خلال الأعوام الأربعة الماضية ازدهرت حركات وأحزاب اليمين المتطرف في أوروبا بشكل كبير، ووصلت للحكم في بعض البلدان، وفرضت نفسها على الشارع السياسي والشعبي بعد عقود من العمل في الخفاء.

وإن كان تزايد نفوذ مثل هذه الحركات في دول مثل إيطاليا والنمسا مثيرًا للقلق، فازدهارها في ألمانيا يثير الكثير من المخاوف، نظرًا لتاريخ ألمانيا شديد التعقيد مع مثل هذه الحركات، فذكرى حكم الحزب النازي بزعامة أدولف هتلر وما ألحقه من دمار في العالم حتى سقوطه بهزيمته في الحرب العالمية الثانية، لا تزال عالقة بالأذهان.

وأثار ازدهار حركات اليمين المتطرف وخروجها للشارع، وزيادة معدلات جرائم الكراهية وتلك المدفوعة بدوافع يمينية متطرفة، بما فيها اغتيال السياسي الألماني الداعم للاجئين، فالتر لوبكة، في يونيو (حزيران) الماضي، الكثير من الجدل حول إمكانية عودة اليمين المتطرف للحكم في ألمانيا.

التمويل إسلامي والدعم إسرائيلي! سر خلطة صعود اليمين المتطرف الإسباني

اليمين المتطرف.. «طفرة أوروبية»

تشكلت في السنوات الأخيرة شبكة معقدة من الأحزاب والتنظيمات والحركات اليمينية المتطرفة يمكن وصفها بـ«اليمين الجديد»، تنتشر في الشوارع والإنترنت وبعضها تمكن من الوصول للبرلمان أو الحكومة في القارة الأوروبية، وتمثل خطرًا كبيرًا لا تدرك السلطات الأوروبية حجمه، حسب كتاب «شبكة اليمين الجديد» الذي صدر في أبريل (نيسان) الماضي، وأعده الصحافيان كريستيان فوكس وبول ميدلهوف.

وتضم شبكة اليمين المتطرف في أوروبا 150 حزب ومنظمة وحركة يمينية متطرفة ترتبط بقوة ببعضها البعض أبرزها «حزب البديل لأجل ألمانيا»، ثالث أكبر كتلة في البرلمان الألماني، و«حزب الحرية» الذي شارك في الحكومة النمساوية السابقة (بين أواخر 2017، ويونيو 2019)، وحركة النجوم الخمس (مشاركة في الحكومة الإيطالية)، وحركة الهوية (معادية للأجانب) التي جرى تأسيسها في فرنسا عام 2012، ولديها فروع في ألمانيا والنمسا، وثبت مؤخرًا تلقي فرعها النمساوي تبرعات من تارانت، منفذ هجوم نيوزيلاندا الإرهابي على مسجدين (والذي أسقط 50 قتيلًا)، وحركة بيجيدا الألمانية المعادية للإسلام (تأسست في 2014).

Embed from Getty Images

زعيمة اليمين المتطرف بفرنسا، ماري لوبان

ووفق كتاب «شبكة اليمين الجديد»، فإن اليمين المتطرف يريد «احتلال كل قطاع في المجتمع وتقديم بديل لكل شيء»، ودلل على ذلك بأن الشبكة تملك مجلة «أركادي» الخاصة الألمانية التي تجذب كثير من الشباب، وتقدم مقالات عن نمط الحياة اليميني، وإعلانات عن شركات ونشطاء اليمين المتطرف. 

الأمر تخطى ذلك، إذ يمكن لليمينيين المتطرفين شراء أزياء معبرة عن فكرتهم مثل قمصان «نحن الشعب» من متجر «فالانكس» (عبر الإنترنت)، وسماع الموسيقى الخاصة بهم في أعمال مطربين يمينيين أبرزهم مغني الراب الألماني كومبلوت، وكذلك متابعة إذاعة الراديو «لايت بيت راديو» الألمانية الخاصة، التي تقدم محتوى معبر عن شبكة اليمين الجديد، فضلًا عن تواجد نشطاء بارزين للشبكة على شبكات التواصل الاجتماعي مثل بريتني بيتيبون، حسب ما نقلته صحيفة «بيلد» الألمانية.

وتملك الشبكة أيضًا دار النشر الخاصة «كوب»، وصحيفة «يونجه فرايهايت» الخاصة (وهي صحيفة ألمانية أسبوعية تأسست عام 1986)، ومجلة «كومباكت» الخاصة (ألمانية شهرية تأسست عام 2010)، ويبدو أن جزءًا من شبكة اليمين الجديد في أوروبا وكأنه «مجتمع مغلق يتحرك فيه المؤمنون بأفكار اليمين المتطرف»، حسب الكتاب.

وحول طرق تمويل هذه الحركات، ذكر كتاب «شبكة اليمين الجديد» أن رواد الأعمال وملاك السفن في ولايتي هامبورغ وبافاريا الألمانيتين ضخوا عشرات الآلاف من اليوروات في شبكة اليمين الجديد في السنوات الأخيرة، فضلًا عن مساهمات الأشخاص العاديين من المتعاطفين أو أعضاء الحركات الأساسية المكونة لليمين الجديد في أوروبا.

وتقوم فكرة اليمين الجديد على منح السيطرة لـ«السكان الأصليين» أو «المواطنين المرتبطين ثقافيًا بأوروبا»، ورفض اللاجئين والمهاجرين والمطالبة بطردهم من البلاد الأوروبية في أحيان كثيرة. ويطرح اليمين الجديد نفسه بديل للأنظمة السياسية الحالية في أوروبا، ويطمح للسيطرة المنفردة على السلطة. وتعود جذور الشبكة لحركات النازيين الجدد التي برزت في تسعينات القرن الماضي إحياءً لـ«الحزب النازي» الذي حكم ألمانيا بين عامي 1933 و1945.

ألمانيا.. حزب يكسب أرضًا وحركات تزداد عنفًا

حقق اليمين المتطرف طفرة كبيرة في ألمانيا خلال الأعوام الماضية، فحزب البديل لأجل ألمانيا، المؤسس عام 2013، بات أول حزب يميني متطرف يدخل البرلمان الألماني في سبتمبر 2017، بعدما حصد 12.6% من الأصوات، وأصبح صاحب ثالث أكبر كتلة برلمانية، وحزب المعارضة الرئيس. 

وبعد ذلك التاريخ بعامين، وبالتحديد في 1 سبتمبر 2019، حقق «حزب البديل لأجل ألمانيا» نتائج قوية وغير مسبوقة في الانتخابات المحلية في ولايتي ساكسونيا وبراندنبورغ، شرقي ألمانيا. وحصد الحزب 27.5% من الأصوات في ولاية ساكسونيا محتلًا المرتبة الثانية بعد «الحزب الديمقراطي المسيحي» 32% الذي تنحدر منه المستشارة أنجيلا ميركل.

Embed from Getty Images

شعار حزب البديل لأجل ألمانيا

وفي ولاية براندنبورغ، تصدر «الحزب الاشتراكي الديمقراطي» الذي يحكم الولاية المشهد بحصوله على 27.5% من الأصوات، وحل «حزب البديل لأجل ألمانيا» في المرتبة الثانية بـ22.5% وهي نتيجة غير مسبوقة لهذا الحزب في الولاية. ولا يخفي «حزب البديل لأجل ألمانيا» هدفه الأساسي، فرئيس الحزب وزعيم كتلته البرلمانية، ألكسندر غاولاند أعلن عقب انتخابات براندنبورغ وساكسونيا، أن الحزب يريد حكم ألمانيا في المستقبل القريب.

وبالإضافة إلى هذه الطفرة السياسية، تتصدر حركات اليمين المتطرف المشهد في ألمانيا، إذ يزداد عدد المنضمين لها بشكل كبير، وتقدر هيئة حماية الدستور «الاستخبارات الداخلية» عدد المنضوين تحت لواء هذه الحركات حتى نهاية 2018 بـ24100 شخص. وتمثل« النازيين الجدد»، و«مواطني الرايخ»، و«الهوية» أبرز حركات اليمين المتطرف في البلاد.

وترصد الشرطة الألمانية بشكل متزايد أسلحة بين أيدي نشطاء اليمين المتطرف. فخلال 2018، رصدت قوات الأمن 1091 قطعة سلاح في حوذة نشطاء من اليمين المتطرف، مقارنة بـ676 في 2017. كذلك نجحت هذه الحركات في اختراق الجيش الألماني، وتجنيد جنود داخله، ما يثير قلقا كبيرا. وحتى أغسطس (آب) الماضي، سجلت الاستخبارات الحربية 477 حالة انتماء لليمين المتطرف بين جنود الجيش

وقبل عامين رصدت السلطات الألمانية خلية لليمين المتطرف في الجيش بقيادة ضابط يدعى فرانكو ايه، كانت تخطط لشن هجمات إرهابية على أهداف عدة بينها مطار العاصمة النمساوية فيينا، واغتيال صحفيين ألمان، وإلصاق هذه الجرائم باللاجئين.

ووفق تقرير للإذاعة الألمانية «دويتشه فيلا»، فإن الشرطة سجلت 1156 جريمة مدفوعة بدوافع يمينية متطرفة في 2018، بينها جرائم الكراهية ضد الأجانب والمسلمين في الأراضي الألمانية. ووقعت أخطر جريمة لليمين المتطرف في يونيو الماضي، حين اغتال أحد نشطاء «النازيين الجدد» السياسي المحلي بولاية هيسن «وسط»، فالتر لوبكة، بالرصاص، بسبب مواقف الأخير الداعمة للاجئين، في سابقة لم تحدث منذ عقود وأعادت للأذهان عمليات الاغتيال التي نفذها نظام هتلر ضد معارضيه السياسيين.

وفي وقت سابق هذا العام، أوقفت السلطات الألمانية رجلًا أرسل 200 خطاب تهديد بأعمال عنف وتفجيرات إلى مؤسسات حكومية وشخصيات سياسية عامة في ألمانيا موقعة بـ«الاشتراكيين القوميين»، وهي أيدلوجية النظام النازي بقيادة أدولف هتلر، حسب صحيفة «دي فيلت» الألمانية.

كما أعلنت الشرطة الألمانية في يوليو (تموز) الماضي، أن حركة يمينية متطرفة تسمى «نوردكرويتس» (صليب الشمال) أعدت قوائم اغتيالات سياسية في كل أنحاء ألمانيا، ضمت أسماء وعناوين 25 ألف شخص. ونقلت «شبكة التحرير الاخبارية» الألمانية الخاصة عن المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية أن «حركة نوردكرويتس خططت لعمليات قتل ذات دوافع سياسية في جميع أنحاء ألمانيا»، مضيفة أن «الشرطة استطاعت إحباط المخطط».

وفي مدينة كيمنتس شرقي البلاد، استطاعت السلطات قبل عدة أشهر، رصد خلية يمين متطرف مكونة من ثمانية أشخاص تتراوح أعمارهم بين 21 و32 عاملًا، تخطط للاطاحة بالنظام الديمقراطي. وكان المتهمون يخططون لأهدافهم عبر محادثات عبر الإنترنت، ويتحدثون عن ارتكاب عمليات قتل، وفق صحيفة «دي فيلت».

محاولات حثيثة لاحتواء الظاهرة

مع تفاقم ظاهرة اليمين المتطرف في ألمانيا، وضعت الحكومة الألمانية خطة الشهر الماضي، لمكافحة هذا الخطر. وتشمل الخطة في هيئة حماية الدستور «الاستخبارات الداخلية» لمكافحة الإرهاب اليميني، وتدشين 500 وظيفة جديدة في هذا القسم.

Embed from Getty Images

تظاهرات ضد اليمين المتطرف في ألمانيا

كذلك وضع المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية خطة لإعادة هيكلة الشرطة وزيادة عدد عناصرها، لمواجهة خطر اليمين المتطرف. ووفق صحيفة «دي فيلت»، فإن المكتب انتهى في أغسطس الماضي، من إعداد خطة لاعادة هيكلة جهاز الشرطة، تتضمن إنشاء جهاز شرطي لمكافحة جرائم الكراهية. وتشمل أيضًا زيادة عناصر الشرطة وخلق 440 وظيفة جديدة في أروقتها.

فيما اقترحت رئيسة لجنة الشؤون الداخلية بالبرلمان الألماني، أندريا لندهولتز، الثلاثاء الماضي، إجراء عمليات تعقب إلكتروني لليمين المتطرف، واختراق الرسائل المشفرة بين نشطائه، كخطوة استباقية لمنع أي عمليات إرهابية، حسب ما نقله موقع «آر بي» الألماني الإخباري الخاص.

وأواخر يونيو الماضي، عقد المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية وهيئة حماية الدستور، اجتماعا سريا طارئا للجنة الأمن الداخلي في البرلمان «البوندستاغ»، بشأن خطر اليمين المتطرف، حسب ما نقلته في حينه مجلة «دير شبيجل» السياسية المرموقة. وقالت المجلة: «إن الاجتماع شهد إطلاق الشرطة والاستخبارات الداخلية تحذيرًا واضحًا من تنامي خطر الإرهاب اليميني المتطرف، خاصة بعد اغتيال لوبكة. كما حذرت الأجهزة الأمنية خلال الاجتماع من (موجة جديدة للعنف) اليميني المتطرف في البلاد».

وعلى الصعيد الشعبي،تنظم الأحزاب والحركات السياسية المنتمية لليسار ويمين الوسط فاعليات ومظاهرات بشكل دوري للتنديد بخطر اليمين المتطرف. وفي أغسطس الماضي، شارك أكثر من 30 ألف شخص في مظاهرة حاشدة ضد اليمين المتطرف والعنصرية في مدينة دريسدن، عاصمة ولاية ساكسونيا، جنوب شرقي البلاد.

وجرت المظاهرة تحت شعار «التضامن بدلًا عن الرفض: من أجل مجتمع حر ومنفتح» في وسط المدينة، وشارك فيها متظاهرون من مختلف الاتجاهات السياسية. ورفع المتظاهرون لافتات كتب عليها «العنصرية ليست خيارًا»، و«لا للنازيين»، مرددين هتافات تدعم تنوع المجتمع والمهاجرين.

هل يحكم اليمين المتطرف ألمانيا؟

في 2017 فجر «حزب البديل لأجل ألمانيا» المفاجأة وأصبح ثالث أكبر كتلة في البرلمان. ومنذ تلك اللحظة ازداد الجدل السياسي حول إمكانية مشاركة الحزب المعادي للمهاجرين في الحكومة الألمانية، أو وصول سياسي منتم له إلى منصب المستشار. 

Embed from Getty Images

متظاهر مناهض لحزب البديل لأجل ألمانيا

وجاء الأداء القوي للحزب في الانتخابات المحلية في ولايتي ساكسونيا وبراندنبورغ، في سبتمبر الماضي، ليزيد ذلك الجدل، ويرسخ موقع الحزب في المشهد السياسي الألماني. كما أن نشاط الحركات السياسية اليمينية، ولجوءها المتزايد للعنف لفرض نفسها على الشارع، يزيد القلق حول مستقبل البلاد.

ورغم الرغبة الواضحة لليمين المتطرف لحكم ألمانيا، وتخطيطه للوصول للسلطة بداية من الانتخابات التشريعية في عام 2021، إلا أن هذا الطموح لا يزال بعيدا عن التحول لواقع، في ظل رفض جميع الأحزاب الألمانية الدخول في ائتلاف حاكم مع «حزب البديل لأجل ألمانيا»، على المستوى الاتحادي، وصعوبة تصويت أكثرية الألمان لهذا الحزب في ظل الماضي السيئ لليمين المتطرف في البلاد، حسب تقرير لصحيفة «دي تسايت» الليبرالية الألمانية.

هل سنعود للعصور الوسطى في عام 2100؟!

المصادر

تحميل المزيد