الشيء الأكثر رعبًا بشأن دونالد ترامب؛ أنه غبي، لا يوجد شخص أغبى من ترامب. * الكاتبة فران ليبوتز

تعتقد ليبوتز أن انتخاب ترامب، سمح للمجتمع الأمريكي بإظهار عنصريته وتعصبه الذي كبحه لفتراتٍ طويلة، «هم يحبونه لأنه يساعدهم على إبراز كراهيتهم»، وفي حوارٍ لها مع «الجارديان»، تقتبس الكاتبة الأمريكية فران ليبوتز ما قاله وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون عن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية؛ قائلة: «ترامب معتوه؛ وهذه أكبر المخاطر التي تواجهه». لم تعتقد ليبوتز يومًا أن شخصًا مثل دونالد ترامب قد يفوز بالانتخابات الأمريكية، مُشيرة إلى أن الأمر برمته قد سبب صدمة لها، وتشبه فوزه بكرسي الرئاسة الأمريكية  بمثابة اغتيال كينيدي وأحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2011.

وفي الوقت الذي يشارك فيه الكثيرون ليبوتز الرأي بشأن غباء دونالد ترامب وغطرسته، يرى البعض الآخر أن ترامب يجيد لعب دور الغبي بذكاء، صانعًا حوله مجموعة من الأكاذيب، مؤمنًا أن الدعاية السلبية تحقق أكثر مما تحققه الدعاية الإيجابية، ولهذا صنع فريقًا لا يرحم من المحامين.

تقول عن ذلك الكاتبة سارة كيندزيور: «سيطر السيد ترامب على الصحافة من خلال منصات التواصل الاجتماعي بشكلٍ شبه كامل عن طريق تويتر»، وتضيف أن ترامب قد سمح لصحافي بجهاز تسجيل أن يجوب أروقة البيت الأبيض، ويستمع إلى أحاديثهم السيئة، لتكون النتيجة كتاب «النار والغضب في البيت الأبيض»، ومن ثم يهدد دونالد ترامب بحظر الكتاب، بحسب كيندزيور، وبالتالي يضمن نجاحه محققًا أعلى المبيعات.

بالنسبة إلى كيندزيور، لم يكن ترامب غبيًا بأي حالٍ من الأحوال، بل قريبًا من العبقرية؛ يحاول الاستفادة قدر المستطاع من الدعاية السلبية؛ حتى الكتاب الذي كان بمثابة فضيحة له، بحسبها، ما هو سوى دعاية أخرى تضاف إليه، حتى وإن كان يظهر رئيس الولايات المتحدة طفوليًا، ومحاطًا بمجموعة من الموظفين غير الأكفاء.

«جنون العظمة قد يكون غبيًا»

عام 1995، قام شخصًا يدعى مكارثر ويلر بسرقة بنكين في وضح النهار، ومع وجود كاميرات في كل مكان، لم يكن يرتدي قناعًا واتجه ناحية الصراف مهددًا إياه بمسدسه، وعقب انتهائه، عاد إلى منزله كأن شيئًا لم يكن.

كانت الكاميرات قد التقطت مجموعة من الصور الجيدة لوجهه؛ وقبل حلول منتصف الليل كانت الشرطة تدق بابه بعد أن تم التعرف عليه. كان ويلر غير مصدق كيف وصلت إليه الشرطة؛ ويصيح بهم «لقد دهنت وجهي بعصير الليمون». يقول ويلر للشرطة إنه قام بفرك عصير الليمون على وجهه، ليجعله غير مرئي لكاميرات المراقبة.

كان الرجل يصدق ما يقوله؛ إذ قرأ عن عصير الليمون وكيف يمكن أن نتخذه حبرًا سريًا يخفي الكلمات، وبالنسبة إلى عقله الصغير، ظنَّ أن عصير الليمون سبيل للتخفي، وهو الأمر الذي دعا عالمين نفسيين لتفسير تلك الظاهرة والتي سُميت دانينغ-كروجر تيمنًا بأسمائهم.

تم تعريف «تأثير دانينغ-كروجر» على أنه ميل الأشخاص متدني الذكاء للمبالغة في تقدير مهاراتهم، وذلك عن طريق افتراض أن لديهم خبرة وقدرة متفوقة على من حولهم، بل وقد يصل الأمر بهم أحيانًا إلى جنون العظمة، مع عدم القدرة على إدراك فشلهم، أو قدراتهم المتدنية.

الجهل التام يولد الثقة بالنفس. * ستيفن فراي

وصف الممثل الكوميدي البريطاني ستيفن فراي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه يمتلك جهلًا تامًا قد خلق لديه نوعًا من الثقة بالنفس والغطرسة، مُشيرًا إلى أن أفعال دونالد ترامب لا يفسرها سوى الظاهرة النفسية تأثير دانينغ كروجر، وفي فيديو بعنوان «هل أكاذيب ترامب ستكلف الآخرين حياتهم؟»، شبه فراي الرئيس ترامب بسارق البنك مكارثر ويلر، وذلك بمقارنة قدراتهم العقلية المحدودة.

يقول الفيلسوف كارل بوبر: «الجهل الحقيقي لا يكمن في غياب المعرفة، بل في رفض اكتسابها»، ويبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحسب كثيرين، يعاني من ذلك؛ ففي مقالٍ نشر العام الماضي بوكالة «بلومبيرج» الإخبارية، تم وصف ترامب بأنه يعاني من تأثير دانينغ كروجر، ليس لجهله، وليس لاعتقاده بأنه أكثر معرفةً ممن حوله، ولكن لأنه لا يعرف معنى المعرفة.

وفي الوقت ذاته نشرت «واشنطن بوست» مقالًا للكاتب السوفيتي جورج ويل أشار فيه إلى أن دونالد ترامب الذي تجاوز العقد السابع من عمره يعاني من إعاقة خطيرة، مُشيرًا إلى أنه إذا كان على الغرب أن يخاف من كوريا الشمالية ورئيسها المجنون؛ فعلى كوريا الشمالية أيضًا أن تخشى الولايات المتحدة ورئيسها العجوز، وقد قام ويل بتحليل بعض مواقف دونالد ترامب التي عبرت عن جهله سواء فيما يخص الحرب الأهلية والتاريخ الأمريكي، أو ما صرح به الرئيس الأمريكي حينما قال إن أزمة الشرق الأوسط يمكن حلها بتفجير كل شبرٍ فيه؛ خاصةً وأنه قد أظهر جهلًا فيما يخص البرنامج النووي في أكثر من حوارٍ معه، ودعا ويل الشعب الأمريكي للوقوف في وجه ترامب قبل أن يزداد الوضع سوءًا.

وفي الآونة الأخيرة صدر كتابان يهاجم كل منهما الرئيس الأمريكي، كان أولهما «النار والغضب في البيت الأبيض»، والذي أظهر الرئيس الأمريكي بمظهر الفائز في الانتخابات الأمريكية بمحض الصدفة، ودون تخطيط، مُشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي لم يترشح للانتخابات الأخيرة سوى لكسب مزيد من الشعبية التي تخدم شركاته.

أما الكتاب الآخر فكان «الخوف»، للكاتب بوب وودوارد، والذى أظهر الرئيس الأمريكي بمظهر الأبله، من خلال شهادات مسؤولي البيت الأبيض رفيعي المستوى.

«عبقرية ترامب».. حلم أمريكي يتحقق

عام 2017، قامت شركة «نتفلكس» بعرض مسلسل وثائقي من إنتاج بريطاني، بعنوان «ترامب: حلم أمريكي»، عن حياة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب خلال 50 عامًا، مُتناولًا الفترة التي تمتد من سبعينيات القرن الماضي وحتى الانتخابات الأمريكية الأخيرة. كان الوثائقي مقسمًا إلى أربع حلقات، كل حلقة تتناول فترةً جديدة في التاريخ الأمريكي المعاصر، يتم تناولها من خلال شخص ترامب، الذي تمت الإشارة إليه وكأنه حُلم أمريكي ينتصر، ورجل عبقري تمكن من الصمود خلال الأزمات المالية العاتية التي أطاحت بالاقتصاد الأمريكي سواء في سبعينيات القرن الماضي، أو بداية الألفينات.

كانت عيوب ترامب في الفيلم تتلخص في أنه شخص محب لذاته، يجمع الأخبار التي تنشر عنه ليقرأها في مكتبه صباح كل يوم، وأنه استغلالي لا يفوت الفرص دون أن يحقق منها أعلى الفوائد الممكنة، لكنها أبدًا لم تكن غباءه. يظهر ترامب في مشهد البداية وهو يحمل ورقة يحفظ ما فيها عن ظهر قلب، خطابًا سيلقيه في البيت الأبيض عقب فوزه في الانتخابات الأمريكية عام 2016، ومن ثم قطع لتبدأ أحداث الفيلم تخبرك كيف وصل هذا الرجل إلى كرسي الرئاسة.

في عام 1975 كانت مدينة نيويورك تعج بالفوضى والتوتر، أطلقوا عليها «مدينة الخوف»، تم تسريح آلاف العاملين من وظائفهم تخفيفًا للنفقات، كانت المدينة تعاني اقتصاديًا، وكان دونالد ترامب حينها ابنًا لواحد من أشهر العاملين في مجال البناء والعقارات «فريد ترامب»، لم يرد دونالد أن يشبه والده؛ بل أراد أن يتفوق عليه، بأن يصبح مقاولًا ضخمًا في منهاتن جنبًا إلى  جنب رجال الأعمال الكبار.

استغل دونالد ترامب الحالة الاقتصادية التي كانت تمر بها مدينة نيويورك، وخلق لنفسه فرصة التواجد فيها عندما قام بشراء فندق كومودور والذي كان على وشك إغلاق أبوابه؛ وعمل على ترميمه وذلك في مقابل أن يحصل على عفو ضريبي لمدة 40 عامًا. كان هذا هو النهج الذي اتبعه ترامب الابن للتواجد على الساحة.

كانت الخطوات التالية تتلخص في جعل اسم «ترامب» علامة تجارية؛ بدأها ببرج ترامب، وتبعها بمجموعة من النوادي الليلية للمقامرة، إلا أنه لم يكتف بذلك؛ كان ترامب، بحسب الفيلم، محبًا للظهور، يحيط ذاته دائمًا بالمشاهير والنجوم، كان يعرف الطريق إلى قلب وسائل الإعلام وتمكن من أن يصبح نجمًا على أغلفة المجلات، وحديثًا للناس في المجتمعات الأمريكية.

لم يكن ترامب -بحسب الفيلم- غبيًا، بل كان عبقريًا فيما يتعلق بالمال وإدارة الأعمال، يصفونه برجل ذي قبضة ذهبية، يستطيع أن يحول التراب إلى ذهب؛ إلا أنه طوال هذه الرحلة لم يكن وحده، فقد استعان برجلٍ ذي سمعة جيدة في الأوساط الأمريكية، روي كوهين، المحامي الشيطاني الذي يلجأ إليه رجال المال والنفوذ لتولي قضاياهم. روي كوهين كان يعرف الكثير عن النفوذ، ودونالد أراد النفوذ، وأراد كوهين إلى جانبه منذ البداية، ليصبح مخيفًا.

روي كوهين .. المصدر الفيلم الوثائقي: ترامب حلم أمريكي

في ثمانينيات القرن الماضي، كان دونالد ترامب قد استطاع أن يكوّن امبراطوريته، منشآت هنا وهناك تحمل اسمه الذي أصبح بالفعل علامة تجارية كبرى، وكتبًا تحمل اسمه، يشرح فيها للشعب الأمريكي الطريق إلى الثراء. كان مثلًا أعلى لكل من يبحث عن المال، تحتل أخباره صفحات الجرائد اليومية، باعتباره واحدًا من نجوم المجتمع، «الرجل الذي أنقذ نيويورك»، تمامًا كما أراد أن يظهر؛ إلا أنه في الوقت ذاته قد تعرض للضربة الكبرى في تاريخه، وذلك عبر الكساد الاقتصادي العالمي عام 1987.

ظنَّ ترامب أن «تاج محل»، بنائه الأخير سيحقق أرباحًا خيالية، إلا أنه وعقب انهيار بورصة نيويورك وجد نفسه محاطًا بالديون التي لا يعرف طريقًا لسدادها. ظلَّ ترامب عاجزًا عن السداد لسنوات باع خلالها بعض أملاكه؛ إلا أن الأموال لم تكن كافية ليعبر الضائقة المالية والتي استمرت حتى منتصف التسعينيات، اتخذ ترامب حينها قرارًا ذكيًا، إذ قام بإنشاء شركته المساهمة الوحيدة، والتي أتاحت للشعب الأمريكي والمستثمرين حينذاك شراء أسهم في ممتلكات مؤسسة ترامب. كان دونالد يعرف طوال هذه الفترة كيف ينجو من الأزمات، وكيف يعمل على تحسين صورته، ليعود مرةً أخرى بشكلٍ أقوى حلمًا أمريكيًا يتطلع إليه الناس.

دونالد ترامب-المصدر ويكيبيديا

لم يكن حلم الرئاسة الأمريكية ببعيد عن دونالد ترامب، بل يبدو -بحسب الفيلم- أنه كان حلمه الأساسي، ومن أجله اتخذ عدة خطوات هامة، كان أهمها الوصول إلى الشعب الأمريكي، وبناء قاعدة شعبية تمكنه من الفوز. تقول ماري آن ترامب، والدة الرئيس الأمريكي الحالي في حوارٍ معها: «دونالد ولد كي يكون رئيسًا»، مُشيرة إلى أن الرئاسة الأمريكية طالما كانت حلمًا يداعب أفكاره.

بعض الأطفال يريدون أن يصبحوا أطباء، بعضهم رجال إطفاء، أما دونالد فقد أراد دائمًا أن يصبح رئيسًا للولايات المتحدة، فقط أراد أن ينتظر الوقت المناسب. *ماري آن

في انتخابات عام 2000، والتي ترشح فيها الرئيس السابق للولايات المتحدة جورج بوش، تم طرح اسم دونالد ترامب باعتباره مرشحًا عن حزب الإصلاح، لم يكن لديه سوى أربعة شهور ليقرر ما إن كان ينوي الترشح أم لا، وقد قام ترامب باستنفاد المدة كلها، قبل أن يعلن عدم نيته للترشح والتي قال فيها: «ما لم أكن واثقًا من الفوز، لن أترشح للرئاسة الأمريكية».

بعد انتهاء الانتخابات، أخبر ترامب المقربين منه، أن الشخص يجب إما أن يكون جمهوريًا أو ديموقراطيًا ليفوز بالانتخابات الأمريكية، وهو الأمر الذي بذل فيه جهدًا، حسب الفيلم، في السنوات التي تلت ذلك.

في تلك الفترة، تعلم ترامب أصول الخطابة، وأدرك أنه ليصبح قريبًا من الناس يجب أن يتحدث إليهم بصدق، وهو الأمر الذي اتبعه، وبحلول عام 2008، كان موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» نافذة المشاهير للتواصل مع معجبيهم، أعجب دونالد ترامب بفكرته، وعمل على تكوين قاعدة شعبية جديدة.

وفي عام 2009، كان هناك قضية كبرى تشغل الرأي العام الأمريكي، وهي هل يستوفي باراك أوباما شروط الترشح للرئاسة في الدستور، وهل يحمل شهادة ميلاد أمريكية؟

كانت تلك هي المرة الأولى التي يظهر فيها دونالد ترامب باعتباره معارضًا، يطالب الرئيس الأمريكي حينذاك أوباما في كل حوارٍ تليفزيوني بإظهار شهادة الميلاد خاصته، في معركة استمرت لشهور، استغلها ترامب استغلالًا جيدًا، ليبرز على الساحة السياسية ويظهر بمظهر المدافع عن البلاد وعن الدستور؛ وهو ما أعجب نخبة الجمهوريين حينذاك.

ومع أنه قد خسر تلك الجولة أمام أوباما؛ إلا أنه وبحلول الانتخابات الامريكية لعام 2012، وبعد فوز أوباما بفترة رئاسية جديدة، كان ترامب  قد عقد العزم على الترشح للرئاسة الأمريكية، قائلًا لمساعديه: «أمامنا أربعة سنوات للعمل على الفوز بالانتخابات القادمة»، وقد قام في اليوم التالي بتغيير شعار شركاته إلى «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى».

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!