يتابع الملايين في فرنسا وأوروبا الانتخابات الرئاسية الجارية في فرنسا باهتمامٍ وترقُّبٍ بالغين مع تصاعد موجة الشعبوية بداية من البريكسيت في بريطانيا ثم وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في الولايات المتحدة وحتى بلوغ مارين لوبان الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية لما تحمله نتيجة تلك الانتخابات من آثار على أوروبا بأكملها.

 

أحد الأسئلة التي تثار مع كل انتخابات فرنسية هو كيف ولمن يصوت المسلمون الفرنسيون وهل يوجد ما يمكن تسميته «الصوت الانتخابي الإسلامي»؟ يُستخدَم مصطلح «الصوت الانتخابي الإسلامي» أو «التصويت الإسلامي» من قبل الدارسين والمتابعين للتساؤل حول دور الدين في تصويت مسلمي فرنسا بينما يستخدمه مرشحو اليمين الفرنسي لتخويف الفرنسيين من مخطَّط إسلامي خفي لفرض الإسلام وتعاليمه وشريعته على المجتمع الفرنسي وتغيير هويته أملًا في حصد المزيد من الأصوات الانتخابية.

المسلمون يشكلون 7.5% من عدد سكان فرنسا – حوالي 5 ملايين – وفقًا لمركز بيو البحثي، مما يجعل الإسلام ثاني أكبر الأديان من حيث عدد المعتنقين في فرنسا بعد الكاثوليكية. الغالبية العظمى من مسلمي فرنسا ينحدرون من مهاجرين يعود نصفهم تقريبًا لأصول جزائرية ومغربية ثم وبدرجةٍ أقل تونسية وتركية وأفريقية.

يبقى السؤال هو: هل يشكِّل مسلمو فرنسا كتلةً تصويتية واحدة تبني اختيارها الانتخابي على أساسٍ دينيّ؟ الحقيقة أنه بينما قد تشير الأرقام الخاصة بتصويت أغلب الفرنسيين المسلمين لمرشَّحٍ واحد ينتمي في الغالب لليسار الفرنسي فإن ذلك يعود لعوامل اقتصادية أكثر منه للدين أو لوجود كتلة تصويتية واحدة.

 

 إيمانويل ماركون.. المرشح الأكثر حظًا في انتخابات الرئاسة الفرنسية

وبينما توحِّد الظروف الاقتصادية الصعبة القرار السياسي للغالبية العظمى من مسلمي فرنسا فإنه لا يمكن القول إنهم يشكلون مجتمعًا مسلمًا موحدًا. فلا يزيد عدد الذين يرتبطون بنشاطات تابعة لمنظمات إسلامية عن 5% من المسلمين الفرنسيين. وبينما يعتبر «المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية CFCM» ممثلًا عن مسلمي فرنسا فإن ثلثي المسلمين الفرنسيين قالوا إنهم لا يعلمون شيئًا عنه.

تشابه إجاباتُ المسلمين الفرنسيين عن أولوياتهم في الحياة وما يسعون لتحقيقه أمثالَهم من باقي الشعب الفرنسي، فهم يبحثون بصورة أولى عن وظيفة ثابتة والحصول على درجة علمية وتوفير سكن جيد، وكلها إجابات لا تختلف عن إجابات أي فرنسي آخر.

 

كم يُمثِل المسلمون من الكتلة التصويتية الفرنسية؟

بينما يمثِّل عدد المسلمين في فرنسا فوق 18 عامًا – السن القانوني للتصويت في فرنسا –  6% من التعداد الفرنسي فإن 69% منهم فقط مواطنون فرنسيون يحقُّ لهم التصويت في الانتخابات الفرنسية مما يجعل الكتلة التصويتية للمسلمين تنخفض إلى 4.5% ممن يحق لهم التصويت في الانتخابات الفرنسية.

تنخفض الكتلة التصويتية للمسلمين أكثر لأنّ نصف المسلمين الذين يحق لهم التصويت فقط هم المسجلون في قوائم الناخبين مما يقلل كتلتهم التصويتية إلى 3.6% فقط بالنظر إلى أنّ 87% من الفرنسيين مسجلون في قوائم الناخبين. وحتى هذه النسبة الضئيلة لا تشترك كلها في العملية الانتخابية لظروفٍ كثيرة أغلبها اقتصادية.

يمكن القول إذًا إنّ المسلمين في فرنسا يمثِّلون كتلةً تصويتية تمثِّل 3.6% فقط من إجمالي الناخبين أو ما يقارب 1.5 مليون ناخب وهي وإن كانت تبدو كتلةً انتخابية ضئيلة إلا أنها قد تحسم نتيجة الانتخابات بالنظر إلى أن فرانسوا هولاند الذي حظي بتصويت 86% من المسلمين حسم الانتخابات الرئاسية في 2012 بنسبة 51.6% متفوقًا على غريمه نيكولاس ساركوزي بحوالي مليون ومائة وأربعين ألف صوت انتخابي. نسبة الـ86% من تصويت كتلة المسلمين الفرنسيين البالغة 3.6% من إجمالي الناخبين تتخطى 3.1% وهي الفارق بين التصويت لصالح هولاند وساركوزي تمامًا، مما يعني أن المسلمين قد يكونون عاملًا حاسمًا بالفعل في نتيجة الانتخابات خصوصًا مع تقارب النسب الانتخابية بين المرشحين.

 

لمن يصوت المسلمون الفرنسيون؟

في غياب حزبٍ سياسيّ يمثل المسلمين في فرنسا ويوحد أصواتهم ويعبِّرعن مشاكلهم وطموحاتهم فإن أغلبية المسلمين في فرنسا يصوتون بناءً على اعتباراتٍ اقتصادية – اجتماعية مثل الوظائف والأجور والتمييز وليس لاعتباراتٍ دينية، خاصة وأن أغلب الناخبين المسلمين من أبناء الجيل الثاني والثالث وهم أكثر اندماجًا في المجتمع الفرنسي وأكثر انفتاحًا على قيم العلمانية ويمتلكون وعيًا سياسيًا أكبر.

 

 حسمت نسبة مسلمو فرنسا النتيجة لصالح فرانسوا أولاند 2012

ولنعد إلى انتخابات الرئاسة الفرنسية 2012 ، قلنا إن هولاند حظي بتأييد الغالبية العظمى من المسلمين في فرنسا، ولكن هولاند لم يحظ بتأييد المسلمين لأسبابٍ دينية وإنما لأسبابٍ اقتصادية – اجتماعية بحتة. فهولاند الذي ينتمي لليسار الفرنسي كان قد وعد بإصلاحاتٍ اقتصادية بجانب إصلاحات اجتماعية تتمثل في محاربة التمييز والعنصرية.

المسلمون في الانتخابات الرئاسية الأخيرة كانوا إحدى حلقات النقاش الساخن بين المرشحين، ولذلك جاءت أصواتهم في المرحلة الأولى متفقة مع آراء المرشحين بخصوصهم، فالمؤشرات تشير إلى أن أغلب المسلمين صوتوا لـ«جان جاك ميلونكون» المرشح اليساري وتشير التوقعات إلى تأييد غالبية المسلمين لإمانويل ماكرون في مواجهة مارين لوبان التي دأبت على مهاجمة المسلمين في المرحلة الثانية من الانتخابات الفرنسية.

المثير للانتباه أن المرشحين اليمينيين الذين تحدثوا عن تصويتٍ إسلاميّ يصبُّ في صالح منافسيهم استخدموا الدين كثيرًا في دعايتهم الانتخابية لحشد أصوات المسيحيين المتدينيين، ففرانسوا فيون مرشح الحزب الجمهوري تحدَّث كثيرًا عن تدينه وتمسكه بالقيم الكاثوليكية وأسهبت مارين لوبان في الحديث عن الجذور المسيحية، وحسب استطلاع للرأي أجراه معهد إيفوب فإن فيون حصل بالفعل على أصوات 55% من الكاثوليك في المرحلة الأولى من الانتخابات الرئاسية.

لا يمكن القول إذًا إنَّ هناك ما يمكن تسميته بـ«التصويت المسلم» في فرنسا، فالمسلمون الفرنسيون يتخذون قرارهم الانتخابي بناءً على حاجاتٍ اقتصادية واجتماعية لا على نزعاتٍ دينية بالأساس وهم في ذلك يشبهون أي شريحة انتخابية أخرى، فاليهود الفرنسيون مثلًا يصوتون ضد المرشحين المتهمين بمعاداة السامية. وإن كان المسلمون الفرنسيون دعموا أحزاب اليسار الفرنسي ومرشحيه في معظم الانتخابات السابقة فإن ذلك يعود لسببين؛ الأول: اقتصادي وذلك لأن متوسط دخول المسلمين الفرنسيين أقل من المتوسط العام ولذلك فهم يصوتون للمرشحين الذين يعدون بالمزيد من عدالة التوزيع وبتوفير فرص عمل أكثر، والثاني: اجتماعي لأن أغلب مرشحي اليمين الفرنسي يهاجمون مسلمي فرنسا ويهددون بفرض المزيد من القيود على حرياتهم الشخصية وهو ما يجعل تصويت المسلمين لخصومهم أمرًا منطقيًا.

الخلاصة أنه وإن كان المسلمون لا يمثلون كتلة تصويتية متجانسة متحدة في غياب حزبٍ أو مشروعٍ يوحدهم، فإن أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية تجعلهم يميلون لتأييد اليسار الفرنسي في مواجهة عنصرية اليمين الفرنسي وتعصُّبِه.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد