في بقعة صغيرة وسط صحراء تبلغ  مساحتها 266 ألف كيلومتر مربع، مع 1100 كيلومتر واجهة على المحيط الأطلسي، جلست سيدة سمراء داخل خيمة صنعت بجهد كبير من وبر الإبل، كان خمارها فاقع اللون يظهر عيونها محدقة في رمال الصحراء الممتدة.

على الأرجح أن هذه السيدة لا تعلم  بتفاصيل الخلاف القائم الآن بين الحكومة المغربية وجبهة «البوليساريو» والذي وصل لحد التهديد بالخيار العسكري من كلا الطرفين، فهل تضج مضاجع هذه السيدة آلة الحرب في البقعة الأفريقية الوحيدة التي لم يسوّ وضعها السياسي بعد انتهاء الاستعمار في أفريقيا.

تحركات في «المحبس» تصعد التوتر بين المغرب و«البوليساريو»

تصاعدت حدة التوترات بين المغرب والجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب «البوليساريو» التي تسعى إلى تحرير الصحراء الغربية مما تعتبره «احتلالًا مغربيًا»، وذلك نتيجة قيام عناصر من الجبهة بالتحرك نحو منطقة الكركارات بإقليم الصحراء، فقد قامت وحدات تابعة للبوليساريو بمناورات عسكرية في منطقة «المحبس» الواقعة في محافظة (آسا الزاك) الخاضعة للمغرب، كما حفروا خندقًا واستعملوا ساترًا رمليًا، وهو ما اعتبرته المغرب بمثابة إعلان منهم عن استعدادهم للحرب.

قيام عناصر من البوليساريو بالوصول للمنطقة العازلة بسيارتين رباعيتي الدفع -صورة لإعلام مغربي.

وتؤكد المغرب أن الجبهة أخطرت عددًا من سكان مخيم «الداخلة» المتواجد في منطقة تيندوف الجزائرية (التجمع الرئيسي للاجئين الصحراويين) بالاستعداد للرحيل من المخيمات قرب الجدار الأمني الذي شيده المغرب سنوات الثمانينيات، والتي تعتبر منطقة منزوعة السلاح بمقتضى قرار أممي لوقف إطلاق النار في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) 2011.

ويخشى المغرب أن ينتهي المطاف بهذه التحركات بإقامة الجبهة «رئاسة جمهوريتها» في هذه المناطق، ويؤكد تقرير لصحيفة «البايس» الإسبانية أنه خلال السنة الماضية كان هناك «تحركات غير مسبوقة، سواء من قبل المغرب أو جبهة البوليساريو، في المنطقة العازلة، على الحدود مع موريتانيا، وخلال هذه التوترات، كانت المساحة الفاصلة بين جيش المغرب ومسلحي البوليسارسو لا تتجاوز 100 متر».

ويضيف التقرير: «إن جوهر المشكلة انتقل في الوقت الراهن من الحدود الجنوبية إلى الصحراء إلى جهة الشمال الشرقي، وعلى وجه الخصوص، تقع المنطقة المسببة للخلاف الأخير بين قريتي تيفاريتي وبير لحلو، وفي هذه المنطقة، يقدر المغرب أن جبهة البوليساريو ترغب في فرض واقع جديد، ويكتسي هذا المكان بعدًا رمزيًا لدى الصحراويين، خاصة وأنه يوجد فيه قبر الزعيم السابق لجبهة البوليساريو، محمد عبد العزيز».

وردت الجبهة على لسان عضو الأمانة الوطنية، والمنسق مع بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو) «محمد خداد» بالقول إن: «هدف هذه الحملة الأساسي (المغربية) تحويل أنظار الرأي الداخلي المغربي عن سلسلة الهزائم المتتالية التي يتلقاها تباعًا بسبب احتلاله الصحراء، والجبهة في منتهى الجاهزية والاستعداد والصرامة للرد وبقوة على أي تحرك مغربي يحاول المساس بالأراضي المحررة أو تغيير الأمر الواقع».

وأضاف –حسب وكالة الأنباء الصحراوية التابعة للبوليساريو– أن: «قوة الواقع الصحراوي وصلابة الموقف الأفريقي وقرارات المحكمة الأوربية وتوجهات الأمين العام للأمم المتحدة وجدية المبعوث الشخصي في تطبيق قرارات الأمم المتحدة والدفع نحو الحل المحدد بوضوح في قرارات مجلس الأمن 2353 المؤكدة على حق الشعب الصحراوي في تصفية الاستعمار وتقرير المصير، حاصرت المغرب ودفعته للتملص من التزاماته».

