كانت الصداقة محل إشادة دائمًا ولأكثر من ألفي سنة باعتبارها مفتاحًا لتحقيق الذات.

هناك العديد من الأعمال الأدبية التي لا تنسى والتي تحتفي بالصداقة. فروايات أخيل وباتروكلوس، ديفيد وجوناثان، ودامون وبيثياس لم تكن سوى غيض من فيض الأعمال الأدبية الشهيرة التي تناولت الصداقة الحميمة.

ويخشى الكثيرون اليوم من أن تفضي طبيعة المجتمع الحالية ذات الحركة الدائمة والطابع الفردي المتغلب إلى تقويض القدرة على إقامة علاقات حميمة مستدامة. من وجهة النظر تلك، فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إضفاء مزيد من السطحية على علاقات الصداقة، وباتت علاقات الاتصال التي تعتمد على الاتصال المباشر وجهًا لوجه أمرًا أقل شيوعًا.

لكن هل تقلصت الصداقة الحقيقية بالفعل؟ الواقع هو أكثر تعقيدا.

لم تكن الصداقات الأفلاطونية بين الرجل والمرأة أبدًا أكثر شيوعًا. وهكذا أيضا، هي الصداقات التي تتقاطع مع خطوط إثنية وعرقية. الهواتف المحمولة، والبريد الإلكتروني، ووسائل الإعلام الاجتماعية، والرسائل النصية تسمح للأصدقاء بالقدرة على الاتصال عبر الزمان والمكان.

إذا أردنا أن نفهم حقا ما هو مميز عن الصداقة اليوم، فإنه من المفيد أن ننظر إلى الصداقة على مدار الزمن. وكما هو الحال مع ميادين الحياة الأخرى، فإن الصداقة لها تاريخ ممتد عبر الأيام.

كانت الصداقة محل تقدير في العالم القديم. غير أن الصداقة الحقيقية كما يقول أرسطو لا يمكن أن تحصل إلا بين الرجال ذوي الاستقلالية والمكانة والتربية للانخراط في فن الصداقة.

في المقابل، أخذت الكنيسة المسيحية في وقت مبكر وجهة نظر سلبية عن الصداقات الحصرية، مفضلة الاتصالات الروحية بين جميع المسيحيين.

وخلافًا للصداقة اليوم، والتي هي في الأساس علاقة خاصة، كان للصداقة بعدٌ عام في الماضي. شهدتْ القرون الوسطى في أوروبا احتفالات عامة تشبه إلى حد ما الزواج، والتي تربط الأصدقاء معا.

قبل أواخر القرن الثامن عشر، نظر الرجل إلى المرأة باعتبارها عاجزة عن إقامة الصداقة الحقيقية. واستخدمت كلمة “النميمة” لوصف صديق المرأة المقرب، مما أدى إلى ارتباط “القيل والقال” باللغو والثرثرة باعتبارهما أمرًا ضارًا.

وفي الوقت الذي اتسع فيه المجتمع التجاري في القرن التاسع عشر، كان ينظر للصداقة الحقيقية على أنها نقيض للعلاقات المفيدة أو الاقتصادية. أصبحت المؤانسة هي السمة المميزة لصداقات الرجال، والتي تعززت في المنتديات، وصالونات الحلاقة والجمعيات الأخوية.

اليوم، وفي تناقض صارخ، يجري الربط بين العلاقات الأسرية القريبة وأواصر الصداقة. فبينما يطمح الأزواج في تكوين علاقات صداقة قيمة، يسعى كثير من الآباء لإقامة علاقات صداقة مع أطفالهم.

وبينما اكتسبت الصداقة في القرن التاسع عشر أهمية رمزية عميقة، فإن المفهوم المثالي للصداقة في عصرنا الحالي يشتمل على فكرتين. تتمثل الفكرة الأولى في الاستماع الوثيق والدعم غير المشروط. وتربط الفكرة الثانية الصداقة بالتعبير العاطفي، والتقارب، وتقاسم المشاعر، وحميمية الكشف عن الذات.

وأخيرًا يقول أرسطو:

“بدون أصدقاء، لا أحد يريد أن يعيش، حتى لو كان لديه كل السلع الأخرى”.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد