تريد أن تكون سعيدًا، لذلك تسعى وراء الشعور بالمتعة، وهذا هو الطريق المعتاد لدى أغلب البشر؛ السعي وراء لحظات المتعة بغرض الشعور بالسعادة، حتى أصبحت المتعة والسعادة شيئًا واحدًا في الأذهان، ولذلك ظهرت النظريات الفلسفية التي تعيد للأذهان أن السعادة لا تستمر، وأن السعادة مجرد لحظة تمر سريعًا، وعلى الجانب الآخر بات علم النفس مؤخرًا يميز بوضوح قائلًا إن المتعة شيء، والسعادة شيء آخر تمامًا.

والمتعة الجنسية من أكثر المتع التي يتشارك فيها جميع البشر، وكما ارتبطت المتعة في الأذهان بالسعادة، فإن المتعة الجنسية أصبحت مؤشرًا في الأذهان عن مدى سعادة الشخص، وهو الأمر الذي جسدته الدراما وساعدت في ترسيخه، من خلال تقديم الصباحات السعيدة، والاستيقاظ المُقبل على الحياة بعد ليلة جنسية رائعة؛ فهل حقًّا سعادة المرء مرتبطة بمدى المتعة الجنسية التي يحصل عليها الإنسان؟ وما الفرق – من وجهة نظر علم النفس- بين المتعة والسعادة؟

المتعة والسعادة.. وجهان لعملة واحدة؟

عالميًّا؛ يعاني أكثر من 264 مليون شخص من جميع الأعمار من الاكتئاب، خاصة بين المراهقين، ووفقًا لما ذكره الطبيب النفسي روبرت لوستيج في كتابه «The Hacking Of The American Mind»، والذي حاول من خلاله فهم أسباب زيادة حالات الاكتئاب بين المراهقين في أمريكا؛ فإن زيادة إفراز الدوبامين هو السبب الرئيسي في تلك التعاسة التي تخيم على العالم الآن.

والدوبامين هو مادة كيميائية أو هرمون يفرزه جسم الإنسان طبيعيًّا، ويعمل على تعزيز الشعور بالمتعة، كما أنه ناقل عصبي يرسل إشارات بين الجسم والدماغ، والتوازن الصحي لهذا الهرمون في جسم الإنسان هو أمر في غاية الأهمية.

هذا لأنه يلعب دورًا مهمًّا في التحكم بالمهارات والاستجابات العاطفية؛ ولهذا هو ركن أساسي لتشكيل صحة الإنسان البدنية والعقلية، وببساطة؛ الدوبامين هو الشعور بالنشوة التي يشعر بها الإنسان بعد الوصول إلى هزة الجماع، أو أي متعة جسدية أخرى مثل تناول السكريات، أو ممارسة نشاطات ممتعة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويُطلق على وسائل المتعة التي تفرز الدوبامين في علم النفس وسائل تحسين المزاج السريع، وهو أمر أشبه بالمسكن لألم الجسم، دون أن تحاول معرفة سبب الألم الرئيسي، فهذا المسكن لن يعالج الاكتئاب، ولكنه يغطي على آثاره ببعض من الدوبامين، بينما الأزمة الرئيسية في اللاوعي تزداد ضخامة.

وتلك النظرية في علم النفس ليست مجرد نظرية فلسفية أو وجهة نظر البعض، ولكن ما أثبته العلم مؤخرًا أن الدوبامين قد يكون مفيدًا لحظيًّا؛ إلا أنه في تلك اللحظة يقمع إفراز السيروتونين في المخ، وهي المادة الكيميائية المسؤولة عن شعور الإنسان الدائم بالرضا والهدوء والسعادة، ولذلك – كيميائيًّا – فإن لحظات كثيرة ومتتالية من المتعة المؤقتة قد تسبب لك التعاسة على المدى الطويل.

صحة

منذ 7 شهور
يُسرع وتيرة التطور.. وظائف أخرى للجنس بعيدًا عن التكاثر

«المتعة قصيرة العمر، والسعادة تدوم طويلًا، اللذة عميقة بينما السعادة أثيرية، المتعة تأخذ والسعادة تُعطي، المتعة يمكن أن تتحقق بالممتلكات، ولكن ليس بالضرورة السعادة، المتعة عادة ما يختبرها المرء بمفرده، بينما السعادة نختبرها مع الآخرين»؛ هكذا حاول الطبيب النفسي روبرت لوستيج تلخيص الفرق بين السعادة والمتعة في كتابه.

المتعة الجنسية.. هل الدوبامين فيه سم قاتل؟

قد يظن البعض، بعد المعلومات السابق ذكرها، أنه من الأفضل الامتناع عن المتع السريعة تمامًا؛ حتى لا يؤثر الدوبامين في السعادة المطلقة للفرد، ولكن هذا أيضًا ليس صحيحًا؛ فالدوبامين يجب أن يُفرز في الجسد بنسب معقولة ومتوازنة، والسؤال هُنا هل يمكن للإنسان أن يكون مدمنًا للدوبامين؟ أم أن إدمان الدوبامين مجرد خرافة انتشرت مؤخرًا؟

من المحتمل أن تكون سمعت عن الدوبامين بوصفه مادة كيميائية مرتبطة بالإدمان، ومن هنا ظهر المصطلح الأمريكي، اندفاع الدوبامين، ليوصف تدفق المتعة الذي يحدث من جراء المتعة السريعة مثل هزة الجماع، خاصة في ممارسة الجنس دون علاقة حب، ولكن ما تسمعه عن ارتباط الدوبامين بالإدمان قد يكون خرافة، وعلى الرغم من أن الدوبامين قد يلعب دورًا طفيفًا ومعقدًا يصعب شرحه في تكوين العادات الإدمانية لدى الفرد، فإنه ليس المسئول الرئيسي عن إدمان الشخص للجنس أو لأي متعة سريعة أخرى.

ولذلك يفضل علماء النفس وصف الدوبامين بكونه محفزًا وليس إدمانًا، وهذا لأنه قد يرتبط ببعض النشاطات الممتعة المفيدة، مثل الإبداع في الرسم أو الكتابة، ولكن ما يحذر منه الطب النفسي هو الكميات الكبيرة من الدوبامين في الجسم، وقتها يتحول الإنسان إلى آله وقودها الدوبامين، تعيش حالة محمومة من البحث عن المتع السريعة، تفتقد السيروتونين، وتتحول الحياة إلى رحلة طويلة من البحث دون الشعور بالهدوء أو الرضا، والذي يؤدي في النهاية إلى الشعور بالاكتئاب، عندما يدرك المرء أن كل تلك المتع لا تمنحه راحة البال والرضا.

هل الإفراط في الاستمناء يمكن أن يجعلك تعيسًا؟

ممارسة الجنس بين شركاء الحياة تجعل حياتهم أكثر سعادة، خاصة وإن كانت تلك الممارسة مرضية للطرفين، ولكن ما يؤكده علم النفس، أن الشعور بالمتعة الجنسية من خلال الاستمناء، أو مشاهدة الأفلام الإباحية، يختلف في تأثيره في الإنسان، عن ممارسة الجنس ومشاركة تلك المتعة مع شخص آخر يحبه.

وكما ذكرنا من قبل، فإن المتعة المسئول عنها الدوبامين، عادة يشعر بها المرء وحده دون مشاركتها مع الآخرين، والإفراط في تلك المتعة مثل الاستمناء للوصول للنشوة، قد يجعل الإنسان تعيسًا، بل يمكن أن يصل به إلى حالة من الاكتئاب والشعور بالوحدة، على عكس ممارسة الجنس مع شخص يحبه، عندما يتخلل الممارسة الجنسية الكثير من المشاعر العاطفية المطلقة التي تحقق السعادة، من قبل حتى الوصول إلى النشوة، وبهذا تكون الممارسة الجنسية محفزًا للسعادة وليس للمتعة المؤقتة، بينما الوصول للأورجازم وحيدًا يعزز المتعة المؤقتة، وبالتالي؛ فالإفراط فيه يسبب التعاسة.

في المقابل، يؤكد علم النفس أن الامتناع عن الاستمناء تمامًا للشخص الذي ليس لديه شريك حياة، ليس الحل الأمثل أيضًا؛ فللاستمناء والقذف فوائد جسدية، خاصة للأعضاء التناسلية والتوازن الهرموني، ولكن ينصح أطباء علم النفس بتجنب مشاهدة الأفلام الإباحية؛ لأنها تحوِّل الاستمناء إلى طقس يزيد من وحدة الفرد وعزلته عن المجتمع، إلى جانب الاعتدال في ممارسة الاستمناء بشكل عام لتكون بغرض تفريغ الطاقة الجنسية، وعدم الشعور بالحرمان الجنسي.

في النهاية يؤكد علم النفس أن المتعة الجنسية في المطلق أمر في غاية الأهمية للبشر ولسعادتهم، ولكنها أيضًا سلاح ذو حدين، سواء كنت في علاقة أو كنت وحيدًا، فشركاء الحياة إذا مارسوا الجنس كثيرًا لن يسبب هذا تعاسة لهم، ولكنه قد يكون عاملًا من عوامل الخطر في العلاقة إذا كان هو السبب الرئيسي والوحيد في سعادة الطرفين، ويمكن لأي شريكين أن يدركوا ذلك إذا كانوا يمرون بخلافات ضخمة في حالة عدم ممارسة الجنس لفترة قصيرة، في هذه الحالة يعد الجنس مجرد مخدر لعلاقة غير صحية أو محكوم عليها بالفشل، ولكن إذا كان الجنس ركنًا من أركان سعادة تلك العلاقة، فمن الصعب أن تسبب ممارسته بكثرة أي تعاسة للطرفين. ولكن من المؤكد، بحسب منظور علم النفس، أن الإفراط في المتعة الجنسية من خلال الاستمناء ومشاهدة الأفلام الإباحية؛ يمكن أن يسبب التعاسة والاكتئاب للإنسان.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد