دع الطبقات الحاكمة ترتعش من ثورة شيوعية. الطبقة الكادحة ليس لديها أي شيء لتخسره عدا الأغلال، لديهم العالم يربحونه، يا عمّال العالم اتّحدوا.

يشهد الشارع السوداني منذ ديسمبر (كانون الأوّل) الماضي حركة احتجاجيّة واسعة ضد نظام الرئيس البشير الذي وصل إلى السلطة منذ 30 سنة، وانتشرت المظاهرات في عدّة مناطق سودانيّة أبرزها العاصمة الخرطوم، ولعلّ أهمّ مظاهرها هو تصدّر الطبقة العمّالية للحراك السياسي وتقدّمها الصفوف، إذ يتصدّر تنظيم عمّالي يدعى «تجمّع المهنيين السودانيين» الاحتجاجات من خلال مواقفه وبياناته ودعواته لمواصلة المظاهرات من أجل الضغط على النظام السوداني.

وقد أعادت هذه الاحتجاجات الزخم للحركة العمّالية للسودان، وجعلت البعض يعود بالذاكرة إلى سنوات الستينات التي شهدت ذروة بروز النقابات العمّالية وصعود نفوذها داخل الساحة السياسيّة، ليس فقط داخل السودان، بل في العالم أجمع، إذ عرف اليسار في تلك المرحلة – خصوصًا في سنوات السبعينات – رواجًا استثنائيًا وقدرة واسعة على حشد الجماهير وتعبئتها، كما ربط البعض بين هذا وبين العدوّ اللدود لنظام البشير الذي يتّجه دائمًا لاتهامه بالوقوف خلف أيّة موجة احتجاجيّة، وبأنّه اليد الخفيّة التي تدير خيوط اللعبة من وراء الستار: «الحزب الشيوعي السوداني». 

في الأسطر التالية نذهب في رحلة إلى تاريخ هذا الحزب الغامض الذي كان يصنع الحدث في الشارع السوداني في سنوات الستينات، وأسباب رُعب النظام السوداني من أن يكون هو من يقف خلف الموجة الاحتجاجيّة الأخيرة، ومدى صحّة وصف هذه الاحتجاجات بـ«الثورة الشيوعية». 

سيد البقاء.. كيف أخضعت «عصا البشير» السودان ثلاثة عقود؟

 

الشيوعية في السودان.. تاريخ نضاليّ طويل يرعب نظام البشير

تخوّف النظام السوداني الحاليّ من أن يكون التيّار الشيوعيّ هو من يقف خلف الاحتجاجات الأخيرة، لا يستند لمجرّد حسّ تآمري أو «فوبيا» من الحركات اليساريّة باعتبار الاختلاف الأيديولوجي بين النظام السوداني «الإسلامي» الحاكم وبين الشيوعيين فقط، بل يستند أيضًا إلى التاريخ النضالي الطويل للحزب ونفوده القويّ الذي تمتّع به طوال سنوات خلت داخل الحركة الطلاّبية والنقابات العمّالية، وتصدّره النضال ضد الأنظمة السودانيّة المتعاقبة طوال تاريخه.

أحد كوادر الشيوعية في السودان

عبد الخالق محجوب – سكرتير «الحزب الشيوعي السوداني» السابق

تعود بداية الحركة الشيوعية السودانيّة إلى سنة 1946 في الجارة مصر؛ إذ كانت آنذاك امتدادًا للحزب الشيوعي المصري من خلال الطلبة السودانيين المبتعثين في الجامعات المصرية الذين واعتنقوا الأفكار الشيوعية من خلال الاحتكاك برفاقهم من الشيوعيين المصريين، وقد كانت مطالب الحركة آنذاك ونضالاتها تتركّز في المطالبة بالاستقلال خلال العهد الملكي، ثم الجمهوري، في مصر، وكان لهم الفضل في إنشاء أوّل نقابة عمّالية في السودان، وهي «رابطة الشؤون العمّالية» سنة 1948، كما أسّسوا «رابطة النساء الشيوعيات»، التي ناضلت من أجل الحق في تعليم المرأة والعمل والأجر المتساوي والحق في التصويت وغيرها.

في خضمّ سياق الوجود البريطاني في كل من مصر والسودان، ناضل الحزب ضد الاحتلال البريطاني ورأى أن «الامبريالية الغربية» مسؤولة عن المشاكل التي تشهدها بلاده، واعتمد على حشده للطلبة والفلاحين والطبقة العاملة، وناضل من خلال حزب الجبهة المعادية للاستعمار التي أسسها الشيوعيون في سنة 1953 بقيادة عبدالخالق محجوب.

عندما سيطر الضبّاط الأحرار في مصر على السلطة بعد إنهاء الملكيّة في يوليو (تموز) 1952، رفض الشيوعيون الوحدة مع مصر واعتبروا حركة الضباط الأحرار وقيادة الثورة «عملاء للامبريالية الأمريكية الانجليزية»، كما اتّجهوا للتحالف مع «حزب الأمّة» وطالبوا بالانفصال عن مصر وإنشاء جمهورية سودانية مستقلة، خصوصًا بعد الانقلاب على محمد نجيب ووصول عبد الناصر للسلطة وقمعه للمعارضة، إذ رأوا فيه «دكتاتورًا وعميلًا مأجورًا للإمبريالية الإنجليزية – الأمريكية» حسب وصفهم.

وبعد استقلال السودان رسميًّا في سنة 1955 ناضل الحزب من أجل تحسين الأوضاع الاقتصاديّة وطالب بضروروة تكوين قاعدة صناعيّة تخلّص السودان من التبعيّة للجهات الأجنبية من خلال إنتاج المواد الضروريّة محليًّا، وعدم الاعتماد على استيرادها للحفاظ على السيادة الوطنيّة.

كانت لـلحزب رؤى تدعم القضايا العربيّة والاتجاه الوحدوي ومعارضة للتدخّلات الأجنبيّة، فرغم العلاقات المتوتّرة مع النظام الجديد في مصر، إلا أن الحزب وقف مع الجانب المصري خلال العدوان الثلاثي، ودعى «كل وطني سوداني قادر على حمل السلاح» للوقوف إلى جانب مصر، وجاء في بيان الحزب: «يجب أن يقف شباب السودان في قرى ومدن مصر تحت لواء الجمهورية المصرية المناضلة».

كما جنّد الحزب مجموعة من الشباب المتطوّعين من أجل المشاركة في الحرب مع الجانب المصري، وهو ما جعل العلاقة بين الحزب وبين نظام عبد الناصر تتحسّن نسبيًّا بفعل هذا الموقف. كما انتفض الحزب ضد قرار الرئيس الأمريكي آيزنهاور بإنشاء قواعد عسكريّة أمريكيّة في الشرق الأوسط، وهو المقترح الذي وافقت عليه الحكومة السودانيّة.

عندما يخشى نظام الجنرال البشير من أن يكون الشيوعيّون هم من يقفون خلف الاحتجاجات العارمة التي يشهدها الشارع السوداني ضدّ نظامه، فإنّه يستحضر في ذهنه أيضًا المقاومة السياسيّة التي أبداها هذا الحزب ضدّ النظام العسكري لجنرال آخر وصل للسلطة من خلال انقلاب عسكري سنة 1958، ونجح الحزب بفضل التنسيق مع الأحزاب الأخرى والنضال بشراسة داخل مؤسسات الدولة وخارجها، من إنهاء الحكم العسكري.

بعد أن استولى الجنرال عبّود على السلطة بانقلاب العسكري على حكومة عبدالله جليل في سنة 1958، أعلن «الحزب الشيوعي» في بيان واضح وصريح رفضه لهذا الانقلاب بحجّة أن من قاموا به هم «من الضباط التقليديين وليسوا من الثوريين» ووصفوا عهده بـ«العهد الأسود»، وخرجت المظاهرات التي حرّكها الحزب في صفوف الطلبة والنقابات العمّالية والحركات النسويّة، وهو ما أدّى بحكومة عبّود إلى شنّ حملة اعتقالات واسعة في صفوف الحزب والمتعاطفين معهم ونفيِهم إلى جنوب السودان.

وبعد تأزّم الوضع السياسي والاقتصادي في السودان في ظلّ حكومة عبّود، شهدت الساحة الحزبيّة اتّحادًا بين الأحزاب السودانية من مختلف التيّارات، ممثلة في «حزب الأمة» و«الحزب الشيوعي» و«الوطني الاتحادي» وبعض المستقلين، واتّفقوا على النضال الموحّد ضد نظام الجنرال عبود، وطالبوه بإنهاء الحكم العسكري وتسليم السلطة للمدنيين؛ وهو ما أدى إلى اعتقال قادة هذه الأحزاب في 1961 ليطلق سراحهم في يناير (كانون الثاني) 1962 بعد إضرابهم عن الطعام.


Embed from Getty Images

ورغم تجنيد الحزب للطلبة والنقابات والفئات العمالية المختلفة في النضال ضد نظام عبّود، إلا أنه شارك في انتخابات 1963 المحليّة، وبرّر ذلك بنقل المعركة من الشارع إلى داخل هياكل الدولة من أجل الدفاع عن مصالح الجماهير اليوميّة، ورغم ذلك استمرّ الضغط في ظلّ فشل الحكم العسكريّ في إيجاد حلول اقتصادية واجتماعية لمشاكل السودان، ممّا سرّع بقيام ثورة شعبيّة سنة 1964 ضد نظام الجنرال عبّود، والتي شارك «الحزب الشيوعي» وأعضاؤه في الحشد لها وتعبئة الجماهير للمشاركة فيها، ونجحت في إنهاء حكم الجنرال.

كانت للحزب تجربة قصيرة في الحكم بالمشاركة بمقعد وزاري في الحكومة الانتقالية التي حكمت البلاد في سنة 1964، وذلك اعترافًا بدور الحزب في النضال ضد حكم الجنرال عبود العسكري، لكن ذلك لم يستمر بسبب اعتراض الأحزاب السياسية على تواجد «الحزب الشيوعي» الذي اعتبروا أنه يهيمن على قرار الحكومة وعلى سياسة البلاد، وطالبوا بإجراء انتخابات في أسرع وقت، والتي أسفرت عن اكتساح «حزب الأمة» بـ75 مقعدًا و«الوطني الاتحادي» بـ54 مقعدًا فيما لم يحصل الشيوعي سوى على 11 مقعدًا.

لكنّ روحَ الوحدة التي شهدتها الأحزاب السياسيّة خلال نضالها ضد النظام العسكريّ، ومصداقًا لمقولة «التاريخ يعيد نفسه»، سرعان ما تلاشت، وعاد الصراع الإسلامي- العلماني الذي تكرّر في عدّة تجارب عربيّة ليلقي بضلاله على الساحة الحزبية السودانيّة، إذ دخل «الحزب الشيوعيّ» في صراع حول الدستور والعلمانيّة والإسلام، كما جرى حلّ الحزب بعد اتّهام أحد الطلّاب المنتسبين إليه بالإساءة إلى الإسلام، ووسط هذا الانقسام والاستقطاب الأيديولوجي الذي شهده الشارع السوداني، استغل العسكريّون الوضع وأعادوا الحكم العسكري بقيادة جعفر النميري سنة 1969.

Embed from Getty Images

بعد استيلاء النميري على السلطة، وقع تقارب سياسي بينه وبين «الحزب الشيوعي» وتحالف معهم سياسيًّا، وذلك لأن بعض الضباط الذين اعتمد عليهم النميري في حركته الانقلابية كانوا من الشيوعيين، فأعلن الحزب تأييده للانقلاب، على عكس الأحزاب السياسية الأخرى التي عارضت الحكم العسكري بشدة، وقد برز الإمام الهادي المهدي كأبرز قيادة لهذا النضال ضد الحكم العسكري، وأصبح وجود الشيوعيين في الحكم ورقة تفاوض بين النميري والأحزاب السياسية، إذ اشترط الهادي المهدي إبعاد الشيوعيين عن الحكم، وإطلاق المعتقلين، وعودة الحياة الدستورية مقابل دعمه، إلّا أن النميري رفض ذلك.

لكن تحالف الشيوعيين والنميري لم يصمد لأكثر من شهور معدودة، إذ أرادوا إعلان تطبيق الحكم الشيوعي الصريح في البلاد، إلا أن النميري رفض ذلك، كما زاد التوتر بعد التقارب بين النميري من جهة ونظاميْ عبد الناصر والقذافي الذيْن كانا على عداوة شديدة للشيوعيين، ليبدأ الصِدام الحتمي بين النظام العسكري والشيوعيين، ويطردهم من مجلس قيادة الثورة.

كما جرى اعتقال سكرتير الحزب عبد الخالق محجوب ورفاقه، ودخل نظام نميري في حرب مفتوحة معهم، واتهمهم بمحاولة إسقاط الحكومة، ووصفهم بأنهم «قوم مارقون يدوسون كل القيم والاخلاق في سبيل وصولهم إلى السلطة». وفي المقابل اتّهم الحزب الشيوعي الرئيس النميري بأنه له علاقات مع المخابرات الأمريكية «السي آي إيه». ودعا الحزب مرة أخرى المعارضة السياسية لتوحيد جهودها من أجل إنهاء الحكم العسكري.

شهدت بداية السبعينات احتدام الصدام بين الشيوعيين ونظام النميري، ولم تقتصر هذه «الحرب المُعلنة» على التصريحات الهجوميّة والبيانات والإقالات والتضييق فقط، بل إنّها امتدّت إلى ما يشبه العنف، واتّضح ذلك جليًّا حين قام مجموعة من الشيوعيّين باقتحام المعتقل حيث يتواجد سكرتير الحزب عبد الخالق محجوب وتهريبه خارج السجن، ومن المفارقة بأنّهم قرّروا إخفاءه عن أعين السلطات في إحدى غُرف القصر الجمهوري، المجاورة للغُرفة التي يقيم فيها الرئيس النميري نفسه، وبالتالي فمن المرجّح أنّ النميري قد نام تلك الليلة دون أن يعلم أن ألدّ أعدائه السياسيين ينام على بعد أمتار معدودة منه.

ما أشبه اليوم بالبارحة.. ما الذي أخذه البشير في خطابه من سابقيه بن علي ومبارك؟

تصحيحية 1971.. الانقلاب الذي ضرب الشيوعية السودانية في مقتل

وصل الصدام بين «الحزب الشيوعي» والنظام العسكري إلى ذروته أثناء المحاولة الانقلابية في يوليو (تموز) 1971 التي قادها الرائد هاشم العطا المنتمي للحزب، وقد كانت المحاولة خاطفة سريعة ونفذها أقرب الضباط ثقة من طرف النميري، واستطاعوا تطويق القصر الجمهوري بينما كان النميري مجتمعا مع وزرائه، وألقى هاشم العطا القبض على جميع أعضاء مجلس قيادة الثورة.

وجرى الإعلان عن السيطرة على السلطة من طرف العطا من خلال الإذاعة، ووصفها بـ«الحركة التصحيحية» لثورة 25 مايو (أيار) 1969 التي قادها النميري، وقد لقيت هذه المحاولة الانقلابيّة تأييد «الحزب الشيوعي» وخرج أنصاره في عدّة مناطق في مظاهرات في الشوارع تأييدًا لها.

Embed from Getty Images

لكن تداعيات هذه المحاولة ستكون فيما بعد إحدى أشدّ الضربات التي تلقّتها الحركة الشيوعية في السودان طوال تاريخها، والتي يمكن القول أنّها لم تتعافَ منها إلى اليوم، إذ أدّت بحياة العشرات من أبنائها إلى المشانق وخسرت الكثير من المساحات السياسية والمجتمعيّة التي كانت تحتلّها، فلعوامل داخلية وخارجيّة رافضة لوصول الشيوعيين إلى الحكم، انتهت تجربة هاشم العطا سريعًا كما بدأت، خصوصًا بعد خروج مظاهرات تطالب بعودة النميري للحكم.

وتمكنت القوات الموالية للنميري من السيطرة على القصر الجمهوري وعلى المرافق الحساسة للعاصمة، واستطاع النميري الوصول إلى مقر الإذاعة ليعلن عودته للسلطة وفشل المحاولة الانقلابية عليه. بعدها تم تقديم قادة المحاولة إلى المحاكم ونفّذ حكم الإعدام بحقهم، ومن بينهم سكرتير «الحزب الشيوعي» وأكبر قادته عبد الخالق محجوب، وجرى اعتقال ومطاردة آلاف الشيوعيين السودانيين والكثيرين من المتعاطفين مع المحاولة الانقلابية الفاشلة.

بقي الحزب يواصل نضاله على استحياء بعد الضربة الشديدة التي تلقاها إثر فشل المحاولة الانقلابية وفقدانه لقياداته الكبرى، وبعد وصول حكومة الإنقاذ إلى السلطة في سنة بقيادة الاسلاميين، تواصلت حملة القمع ضد الحزب ووصلت إلى التصفيات وسجن العديد منهم.

ما الذي حدث للشيوعية؟ للأحزاب الشيوعية والشيوعيين الأفراد؟ ماذا حدث لعالم بكامِله، كان، حتى الأمس ملء السمع والبصر، و أضحى أثرًا بَعد عين؟ إنهارَ انهيارًا مأساويًا يُذَكِّر المرء بالقَـصص التوراتي والقرآني، حيث تختفي أقوام بكاملها من على وجه البسيطة وفي لمحِ البصر؟

بهذه الكلمات، بدأ المفكّر السوداني الخاتم عدلان رسالته المعنونة بـ«آن أوان التغيير» التي تعدّ من أبرز المراجعات لأداء «الحزب الشيوعي» وفكره في التسعينات، ولعلّ هذه الرسالة كانت «إعلان وفاة» الحركة الشيوعية السودانيّة من داخل المعسكر الشيوعي، أو على الأقلّ على تراجُع الحزب وعجزه عن حشد الشارع واختراق مساحات شعبيّة جديدة، بعد أن كان أحد المؤطّرين الرئيسيين للحراك السياسي في السودان منذ نهاية الأربعينات وحتى السبعينات.

بالإضافة إلى ذلك فإن موجة اليسار التي غزت العالم يومًا بشعاراتها وثوريّتها لم تعُد تحظى بنفس الجاذبية، خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والتجارب الاشتراكية في العالم. هذا السياق الدولي بالإضافة إلى الظروف الصعبة التي عاشها السودان من حرب أهلية في دارفور، بالإضافة إلى قمع وتضييق السلطة أدّى بالحزب إلى انحصار نفوذه بشكل كبير.

إذًا.. هل ما يجري في السودان هو «ثورة شيوعية»؟

صحيح أن نفوذ «الحزب الشيوعي» السوداني لم يعد يملك نفس القدرة على حشد الجماهير الشعبية وتأطيرها، ولا نفس الجاذبية التي عرفتها الحركات اليساريّة في العالم، لكن شبحه لا يزال يرعب النظام السوداني لحدّ اليوم، ولذلك فإنّه يتّهم الشيوعيين بالوقوف وراء أي انتفاضة شعبيّة أو احتجاجات ذات مطالب سياسيّة، وهو ما تبيّن في تصريحات لوزير الإعلام السوداني الذي صرّح بأنّ «العناصر الشيوعية تنضم إلى ما تبقى من الحركات السالبة وحركة عبد الواحد محمد نور، ودورها في التخريب والتدمير».

لكن بعض الأصوات اليساريّة ترى بأنّ محاولة إلصاق هذه الاحتجاجات الشعبيّة بالشيوعيين هو محاولة للاستفراد بهم واستخدامهم كفزّاعة لإفشال الاحتجاجات، وهي تأتي في سياق الفكر التآمري لنظام البشير المهووس بفكرة تربّص الشيوعيين به.

Embed from Getty Images

يقول الباحث السوداني محمد المصطفى لـ«ساسة بوست»: إن الأصوات التي تصف الاحتجاجات الأخيرة بـ«الثورة الشيوعية» أصوات «متعاطفة أو موالية للنظام بشكل أو بآخر. وبالأصل الخطاب المعادي للشيوعيين، والذي يربطهم بالسلوك التآمري؛ لطالما كان خطابًا إسلاميًا «الحركة الإسلامية». لقد كانت الحركة الإسلامية تعتبر الشيوعيين طوال تاريخها خصمًا مباشرًا لها، بل كانت ممن أقصوهم في أقرب فرصة متاحة؛ ففي الديموقراطية الثانية ما بين 64 – 69، كان حسن الترابي قائد حملة طردهم من البرلمان. واليوم يوظف النظام حقيقة ارتباط الشيوعيين في المتخيل الشعبي بمسألة الإلحاد، والميل إلى سيادة الهوج، والفوضى، واستبعاد ما هو ديني؛ ما ميز الحراك الحالي، هو أن خطاب النظام التعبوي المعادي للشيوعية، وخطابه المعادي والموجه بشكل مضاد لمكونات عرقية والذي هو خطابٌ عنصري المضمون، لم يجد نفعًا أيضًا.

ويضيف المصطفى لـ«ساسة بوست» بأن الحراك «لم يشهد مشاركة نقابية واسعة النطاق بعيدًا عن المهن والأشغال نخبوية الطابع في السياق السوداني. فتجمع المهنيين ليس جسمًا نقابيًا رسميًا، ولم يكن يلعب هذا الدور؛ والأجسام التي تحت مظلته هي التي تستجيب لنداءات المواكب، والمظاهرات ، والتجمعات وحتى الحملات المطالبة بالإضراب والعصيان المدني؛ وهذه القطاعات نخبوية الطابع كما ذكرت، مثل المحامين، والأطباء، والصحافيين».

كما يشير إلى أن تجمّع المهنيين لا يستهدف الشرائح التقليديّة التي تمدّد فيها التيار الشيوعي سابقًا، إذ يبدو أنّ له تجربته وأساليبه الخاصة البعيدة عن التقاليد الحزبية للتيار الشيوعي: «خطاب «تجمّع المهنيين» ليس ممتدًا للأرياف، أو لمدن الهامش والتي هي من بدأ الحراك. وقد يبدو الحراك حراكًا «عماليًا» نوعًا ما؛ لأنه قد تزامن مع إضراب عمال ميناء بورتسودان، الذين إعتصموا لأسباب ارتبطت ببيع الميناء لشركة من الفلبين، ولم يتمكن التجمع من تسييس مطالبهم وربطها بخطابه المطلبي، والذي يبدوا طلائعيًا بالنسبة لها، ولم يكن التجمع حتى جسدًا تمثيليًا لها، ولا تعتبر مدينة بورتسودان مدينة متأثرة بالحراك؛ والذي هو مرتكز في العاصمة الخرطوم حاليًا، علمًا أنه لم يبدأ فيها».

وفي سؤاله عما إذا كان «الحزب الشيوعي» قد استعاد شيئًا من نفوذه في الأوساط الشعبية من خلال هذه الاحتجاجات، فإن رأي الباحث محمد المصطفى هو أنه لا يعتبر الحزب الشيوعي السوداني حزبًا ذا قواعدَ اجتماعية ممتدة، خصوصًا للفئات التي يدعي أنه يمثل مصالحها وتطلعاتها (الطبقة العاملة). ولا يمتلك الحزب الشيوعي قدرة تعبوية في الشارع، وذلك يعود للخطاب الذي كونته النخبة لاستبعاده.

لم تقم للحزب قائمة منذ فشل انقلاب هاشم العطا عام 1971؛ حيث قام جعفر النميري (الرئيس السوداني وقتها)، بتصفية قيادات الحزب وشخصياته الرئيسية؛ وقام باجتثاثه اجتثاثًا، ولم يكن الحزب حتى جزءًا من المصالحة التي قام بها النميري مع بقية التيارات السياسية، والتي عادى بعضها مباشرة، كـ«حزب الأمة» والذي سُمي بـ«الاتحاد الاشتراكي». فـ«الحزب الشيوعي» ليس حزبًا ذا شعبية، وليس لديه قواعد اجتماعية كما يذكر المصطفى. ومن المستبعد جدًا ان يتصدر حراكًا في عام 2019، ولا يوجد أي مؤشر حاليًا على تجاوب الشارع معه.

10 أسباب تخبرك لماذا استقل السودان عن مصر

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد