تخلت الحكومة في موازنة السعودية 2020 عن مواصلة إعداد موازنات هي الأكبر في تاريخها، فبعد موازنة 2019 التي كانت الحكومة تتباهي بأنها الأكبر، أعلنت المملكة عن ثاني أكبر موازنة في تاريخها، ولكن مع تراجع كبير في التوقعات على مستوى الأرقام الرئيسة، سواء بالعجز، أو الديون، أو أوجه الإنفاق، ومعدل النمو، وكما ذكرنا خلال تحليلنا لموازنة 2019 فإن حجم الموازنة في حد ذاته ليس إنجازًا على المستوى الاقتصادي، بل من الطبيعي أن تكون موازنات الأعوام القادمة أكبر رقميًا من العام الحالي والسابق، لذلك فعندما نتحدث من المنظور الاقتصادي لا نهتم بحجم الموازنة بقدر الاهتمام بنسبة العجز والديون والنمو.

وخلال السطور القادمة سنتناول بالحديث مدى واقعية أرقام الموازنة الأهم في الشرق الأوسط، وهي موازنة السعودية للعام المالي 2020، والتي أعلنت عنها المملكة أمس، وذلك من خلال مناقشة النفقات والإيرادات، وسنحاول أن نوضح أكثر هذه الأرقام وإمكانية تحقيقها، من خلال مناقشة بيان الموازنة الصادر عن وزارة المالية السعودية وتحليلها بصورة واقعية وفق المعطيات الاقتصادية المحلية والعالمية، لكن قبل ذلك سنأخذ لمحة سريعة عما تحقق في 2019.

هل نجحت السعودية في تحقيق توقعاتها خلال 2019؟

في ديسمبر (كانون الأول) 2018 عندما أعلنت السعودية عن موازنة 2019 مع توقعات نمو بنسبة 2.6% مع حجم قياسي للإنفاق في الموازنة، إلا أن بيان وزارة المالية كشف عن انهيار كبير في هذه التوقعات؛ إذ إن من المتوقع أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 0.4% فقط، بينما نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي (-4.7%)، وهو ما يوضح الفجوة الضخمة ما بين التوقعات والواقع.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
شبح «0%» يطارد نمو اقتصاد السعودية.. هل بات الانكماش أمرًا واقعًا؟

ويجدر القول إن معدل 2.6% نمو اقتصادي – الذي فشلت المملكة في تحقيقه – يعد انهيارًا مقارنةً بسنوات الازدهار، وصافرة إنذار لبداية انكماش الاقتصاد السعودي، إذ تجاوز النمو في 2011 خانة العشرات، وتقول وزارة المالية إن 2019 شهد نموًا ملحوظًا في قطاعات الاقتصـاد المختلفة، إلا أن الوزارة تحدثت فقط عن النصف الأول الذي سجل نموًا 1.1%، مدعومًا بالنمو في الناتـج غير النفطي بنسـبة %5.2، إضافة إلى نمو إيجابي لقطـاع التشييد والبنـاء للمـرة الأولى منـذ عام 2015.

على الجانب الآخر من غير المتوقع أن يتجاوز العجز لعـام 2019 المعتمد في الميزانية كرقم، ليبقى عند 131 مليار ريـال مقارنة مع 136 مليار ريال متوقع في مشروع الموازنة المعلن، وذلك بنسبة 4.7%، وبحسب وزارة المالية فإن ذلك حفاظ على المستوى المقدر لحجم الدين العام لهذا العام، والحفاظ على مستوى مناسب من الاحتياطيات الحكومية لدى مؤسسة النقد العربي السعودي، ويوضح الجدول التالي شكل (1) أهم الاختلافات بين الموازنة والتوقعات والفعلي.

موازنة السعودية للعام المالي 2020 – شكل (1)

ولعل أهم الملاحظات على الأرقام المذكورة هو مراجعة بعض برامج الإنفاق الحكومي لـ2019، ما حافظ على تحقيـق المسـتهدفات الماليـة والاقتصادية إذ يتوقع أن يبلغ إجمالي النفقات الحكومية لعام 2019 نحو 1.048 مليار ريال بما يعادل 37.3% مـن الناتـج المحلـي الإجمالي وبانخفاض قـدره 5.2% عـن الميزانيـة المقـدرة بداية العــام 2019، وبانخفاض نسبته 2.9% مقارنــة بالفعلي في عام 2018، ويضح الجدول التالي شكل (2) توزيع النفقات على القطاعات.

موازنة السعودية للعام المالي 2020 – شكل (2)

ويظهر من الجدول زيادة الإنفاق العسكري بواقع 7 مليارات ريال عن الموازنة المقررة في منذ بداية العام، بينما تراجع الإنفاق على البنود الاقتصادية والموارد العامة بواقع 67 مليار ريال، وهي أبرز التغيرات التي حدثت في موازنة 2019، ويشار كذلك إلى أن إجمالي الإيرادات النفطية المتوقعة لهذا العام تبلغ 602 مليار ريال، والدين العام المتوقع نحو 678 مليار ريال.

187 مليار ريال عجز.. أهم الأرقام في موازنة 2020

وبالانتقال بالحديث حول الموازنة الجديدة لعام 2020، سنستعرض أولًا  أهم الأرقام الصادرة في بيان وزارة المالية، إذ كشف البيان عن أن إجمالي الإنفاق المتوقع يصل إلى 1.02 تريليون ريال، بينما العجز المتوقع في نحو187 مليار ريال أو 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي، كما هو موضح في شكل (3).

موازنة السعودية للعام المالي 2020 – شكل (3)

وتقول وزارة المالية إن الدين العام في 2020 سيصل إلى 754 مليار ريال أو 26% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تنتظر المملكة إيرادات نفطية بواقع 513 مليار ريال، بينما تتوقع بأن يبلغ الناتج المحلي الإجمالي 2.3% في 2020 مقابل 0.4% في 2019، كما تفترض الموازنة تراجع الاحتياطات الحكومية إلى 346 مليار ريال في تراجع حاد بنحو 121 مليار ريال مقارنة بالعام الجاري.

هل تكرر السعودية أخطاء موازنة 2019 في 2020؟

كان أبرز أخطاء الحكومة في العام الماضي هو المبالغة في تقديرات كثير من البنود والتوقعات الكبيرة فيما يخص النمو وهو ما ظهر في الفجوة بين التقديرات في بداية العام والتوقعات الآن، وباستثناء توقعات النمو فأن الحكومة تعاملات هذا العام بواقعية بعض الشيء، وبحسب كبيرة الخبراء الاقتصاديين لدى بنك «أبوظبي» التجاري، مونيا مالك، فإن توقعات الإيرادات للموازنة الجديدة تبدو واقعية، إلا أنها ترى أن خفض الإنفاق الحالي سيكون أكثر صعوبة.

وتفصيلًا، فقد تراجعت السعودية عن نمط زيادة الإنفاق الذي امتد على مدار ثلاث سنوات بهدف دعم النمو، وذلك بعد فشل هذه السياسة بالعام الجاري، إذ سجلت الموازنة انخفاض طفيف في الإنفاق ما يمثل تحركًا عكسيًا لزيادات في النفقات، إضافة إلى خفض توقعاتها للإيرادات بواقع 84 مليار ريال عن العام الجاري، مع توقع عجز أكبر بنحو 56 مليار ريال  عن موازنة 2019، بنسبة 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة مع 4.7% في 2019، وفق بيان الموازنة.

وخلال المؤتمر الصحافي أمس، قال وزير المالية السعودي، محمد الجدعان: إن موازنة  2020 متحفظة بشأن الإيرادات بسبب «التطورات الاقتصادية العالمية»، وهو نفس ما ذكره ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من أن الموازنة الجديدة «تأتي في ظل مناخ اقتصادي عالمي تسوده التحديات والمخاطر والسياسات الحمائية»، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء السعودية الرسمية.

جدير بالذكر هنا أن المبالغ المحصلة من طرح شركة النفط الحكومية العملاقة «أرامكو»، لن يدخل ضمن بنود الموازنة الجديدة، فبحسب ما قال وزير المالية، فإن حصيلة الطرح سيُعاد استثمارها، للمساهمة في خلق المزيد من الإيرادات للحكومة، وذلك من خلال صندوق الثروة السيادية السعودي، وكانت «أرامكو» قد جمعت نحو 25.6 مليار دولار، وسيبدأ التداول على أسهمها بالبورصة غدًا.

موازنة السعودية للعام المالي 2020 – شكل (4)

وكما هو موضح في شكل (4) فإن كل بنود الإنفاق تقريبًا شهدت تراجعًا بالموازنة الجديدة فيما عدا مخصصات البنود العامة، وهي التي تشمل الإنفاق على المعاشات الحكومية والتأمينات الاجتماعية والدعم والمساهمات في المنظمات الدولية، وهي القطاع الوحيد الذي سجل ارتفاعًا بالإنفاق إلى 141 مليار ريال في العام القادم من 121 مليار في 2019، بحسب بيان الموازنة.

ما هو سعر النفط الذي تعتمد عليه موازنة السعودية 2020؟

من ناحية أخرى تعاملت الموازنة كذلك بواقعية ملحوظة مع الإيرادات النفطية إذ تتوقع تراجعها إلى 513 مليار ريال في 2020 من 602 مليار ريال في 2019، بواقع نحو 89 مليار ريال، وهو رقم متحفظ كثيرًا، لكنه يتماشى مع التوقعات العالمية لأسعار النفط التي لم تتأثر كثيرًا بقرار «أوبك» وحلفائها نهاية الأسبوع الماضي بزيادة تخفيضات إنتاج النفط بواقع 500 ألف برميل يوميًا حتى مارس (آذار) 2020.

ولا تعلن الحكومة السعودية عن سعر النفط المقدر الذي تستخدمه في توقعاتها للموازنة، إلا أنه وفق ما نقلت «رويترز» عن مونيكا مالك، الخبيرة ببنك أبوظبي التجاري، فإن الموازنة تستند على الأرجح على سعر يتراوح بين 62 و63 دولارًا للبرميل على أساس سعر خام برنت، بافتراض إنتاج للخام عند نحو 9.8 مليون برميل يوميًا.

بينما يُقدر، مازن السديري، رئيس الأبحاث لدى «الراجحي كابيتال» سعر النفط في الموازنة عند 55 دولارًا للبرميل، بناء على مستويات إنتاج عند 9.9 مليون برميل يوميًا.

 

يشار إلى أن أسعار النفط يتم تداولها حاليًا قرب 64 دولار للبرميل، ويقول بنك «إيه.إن.زد» في مذكرة، اليوم الثلاثاء، إن حالة النشوة – بسبب تخفيضات «أوبك» – لم تدم طويلًا، ومن المتوقع أن زيادة الإنتاج من خارج «أوبك» تهدد بإلحاق الضرر بجهود الحد من إمدادات الخام العالمية.

وفي تقرير نشر، أمس، قال بنك «مورجان ستانلي» إن من المرجح أن يعود سعر خام برنت إلى 60 دولارا للبرميل بحلول منتصف 2020، موضحًا أن التخفيضات الإضافية الأخيرة إيجابية على المدى القصير، لكن الحاجة إليها تؤكد على ضعف العوامل الأساسية، بينما يتوقع أن يسجل برنت 62.50 دولار للبرميل في الربع الأول من 2020، لكنه قلص التوقعات إلى 60 دولارًا لبقية العام.

الديون تواصل قفزاتها.. 76 مليار ريال زيادة متوقعة في موازنة 2020

سجل الدين العام السعودي نموًا ملحوظًا خلال السنوات القليلة الماضية، وتتوقع السعودية أن يصل الدين العام بنهاية 2019 إلى 678 مليار ريال، وذلك بزيادة نحو 118 مليار ريال عن 2018، بينما تتوقع زيادة بواقع 76 مليار ريال خلال 2020 لتصل الديون المتوقعة إلى 678 مليار ريال.

وسجلت الديون السعودية قفزات كبيرة خلال السنوات القليلة الماضية؛ إذ تضاعفت نسبة الديون لإجمالي الناتج المحلي للمملكة بنحو 20 مرة، وذلك من نهاية 2014 وحتى 2019، إذ كانت نسبة الديون لإجمالي الناتج المحلي للمملكة 1.6% في نهاية 2014، تشير التوقعات إلى أن النسبة ستصل هذه النسبة إلى 26% بالعام القادم. وبالرغم من أنه بمقارنة معدلات الديون العالمية تبدو ديون السعودية غير مقلقة، بل ربما تكون عند مستويات آمنة جدًا، لكن توسع الدين في ظل تراجع الاحتياطيات وتباطؤ النمو يعزز من مخاطر هذه الديون.

قبل أن تنبهر بالموازنة «التريليونية» للسعودية.. يجب أن تعرف إجابة هذه الأسئلة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد