صفوف منتظمة وملابس موحدة، ربطةُ حول العنق، وشارات مختلفة تعبر عن مواقع التنظيم الذي يرأسه قائد يعمل منسقًا لكل مجموعة. تراهم بوضوح في أي مناسبة أو تجمع قبطي، بين الصفوف يقف المنظمون من الشباب القبطي المصري في واحدة من أبرز التشكيلات الكنسية في مصر «كشافة الكنيسة» تلك التي تضم مجموعات من الشباب المسيحي من غير رجال الدين، الذي اعتادوا «خدمة الرب».

ومنذ أيام صدرت تصريحات صحافية لمصادر أمنية مصرية، وأخرى كنسية، تحدثت عن تدريب وزارة الداخلية المصرية لمجموعات من الكشافة الكنسية تمهيدًا لحمل مهام تأمين الكنائس وحمايتها أمنيًا، وفي بلاد منقسمة على نفسها، كما الحال في مصر، تسبب الخبر في إثارة الشبهات والتعليقات والتشكيك في طبيعة ومسؤولية الكشافة داخل الكنائس، وشن بعض الإسلاميين هجومًا عنيفًا، وتساءل بعضهم عن طبيعة التدريبات التي يتلقاها أفراد الكشافة، وعما إذا كانت تلك خطوة لتسليحهم. وعلى الجانب الآخر، انتقد قساوسة بل وأعضاء في كشافة الكنيسة، هذه التدريبات، وهذا التوجه عمومًا من الأجهزة الأمنية المصرية، مُعتبرينه تخاذلًا من قبل الأجهزة الأمنية عن تأدية دورها.

ومن المعروف أن كشافة الكنيسة المصرية، كانت جُزءًا من الكشافة المصرية التي اُنشئت في عشرينيات القرن الماضي، لكنها انفصلت عنها في الخمسينيات. وكان أبرز أدوار الكشافة تنظيم نظرة الوداع على البابا الراحل شنودة، وشارك في التنظيم وقتها ثلاثة آلاف عضو كشافة.

الداخلية والكنيسة والكشافة

في 11 ديسمبر (كانون الأول) 2016 استيقظت القاهرة على دوي انفجار ضخم وقع في الكنيسة البطرسية، على بعد أمتار من الكاتدرائية المرقسية في العباسية بوسط العاصمة القاهرة. وأودى الانفجار بحياة عشرات الضحايا ما بين قتيل ومصاب، معظمهم من النساء والأطفال.

وعقب الحادث، حاولت بعض الجهات الأمنية في أكثر من تصريح، تحميل لجنة شبابية متطوعة في الكنيسة وهي كشافة الكنيسة، مسؤولية الاختراق الأمني الذي حدث للكنيسة وأدى لوقوع الانفجار. ونقلت صحيفة البوابة المقربة من النظام المصري، تصريحات عن مصدر أمني لم تُسمّه، قال إن «تأمين الكنائس من الداخل مسؤولية الكشافة الكنسية، وموظفي المركز الثقافي القبطي، الذين يقتسمان العمل الأمني داخل الكاتدرائية بالتعاون مع وزارة الداخلية، المسؤولة عن الحراسة الخارجية»، ولم تكن تلك التصريحات فردية، إذ مثّلت اتجاهًا لدى البعض، سواءً من القيادات الأمنية أو بعض الأقباط، وتكررت في عدة صحف لمصادر أمنية غير مُسماه، قال بعضها إن مدير أمن الكاتدرائية وهو لواء سابق، هو المسؤول عن عملية التأمين بالداخل من خلال أفراد الكشافة المعنيين بتفتيش المترددين ذاتيًا دون أجهزة الكشف عن المفرقعات،

ووصل الأمر إلى أن محاميًا قبطيًا يُسمى أمير نصيف، حمّل الكشافة الكنسية مسؤولية الاختراق الأمني، قائلًا في تصريحات تلفزيونية، إن أفراد الكشافة «يفترض بهم أن يعرفوا المصلين المعتادين للكنيسة»، مُتسائلًا باستنكار: هل دور الكشافة تأمين الكنيسة فقط عندما يزورها الرئيس؟».

https://www.youtube.com/watch?v=UUqrhc_eol8

ونقلت صحيفة المصري الىوم عن مصادر أمنية، قولها إن «التأمين الداخلي للكنائس يخص الكشافة التابعين لها، وذلك لعلمها بهوية كل الأشخاص المترددين على الكنائس»، واختتم المصدر حديثه بأن الداخلية المصرية تدرس تدريب أفراد الكشافة «ليكونوا أكثر احترافية في الجوانب الأمنية».

وتأكيدًا على معلومات المصدر، كشف الأنبا مرقس أسقف شبرا الخيمة ومقرر اللجنة الإعلامية بالمجمع المقدس التابع للكنيسة الأرثوذكسية، في حوار صحافي عن بدء تدريب قوات الأمن لأفراد من فرق الكشافة، على «مهام أمنية لمساعدة الداخلية في مهام حماية الكنائس». وقد أعرب الأنبا مرقس رفضه للأمر، قائلًا في نفس الحوار الصحافي، إن «تدريب عناصر من الكشافة أمر لا يلقى قبولا كبيرًا في أوساط الأقباط، لأن هذا ليس عملهم، والتأمين مسئولية الداخلية«.

الكشافة والتوريط

مينا ثابت، وهو مدير برنامج الأقليات والفئات المستضعفة بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات، في حديثه لـ«ساسة بوست»، اعتبر أن تحميل كشافة الكنيسة مسؤولية تفجير الكنيسة البطرسية، بمثابة تنصل الأجهزة الأمنية من تحمل مسؤوليتها، ففي النهاية ينحضر دور الكشافة على التنظيم الداخلي، والتأمين ضيّق الحدود، وليس تأمين الكنائس من عمليات إرهابية.

أحد أعضاء كشافة الكنيسة، رفض ذكر اسمه، قال لـ«ساسة بوست»، إنه دائمًا ما يشعر بأن هناك محاولة لتوريط الكشافة في أزمات سياسية خارج عملها، و«لا أعرف هل هذا مقصود أن يحدث بالخطأ، ولا أعرف السبب»، كما قال.

«أشعر أحيانًا أن النظام السياسي يورطنا ويظهرنا للجمهور المصري على أننا مجموعات مدربة وتابعة له»، يقول عضو كشافة الكنيسة المصرية، الذي أعرب أيضًا عن خوفه من أن تتحول تلك الصورة المُصدّرة  عنهم لما أسماه بـ«الكمين»، كما كان يحدث مع بعض الجماعات الإسلامية التي اتهمها النظام في وقت سابق، بامتلاكها ميليشيات مُسلحة، على حسب قوله.

ووفقًا للمصدر الخاص، فإن كشافة الكنيسة تتشكل من أبناء الكنيسة الشباب، فتيان وفتيات، وعادة ما تتشكل فرقة كشافة كل كنيسة من نفس أبناء شباب الحي أو المنطقة المحيطة، ويكونون من مرتادي الصلوات بشكل دائم، ويتمثل دورهم في التنظيم الداخلي.

وأوضح صاموئيل متياس، أمين مراسم البابا، والقائد العام للأمانة العامة للكشافة والمرشدات بأسقفية الشباب، في تصريحات صحافية، أن هناك خلطًا بين الأمن الإداري والكشافة، وأنه لمجرد أن أفراد الكشافة يرتدون زيًا مُوحدًا يعتقد الناس أنهم المسؤولون عن التأمين، ووفقًا له فذلك «اعتقاد خاطئ، لأن التأمين دور القوات الأمنية»، وهو ما أكّد عليه أمجد إسكندر، قائد تدريب كشافة وادي النيل، الذي شدد في تصريحات صحافية على أنه «لسنا أفراد أمن داخلية، وليس دورنا التأمين».

وتعاني الكنائس المصرية من استهدافها بأعمال عنف ما بين الحين والآخر، تصاعدت بشكل كبير بعد ثورة 25 يناير 2011. وتُعد أبرز التعديات على الكنائس المصرية بعد 25 يناير، هجوم عشرات المتظاهرين المسلمين، في أبريل (نيسان) 2013، بالحجارة والخرطوش، على الكاتدرائية المرقسية في منطقة العباسية، فيما اعتبرت سابقة هي الأولى من نوعها، ليُرد عليهم بطلقات نارية من داخل الكنيسة.

وعقب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في أغسطس (آب)، شهدت عدد من الكنائس المصرية أعمال عنف، إذ قالت هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية، إن نحو 42 كنيسة وممتلكات مسيحية، تعرضت للنهب والسلب في أنحاء البلاد، فيما تعرضت الكنيسة البطرسية في ديسمبر (كانون الأول) 2016 لتفجير انتحاري راح ضحيته نحو 25 شخصًا، أغلبهم من السيدات والأطفال.

الكشافة تؤمن الكنيسة

ولم يكن لفظ التأمين جديدًا على كشافة الكنيسة، رغم النفي المستمر  لأدائهم هذا الدور، حيث بدأ لفظ تأمين يقترن بالكشافة في الصحافة المصرية منذ عام 2008، مع عودة البابا شنودة من رحلة علاج، إذ ورد خبر يقول نصًا: «وفرض فريق الكشافة الخاص بالكنيسة طوقًا أمنيًا مشددًا لمنع وصول أي شخص إلى البابا خوفًا عليه من الزحام«.

كما ظهرت وكأنها معاونة للداخلية في 22 أبريل (نيسان) 2011، في بيان عن وزارة الداخلية حول تأمين الكنائس في الأعياد قال: »وانتشر رجال الشرطة (…) فيما تولى رجال الكشافة المسيحية تأمين الكنائس من الداخل«، وحول التحولات الأمنية خلال السنوات الأخيرة نشرت صحيفة مصرية في يوليو (تموز) 2015، أن هناك تعديل في خطة تأمين الكاتدرائية، من بينها تغيير القوات الأمنية لطاقم أفراد الأمن والكشافة والحراسة الخاصة بالبابا، في تعامل مع الكشافة على أنها قوة أمنية. وفي إطار الصراع بين بعض القوى الإسلامية وبين الكنيسة، ترددت اتهامات للكنيسة بتحويل الكشافة لميلشيات مسلحة، لكنها اتهامات لم ترد عليها أية دلائل.

وفي بعض الأحيان، تجاوزت الكشافة التنظيم أو حتى التأمين إلى الاعتداءات، كما فعلت مجموعة كشافة كنيسة السيدة العذراء في منطقة الزيتون شرقي العاصمة القاهرة، باعتدائها على عدد من المحررين الصحافيين، خلال زيارة البابا للكنيسة في أبريل (نيسان) 2013.

ونقلت مصادر صحافية اعتداء الكشافة على كل من الصحافيين ريمون ناجي، وطانيوس تمري، مستخدمين حزام الوسط الجلدي والأيدي، مُطلقين بعض الألفاظ النابية. وفي يونيو (حزيران) 2015، برز دورٌ آخر لبعض أعضاء الكشافة، عندما اشتبكوا مع بعض المتظاهرين المسيحيين المطالبين بالزواج الثاني.

وكان رد فعل معارضي الكنيسة المصرية على ما أُثير من تدريب الداخلية لكشافة الكنيسة، بالاتهام المباشر للدولة المصرية بالتأسيس لميليشيات مسيحية، كما قال عطية عدلان عضو التحالف الوطني لدعم الشرعية، الذي اعتبر الأمر صناعة مُباشرة لميليشيا قبطية.

كذلك كثرت التخوفات من منطلق أن ذلك قد يدفع إلى زيادة الهوة الطائفية في مصر، وقد يُشكّل خطرًا حقيقيًا على الأمن القومي للبلاد حال تعاملت معه بعض الجماعات المُسلحة «المتشددة» على أنّه أكثر من مُجرد تدريب لتأمين الكنيسة.

على جانب آخر، يرى البعض ومن بينهم الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية، جمال عبدالجواد، أن تأمين الكنيسة بأفراد الكشافة «أمر جيّد»، مُعللًا بصعوبة وجود قوات شرطة داخل الكنيسة! لكن مصطفى علوي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، يُؤكد على أن التأمين الداخلي والخارجي مسؤولية الداخلية المصرية، إلا أنه في نفس الوقت قلل من التخوفات أن تتحوّل كشافة الكنيسة لميليشيات مُسلحة.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد