيرة والتطوير المستمر لمنظومة الأسلحة الصينية.

Embed from Getty Images

لكن لم تمض شهور معدودة حتى تأكدت صحة مزاعم المؤتمر الشعبي الصيني، وثبتت حقيقة القدرة الصينية على تعطيل الأقمار الصناعية الأمريكية من واقع شهادة أمريكية؛ إذ ذكر البنتاجون في تقرير لوكالة الاستخبارات العسكرية الأمريكية (سي آي إيه)، والذي جاء في نحو 150 صفحة، أن الجيش الصيني بات قادرًا على «تعطيل الأقمار الصناعية الأمريكية».

وربط التقرير بين القدرة الصينية وتطوير برنامج الصين النووي الذي يشمل سفنًا وغواصات حربية ذات برامج مرتبطة بالأسلحة النووية الأرضية والمنتشرة في بحار العالم والمُجهزة بتكنولوجيا صواريخ باليستية عابرة للقارات، إلى جانب عمل الجيش الصيني منذ أعوام عدة على تطوير القاذفات في شكل مواز لبرنامج أسلحتها النووية.

الأمر الثاني الذي نجحت من خلاله الصين، وشكل عاملًا مؤثرًا في منظومة التحديث الصينية هو تطويرها أسلحة تفوق سرعتها سرعة الصوت؛ إذ صممت بكين مركبة تفوق سرعتها سرعة الصوت WU-14، لتكون قادرة على هزيمة أنظمة الدفاع الباليستية الأمريكية؛ وذلك عن طريق استغلال الفجوة بين قدرات الصواريخ  الباليستية والدفاع الجوي التقليدي، عن طريق الاقتراب بسرعة عالية من خلال مسار مضغوط.

ويُشير تقرير منشور في مجلة «ناشونال إنترست»، المعنية بمتابعة وتحليل الشؤون العسكرية والدفاعية، إلى أن المنطق وراء تطوير الصينيين لقدرات المركبات التي تفوق سرعتها سرعة الصوت هو مواكبة الأمريكيين والتفوق عليهم، إذ تتوفر لهذه المركبات الصاروخية فائقة السرعة قدرات كبيرة منها القدرة على هزيمة أنظمة الدفاع الباليستية.

صراع الزعامة في آسيا.. هل تنتصر الصين وروسيا أم الولايات المتحدة الأمريكية؟

المصادر

تحميل المزيد