قادت زيادة المعروض من النفط منذ منتصف 2014، أسعار الخام إلى خسارة أكثر من 100% في وقتٍ قصير، فيما تواصل الأسعار الترنح بالرغم من المحاولات الحثيثة من المنتجين لخفض الإنتاج بشكلٍ أو بآخر، ولكن حتى الآن ومع مرور أكثر من 3 سنوات على الأزمة لا جديد يذكر في الأزمة النفطية التي من المتوقع أن تستمرَّ لمدةٍ أطول مع استمرار الزيادة في المعروض النفطي.

يمكنك الاطلاع على توقعات مستقبل أسعار النفط من هذا التقرير:

وبعيدًا عن النفط تشير المعطيات الحالية إلى أنَّ الغاز الطبيعي المسال – غاز يتمّ تبريده لدرجاتٍ فائقة وينقل بالناقلات إلى مختلف أنحاء العالم- ربما يقع في نفس مأزق النفط، وذلك في ظلّ قفزةٍ كبيرة في الإنتاج، بالإضافة إلى دخول دول جديدة إلى سوق التصدير، وسط منافسة كبيرة بين المصدرين.

وخلال السنوات العشر الأخيرة، استثمرت شركات أمريكية وأوروبية كبرى مثل رويال داتش شل، وشيفرون مبالغ طائلة، أكبر في الغالب مما أنفقته على النفط، وذلك في محاولة للهيمنة على سوق الغاز الطبيعي المسال، خاصةً من خلال مشروعات عملاقة في أستراليا مثل مشروع جورجون لشركة شيفرون، ومشروع بريليود لشركة شل، ولكن هذه الاستثمارات تواجه الآن منافسة لا تقل شراسة عن نظيرتها، وذلك من جانب قطر وروسيا وكذلك إيران، ناهيك عن الضيوف الجدد على السوق.

ويعتبر المحللون أنّ الحرب في سوق الغاز الآن تتركز في آسيا التي تستهلك 70% من الوقود الذي يعتبر مصدرًا رئيسيًا للطاقة لتلبية طلب مرتفع دون التلوث الواسع الذي ينتجه الفحم، كما أن أكبر مشترٍ للغاز الطبيعي في العالم هي شركات المرافق، خاصة في اليابان وكوريا الجنوبية.

ووفقًا لتقرير صادر عن الاتحاد الدولي للغاز (IGU)، فإنّ قطر جاءت في مقدِّمة أكبر عشر دول مصدِّرة للغاز الطبيعي المسال لعام 2017، وذلك بصادرات 77.2 مليون طن، وحصتها نحو 29.9% من السوق العالمية، إذ تمتلك الدولة الخليجية شركة «قطر للغاز» التي تبلغ سعتها الإنتاجية نحو 42 مليون طن سنويًّا، فيما تأتي أستراليا بالمرتبة الثانية، بـ 44.3 مليون طن صادرات، 17.2% حصة سوقية، إذ يوجد بها حاليًا 7 مشروعات عملاقة للغاز الطبيعي المسال قيد الإنتاج، وثلاثة قيد التطوير، وتلك استثمارات غير مسبوقة.

وتقع ماليزيا في المرتبة الثالثة، بحسب التقرير، وذلك بـ 25 مليون طن صادرات، 9.7% حصة سوقية، فيما تمتلك شركة «بتروناس» الماليزية القدرة على الوصول بالإنتاج إلى أكثر من 24 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًّا، وتحل نيجيريا العضو في أوبك، في الترتيب الرابع عالميًّا بـ 18.6 مليون طن، صادرات 7.2% من حصتها من السوق، ويمكنها إنتاج 22 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًّا.

إندونيسيا صاحبة المركز الخامس، والتي ربما تتخلي عنه خلال الأشهر القادمة، بسبب قوة الطلب المحلي، تصدر نحو 16.6 مليون طن، وتستحوذ على 6.4%، ويأتي ترتيب باقي القائمة كالتالي: الجزائر، روسيا، ترينداد، سلطنة عمان، بابوا غينيا الجديدة، على التوالي.

ويرى الخبراء أن هذه القائمة ربما تتغير ملامحها كثيرًا بنهاية العام الجاري، وذلك في ظل معطيات تشير إلى حرب في إنتاج الغاز، قد تنال كذلك من الأسعار، وذلك كما حدث في النفط، وهذه أبرز  المعطيات:

1- 30 % زيادة بالإنتاج.. قطر المفاجأة الأكبر بالسوق

بالنسبة لقطر الغاز المسال هو كلّ شيء.

هكذا قال أجاي سينغ، الاستشاري المتخصِّص لدى شركة اليابان للتنقيب عن النفط، والمسؤول التنفيذي السابق بقطاع الغاز في شل، متحدثًا عن قطر، مضيفًا أن «تكلفة إنتاج الغاز المسال في الدوحة من بين الأقل في العالم، إذ اتبعت قطر سياسة حصيفة تمثلت في تعظيم القيمة من أسعار السوق في أنحاء العالم».

ومع احتدام المنافسة في سوق الغاز المسال، ولا سيما من أستراليا والولايات المتحدة وروسيا، وعزم إيران زيادة الإنتاج في حقل بارس الجنوبي، أطلقت قطر خطة لزيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 30%، والتي تعد بمثابة الطلقة الأولى في حرب الأسعار دفاعًا عن عملائها في آسيا، إذ فاجأت قطر أسواق الطاقة مؤخرًا بزيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال إلى 100 مليون طن سنويًّا، أي ما يعادل ثلث الإمدادات العالمية الحالية خلال فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات.

الخطوة القطرية ستؤدي إلى زيادة المعروض في سوقٍ تعاني بالفعل من زيادة العرض عن الطلب، فيما يعد تحديًا غير مستتر لمصدرين آخرين في مقدمتهم أستراليا والولايات المتحدة وروسيا يعملون أيضًا على رفع إنتاجهم.

فيما تمتلك الدوحة مميزات تنافسية، وذلك في ظل تكاليف الإنتاج المنخفضة، وقرب منشآت الغاز الطبيعي المسال القطرية من المشترين في أوروبا وآسيا، إذ يقول محللون إن قطر في وضعٍ يسمح لها بالتفوق على غيرها لانخفاض تكلفة الإنتاج لديها، ووجود البنية التحتية اللازمة، كما يسهم إغراق قطر السوق بالمزيد من الغاز الطبيعي المسال في الدفاع عن مكانتها كأكبر مصدر في العالم، والتي تتحداها أستراليا.

وتسعى ثلاث من كبرى شركات الطاقة الغربية في التقرب من قطر كي تشارك في زيادة ضخمة لإنتاجها من الغاز، إذ التقى الرؤساء التنفيذيون لشركات إكسون موبيل، ورويال داتش شل ،وتوتال الفرنسية بأمير البلاد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في قطر قبل أن تعلن الدوحة خططها، لزيادة إنتاجها.

وفي السياق ذاته، كانت شركة «قطر غاز» قد وقّعت اتفاقية بيع وشراء مع شركة «شل»، ستقوم بمقتضاه قطر غاز بتوريد 1.1 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًّا لشركة شل ولمدة خمس سنوات، على أن تبدأ في يناير (كانون الثاني) 2019.

2- إيران.. الاستثمار الأكبر منذ رفع العقوبات

بعد يومٍ واحد من إعلان قطر جاء توقيع إيران أول اتفاق مع شركة توتال الفرنسية وشركة سي.إن.بي.سي. المملوكة للدولة في الصين لإنتاج الغاز من الحقل الذي تشترك فيه مع قطر، إذ قال بيفريدج المحلل بشركة سانفورد سي. برنستاين إن الخطوة القطرية لزيادة الإنتاج قد تكون ردًّا على استئناف توتال أعمال التطوير في الجانب الإيراني من حقل الغاز.

وتستحوذ توتال على 50.1% في مشروع بارس الجنوبي؛ بينما تملك سي.إن.بي.سي. الصينية المملوكة للدولة 30%، وبتروبارس الإيرانية 19.9%. بدأ تطوير الحقل البحري في التسعينيات وكانت توتال أحد أكبر المستثمرين في إيران حتى فرض العقوبات الدولية في 2006 بسبب الارتياب في سعي طهران لتطوير أسلحة نووية، وتأمل إيران، ثالث أكبر منتج للنفط بمنظمة أوبك، في أن تجتذب عقودها النفطية الجديدة الشركات الأجنبية ليزيد إنتاج الخام والغاز بعد سنوات من شح الاستثمارات.

3- روسيا.. تهدف للتربّع على عرش الغاز عالميًّا

تحاول موسكو تدعيم نصيبها في السوق، إذ قالت شركة جازبروم الروسية، إنّها ستبدأ ضخّ الغاز إلى الصين من خلال خط أنابيب جديد بحلول أواخر عام 2019، أي قبل الموعد الذي كان كثيرون يتوقعونه، إذ إنّ الصين، في طريقها كي تصبح أكبر مستهلك للغاز الطبيعي في إطار برنامج استثماري ضخم للتوسع في البنية التحتية للغاز المسال وخطوط الأنابيب.

مارك جيتفاي المدير المالي في نوفاتك، من جانبه قال، إن منتج الغاز الروسي نوفاتك يطمح إلى منافسة قطر على صدارة مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم مع اقتراب الشركة من إتمام أول مشروعاتها للغاز الطبيعي المسال، متوقعًا أن يبدأ أكبر منتج روسي غير حكومي للغاز تصدير الغاز المسال من المرحلة الأولى من المشروع «يامال» في القطب الشمالي قرب نهاية العام الحالي.

ويأتي هذا بعد أن صدَّرت روسيا كمياتٍ قياسية من الغاز إلى أوروبا وتركيا عام 2016، بلغ حجمها 179.3 مليار متر مكعب، وذلك رغم رغبة الاتحاد الأوروبي في التخلص من التبعية للمحروقات الروسية، بحسب ما أعلنت شركة «غازبروم» الروسية العملاقة العامة، إذ شهدت حجم هذه الصادرات زيادة بنسبة 12.5% أي 19.9 مليار متر مكعب، مقارنة بعام 2015.

على الجانب الآخر، ستكون الشراكة الروسية– السعودية كذلك عاملًا مهمًّا في السوق التي باتت مزدحمة بالمصدرين، إذ قال وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، مؤخرًا، إن التعاون في مجال الطاقة مع السعودية «أولوية مهمة» وسيتعمق إذا قبلت الرياض بعرض مقدم لها للمشاركة في مشروع غاز في المنطقة القطبية الشمالية بروسيا، موضحًا أنه عُرض على أرامكو السعودية خيارات متنوعة للمشاركة في مشروع الغاز الطبيعي المسال-2 في المنطقة القطبية الشمالية.

4- أمريكا.. ترامب يبحث عن دور

يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لجعل بلاده أكبر مصدِّر للغاز الطبيعي في العالم أيضًا، بوصفه مكوّنًا مركزيًّا للطاقة والتجارة معًا، إذ تجسدت هذه الطموحات مؤخرًا، في موافقة وزارة الطاقة الأمريكية، على إقامة ميناء للتصدير في تكساس، بجانب فتح الطريق أمام تصدير المزيد من الغاز من ولاية أوريجون إلى قارة آسيا.

ويأتي هذا الاتجاه الأمريكي في انتظار الفوائد الاقتصادية للبنية التحتية لصادرات الغاز، إذ تتطلّب استثمارات كلّ محطة لتصدير الغاز الطبيعي، نحو 10 مليارات دولار أو ما يزيد، بجانب توفيرها لآلاف الوظائف العمالية واستهلاكها لكميات مهولة من الحديد، وهو الأمر الذي سينعش الاقتصاد الأمريكي بشكلٍ ملحوظ.

إذ يقول دانيل يرجين، مؤرخ الطاقة ومدير مؤسسة «آي إتش إس ماركيت» الاستشارية: «يحقِّق تصدير الغاز الطبيعي المُسال، العديد من الأهداف التي تشمل، التصدي لعدم التوازن التجاري، بالإضافة لدعم الوظائف واستثمارات الطاقة والصادرات، وغيرها من الأهداف الإدارية»، وذلك حسبما ذكرت إنترناشونال نيويورك تايمز.

5- السعودية.. مساعٍ لزيادة حصتها

وبعيدًا عن الشراكة السعودية– الروسية، أكد رئيس شركة أرامكو النفطية السعودية، وكبير إدارييها التنفيذيين، أمين الناصر أنّهم يهدفون لرفع إنتاج المملكة من الغاز إلى 23 مليار قدم مكعب (651 مليون متر مكعب)، في السنوات العشر القادمة، بهدف زيادة حصة الغاز الطبيعي في سوق الطاقة العالمية، قائلًا إنّ الشركة العملاقة ستعمل على تشجيع استخدام الغاز الطبيعي، مشيرًا إلى تنامي الطلب العالمي للطاقة، الذي توازيه زيادة في الاستهلاك.

6- مصر وإسرائيل.. الوافدون الجدد

باتت كل من مصر وإسرائيل على أعتاب دخول قائمة مصدري الغاز، إذ أعلن وزير البترول والثروة المعدنية المصري، طارق الملا، أن العام الحالي سيشهد دخول المراحل الأولى لإنتاج حقول «شمال الإسكندرية» و«ظهر» و«أتول» (شمال) باستثمارات تبلغ 31 مليار دولار، ووضعها على خريطة الإنتاج، بالإضافة إلى طموح للتصدير في المستقبل.

إسرائيل من جانبها تبحث عن طرق للتصدير، إذ قال مدير عام وزارة الطاقة الإسرائيلية شاؤول مريدور، إن بلاده تُجري تقييمات على ثلاثة خيارات لتصدير غازها الطبيعي؛ إما عن طريق تركيا ومنها إلى أوروبا (عبر نظام الغاز التركي)، وإما عن طريق خط أنابيب شرق المتوسط البحري/ البري الذي ينقل الغاز مباشرة إلى أوروبا، أو عبر مواني الغاز الطبيعي المسال في مصر.

علامات التُّخمة.. الهند تشتري بشروطها

وفي ظاهرة ربما تكون جديدة على السوق، قال وزير النفط الهندي دارمندرا برادان، مؤخرًا، إنّ بلاده مستعدة لتوقيع اتفاقاتٍ طويلة الأجل لشراء الغاز مع قطر شريطة أن توافق الدوحة على الاستحواذ على حصصٍ في محطات الكهرباء في الهند، وهو الأمر الذي يعني أنّ الهند تفرض شروطًا على الدوحة لشراء الغاز، وذلك وسط البدائل والعروض الكثيرة المتاحة، وفي ظل تخمة المعروض العالمي من الغاز المسال، وركود الأسعار، طلب مشترون آخرون أيضًا عقودًا أكثر مرونة تضم بنودًا تتيح لهم إعادة بيع الغاز الذي لا يستهلكونه.

الأسعار والعلاقة المعقدة بين النفط والغاز

تسببت تخمة المعروض من الغاز الطبيعي المسال في انخفاض الأسعار بشكلٍ كبير، إذ تراجعت الأسعار الفورية في آسيا أكثر من 40% هذا العام إلى 5.50 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وبنسبة 70% من ذروتها في 2014، وحتى الآن يقدم معظم الغاز الطبيعي المسال بموجب عقود طويلة الأجل بين المنتجين والمستهلكين ليس فيها مرونة تذكر، وفي الكثير من الحالات تمنع المستوردين أيضًا من إعادة بيع الشحنات.

ولا شك أن الأسعار من أخطر المشاكل التي تواجه سوق الغاز، إذ إن خطورة الأسعار وحساسيتها تعتبر مشكلة للثلاثي المنتج والمستورد ومؤسسات التمويل الدولية لمشروعات الغاز، إذ إن تدني الأسعار إلى الحد الأدنى وعدم الاستمرار في عمليات البيع قد يؤدى إلى مخاطر اقتصادية على الدول المنتجة والمستثمرين على السواء كمصدرين للغاز، وفي نفس الوقت تبحث الدول المستوردة عن تأمين ضمانات تزويدات الغاز الطبيعي لمستهلكيها.

إن الانخفاض الملحوظ في أسعار الغاز يفترض ارتباطه بأسعار النفط، ولكن الارتفاع الذي شهدته الأخيرة لم يقابله أي ارتفاع بالأولى، إذ نتج عن ذلك أن سعر الوحدة الحرارية من الغاز أصبح أقل بكثير من سعر مثيلتها من النفط، مما آثار القلق لدى الدول المنتجة، والتي لم تتضح لها صورة السوق بعد بسبب عدم الترابط بين أسعار الغاز وأسعار النفط، والتفاوت الحاصل بينهما؛ مما ينذر بناقوس أزمة أسعار، مع استمرار تخمة المعروض الحالية.

المصادر

تحميل المزيد