ويرى المحللون أن إثارة هذه الأزمة متعمد في هذا التوقيت، حيث يقدم الأمين العام للأمم المتحدة «أنطونيو غوتيريس» تقريره السنوي لمجلس الأمن، حول الأوضاع في الصحراء الغربية، فالمغرب ينتهز هذا الموعد لشن هجوم دبلوماسي مضاد للاستفزازات العسكرية للجبهة، لإظهار الجبهة على أنها شريك غير جدير بالثقة، وغير جاد في التوصل إلى حل سياسي، وتسعى لفرض سياسة الأمر الواقع في الصحراء الغربية، كذلك يعتبر المغاربة أن الجزائر «تقوم بافتعال الأحداث داخل الأقاليم الجنوبية كلما اقترب موعد إصدار تقرير مجلس الأمن بخصوص قضية الصحراء، وذلك بغية الضغط على الأمم المتحدة لتضخيم فقرات التقرير التي تتعاطى مع الوضع».

ويلتزم الطرفان بوقف إطلاق النار منذ عام 1991، وذلك حين انقسمت المنطقة فعليًا إلى جزئين أحدهما تحت سيطرة المغرب والآخر تحت سيطرة البوليساريو بينهما منطقة فاصلة، وتصاعد التوتر بين الطرفين العام الماضي بعد تجاوز القوات المغربية المنطقة الفاصلة إلى الكركرات قرب حدود موريتانيا، ورد قوات البوليساريو بإرسال قوات إلى المنطقة.

الخيار العسكري.. تهديد أم خطر حقيقي؟

الخيار العسكري بالنسبة للبوليساريو يظل قائمًا طوال الوقت، فالوضع الحالي يجعل الخيار العسكري قاب قوسين أو أدنى في ظل تمسك المغرب بموقفه وعدم ترك حق تقرير المصير للشعب الصحراوي. *الناشطة في جبهة البوليساريو «النانة الرشيد».

عناصر من جبهة البوليساريو ( المصدر: أ ف ب)

فعليًا، تحرك المغرب خلال الأيام القليلة الماضية نحو تعزيز حضوره العسكري في المناطق الجنوبية بالصحراء، فتحركت شاحناته العسكرية نحو مدينة العيون الجنوبية، وآلياته تجاه المناطق العازلة من أجل وضع حد لاستفزازات جبهة البوليساريو الأخيرة كما يقول المغاربة، وكان موقع «ميدل إيست آي»، قد أكد أن المغرب أعلمت نظيرتها الجزائرية عن طريق سفير أوروبي معتمد في الجزائر، بقرارها التدخل عسكريًا إذا لم تنسحب جبهة البوليساريو من المنطقة العازلة، كذلك يدفع المغرب من خلال تهديده باللجوء إلى الحرب نحو إقناع مجلس الأمن بضرورة اتخاذ موقف حازم إزاء الجبهة لوضع حد بصفة نهائية لكل محاولاتها تغيير الوضع القائم.

يقول رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية «محمد بن حمو» إن: «الصدام الحادث بين الرباط وجبهة البوليساريو، بات أخطر ، لأنه قد يشمل الجزائر أيضًا، فالمغرب بات حازمًا أكثر من أي وقت مضى في حسم القضية، ولن يتهاون في التحركات التي تقوم بها جبهة البوليساريو»، وتابع القول لـ«سبوتنيك»، إن: «اللجوء إلى الخيار العسكري من عدمه، يتوقف على المسؤوليات الواقعة على عاتق الأمم المتحدة، بشأن المنطقة العازلة، وكذلك ما يمكن أن تقوم به الجزائر لإيقاف الجبهة عن التورط في عمليات استفزازية للمغرب».

من جانبه، يؤكد الخبير المتخصص في شؤون الصحراء «عبد المجيد بلغزال» أن: «أيًا من الطرفين لا يملك قرار الحرب، الأمر مجرد كلام عابر، فيما الجميع يفضل استمرار الوضع الحالي» ، ويوضح أنه: «وإن كان وجود البوليساريو شرق الجدار ليس جديدًا، فإن الأخيرة سعت منذ مدة إلى قلب الوقائع في اتجاه تحويل الأراضي العازلة، بحكم الاتفاق العسكري، إلى ما يسمى بـ(الأراضي المحررة)، وهي العملية التي انطلقت منذ 2006، حينما عمدت البوليساريو إلى بناء مستوصف وقاعة قيل حينئذ إنها مقر البرلمان بمنطقة تيفاريتي، التي تحولت خلال العشرية الأولى من هذا القرن إلى مكان مفضل لاستعراض عضلات البوليساريو».

رئيس أركان الجيش الجزائري، أحمد قايد صالح

وتابع القول «عبد المجيد بلغزال»: «الواقع السياسي على الأرض أصبح حاسمًا في جميع المعارك، سواء داخل الاتحاد الأفريقي، أو في ما يخص القانون الدولي وتدبير الثروات، لكن، وفي خضم هذا التحول، لم يعد من حق الحكومة الاختباء وراء ردود الأفعال والحسابات التكتيكية الصغيرة».

جنرالات الجزائر.. هل يمسكون خيوط الصراع من بعيد؟

«الجزائر تتحمّل مسؤولية صارخة، فهي التي تمول، وهي التي تحتضن وتساند وتقدم دعمها الدبلوماسي للبوليساريو»، كان هذا ما قاله وزير الخارجية المغربي «ناصر بوريطة»، وتابع القول إثر أزمة بلاده الأخيرة مع جبهة البوليساريو: «المغرب طالب ويطالب دومًا بأن تشارك الجزائر في المسلسل السياسي، وأن تتحمل المسؤولية الكاملة في البحث عن الحل، فبإمكان الجزائر أن تلعب دورًا على قدر مسؤوليتها في نشأة وتطور هذا النزاع الإقليمي».

مقاتلات من جبهة البوليساريو (المصدر: cnn)

وفيما كان المغرب يؤكد أن الجهة الفاعلة الرئيسية «المزعزعة للاستقرار» ليست جبهة البوليساريو، وإنما هي الجزائر، جاء خبر مقتل 26 عضوًا من الجبهة في حادثة تحطم الطائرة العسكرية الجزائرية بالأمس ليؤكد –حسب المغاربة- على مدى تورط الجزائر في ملف الصحراء، وكانت المغرب في التاسع من مارس (آذار) 2018 قد طلبت من مبعوث الأمم المتحدة إلى الصحراء «هورست كوهلر»، انضمام الجزائر إلى المفاوضات حول نزاع الصحراء، على اعتبار أنها طرف في القضية، الأمر الذي دفع الجزائر لاتهام الرباط بأنها: «تسعى إلى التهرب من المفاوضات ومسار التسوية، لكون الجزائر ليست طرفًا أبدًا في القضية الصحراوية، وأنها طرف مراقب من بعيد لا غير، وأن الأمم المتحدة تعترف بطرفين اثنين في القضية؛ هما جبهة البوليساريو، والحكومة المغربية».

يقول الكاتب الأول الأسبق لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية «محمد اليازغي» إن: «سلاح البوليساريو هو سلاح الجزائر؛ ولا يمكن للجبهة أن تغامر وتقرر الدخول في حرب مع المغرب لوحدها، إن لم تكن هناك أوامر من الجنرالات الماسكين بخيوط الحكم داخل الجزائر، الحكومة الجزائرية تلعب دورًا كبيرًا في هذا النزاع، فهي تقول إنها تساند تصفية الاستعمار في الصحراء المغربية، وفي الآن نفسه تصر على ألا تكون طرفًا في المفاوضات».

ويبين اليازغي خلال حديثه لموقع «هسبريس» المغربي أنه: «ينبغي عدم خلق أي توتر مع الجارة الجزائر، والتطبيع معها؛ رغم أنها ظلمتنا ينبغي النظر إلى المستقبل والتعاون معها من أجل المغرب العربي لمواجهة التهديدات الإرهابية الآتية من جنوب الصحراء».

زعيم البوليساريو «إبراهيم غالي» (المصدر: القدس العربي)

ويعتقد المحللون المغاربة أن دعم الجزائر للجبهة يعود لاعتبارات تاريخية، إذ ترى الجزائر قضية الصحراء الغربية آخر المستعمرات الأفريقية، وهي تريد أن يتم الاعتراف بقضية الصحراء الغربية من طرف دول الاتحاد الأفريقي يما يدفع المغرب للخروج من التكتل الأفريقي، وكذلك يعود إلى وجود أطماع في الصحراء الجزائرية ومنافسة من الجزائر على زعامة في المغرب العربي.

المغرب يتعارك دبلوماسيًا مع «الأمم المتحدة»

في الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، التقى وزير الخارجية المغربي «ناصر بوريطة» بالأمين العام للأمم المتحدة «أنطونيو غوتيريش»، فنقل له إصرار المغرب على الرد على استفزازات البوليساريو ما لم يتحمل مجلس الأمن والجزائر مسؤوليتهما عن توغلات الجبهة، وشدد الوزير على أن بلاده: «تعتبر أن خروقات البوليساريو تشكل تهديدًا لوقف إطلاق النار، وتنتهك القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وتقوض بشكل جدي العملية السياسية».

لكن المنظمة الدولية التي تتولى مسؤولية مراقبة وقف إطلاق النار بين الطرفين، شككت في صحة الاتهامات التي وجهها المغرب للجبهة ونفت وجود تحركات غير مشروعة للجبهة، وقال بوضوح الناطق باسم الأمم المتحدة «ستيفان دوجاريك» إن : «بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) لم تلحظ أي تحرك لعناصر عسكرية في المنطقة الشمالية – الشرقية،… مينورسو تتابع مراقبة الوضع من كثب».

قُرئ هذا الموقف من المغرب باعتباره تقاعسًا من المجموعة الدولية وسلبية تجاه ما تعتبره انتهاكات للجبهة، وكذلك تشجيعًا للأخيرة في التمادي في تحدي المغرب، وتؤكد المغرب أن بعثة المينورسو، تمتلك وجود مستوى أمني متوسط في جميع أنحاء منطقة عمليات البعثة، وهو ما دفع رئيس الحكومة المغربي «سعد الدين العثماني» للقول عقب نفي البعثة تحركات الجبهة أن: «الأمم المتحدة، لا تضبط كل التفاصيل التي تقع على الأرض في (إقليم) الصحراء، لدينا أدلة تؤكد تحركات البوليساريو في المنطقة العازلة».

وأصبحت العلاقة متوترة بين المغرب والبعثة الأممية (المينورسو)، وسبق أن طرد المغرب 84 موظفًا للبعثة إثر خلاف مع الأمين العام السابق «بان كي مون» الذي اعتبر المغرب سلطة احتلال في قضية الصحراء الغربية، ويبدو أن الأمور آخذة في التدهور في حال تصاعد التهديد العسكري من جهة المغرب، وهو ما قد يعني القطيعة التامة مع البعثة الأممية.

مراسم تشيع «أحمد البوخاري» (المصدر : وكالة الأنباء الصحراوية التابعة للبوليساريو)

كما أن أزمة أخرى خرجت إثر قيام الأمانة العامة للأمم المتحدة وهيئاتها المعنية بتسوية النزاع في الصحراء بتعزية جبهة البوليساريو بوفاة أحد قادتها، فقد نعى الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية «كولين ستيوارت» ممثل الجبهة في الأمم المتحدة «أحمد البوخاري» فقال: «على إثر وفاة الزميل السفير بوخاري أحمد، أتقدم باسمي ونيابة عن الأمم المتحدة والأمين العام، السيد أنطونيو غوتيريس، بتعازينا الحارة إلى أسرة وأصدقاء وزملاء الفقيد».

وأضاف: «لقد ظل السفير البخاري ممثلًا لا يكل للشعب الصحراوي ولجبهة البوليساريو في الأمم المتحدة بنيويورك ويحظى باحترام وتقدير كبيرين من قبل العديد من الذين عملوا معه في الأمم المتحدة على مر السنين، سنفتقده بجد.. كامل التقدير والاحترام».

وكان مجلس الأمن الدولي قد دعم في أبريل 2017، قرارًا باستئناف المفاوضات التي تهدف لإنهاء الصراع في الصحراء الغربية، ودعا كلا من الجبهة والمغرب إلى إبداء إرادة سياسية واستئناف المفاوضات للتوصل إلى حل سياسي مقبول من الجانبين، كما مدد قرار الأمم المتحدة مهمة قوات حفظ السلام التابعة للمنظمة الدولية حتى 30 أبريل 2018.

المصادر

تحميل المزيد