في مذكرة أعدها الفريق المسؤول عن انتقال السلطة الرئاسية بالولايات المتحدة الأمريكية، أوضحت خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإلغاء أكثر من اتفاقية تجارة خارجية في أول 200 يوم من رئاسته.

أول اتفاقية ينوي ترامب إلغاءها هي اتفاقية أمريكا الشمالية لحرية التبادل التجاري (NAFTA)، التي تسمح باستيراد وتصدير السلع بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا دون جمارك، ليصرح ترامب أنه لا بد من تعديل شروط الاتفاقية، وإن لم يُمكنه ذلك فسيلغيها.

ثمة اتفاقية أُخرى وقع ترامب مرسومًا بالانسحاب منها، وهي اتفاقية الشراكة العابرة للمحيط الهادئ (TPP)، وتضم 12 دولة مطلة على المحيط الهادئ من ضمنها اليابان وسنغافورة بالإضافة للولايات المتحدة، ويُقدّر البعض حجم الاتفاقية الاقتصادية بـ40% من إجمالي حجم الاقتصاد العالمي، وتتضمن أيضًا إلغاءً للجمارك بين الدول المنضوية تحتها.

يزعم ترامب أنه سيلغي هذه الاتفاقيات ليجبر الشركات الأمريكية على فتح مصانعها داخل الولايات المتحدة لا خارجها، على أساس أن فرض الضرائب على السلع القادمة من الخارج يفترض أن يجعل إنتاج هذه السلع خارج الولايات المتحدة أغلى من خارجها، حتى لو كانت العمالة بالخارج أرخص والتسهيلات المقدمة للمستثمرين أكثر، ويرى ترامب أنه بذلك سيوفر فرص عمل للأمريكيين، بعد أن يعيد التصنيع الأمريكي لداخل بلاده لا خارجها.

خطة ترامب التي ربما بسببها انتخبه كثيرون طامحون لفرص العمل التي وعدهم بها، تبدو نظريًا قابلة للتنفيذ، فهل تتحقق وعود ترمب بأن «يعيد أمريكا للعمل»؟

لماذا توقفت أمريكا عن العمل؟

في تقرير لصحيفة «The balance»، ذكر أن عدد الوظائف التي نقلت إلى خارج الولايات المتحدة في عام 2013 هو 14 مليون وظيفة، أغلبها في أربع صناعات هي مراكز الاتصالات والتكنولوجيا والصناعة وإدارة الموارد البشرية.

وأشار التقرير إلى أن هذه الصناعات تنقل عملية التصنيع للخارج لتتمكن من إنتاج السلع بأسعار أرخص تبيعها في الولايات المتحدة، كما أنها تفتح أسواقًا أخرى خارج الولايات المتحدة.

وفي تقرير لصحيفة أخبار الولايات المتحدة، أوضح أنه منذ انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية في 2001، خسرت الولايات المتحدة 3.1 مليون وظيفة في مجال التصنيع، نُقلوا إلى الصين بسبب العمالة الرخيصة. هذه الخسارة في مجال التصنيع تُمثّل ثلثي إجمالي الوظائف التي فقدها الأمريكيون ما بين عامي 2011 و2013.

منذ انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية خسرت أمريكا 3.1 مليون وظيفة

وفي تقرير لمركز دراسات التقدم الأمريكي حول الاقتصاد الأمريكي، أشار إلى أنّه منذ عام 2000 وإلى الآن ألغت الشركات الأمريكية العابرة للقارات والتي يمثل العاملون فيها خُمس قوة العمل في الولايات المتحدة؛ حوالي 2.9 مليون وظيفة داخل الولايات المتحدة، وفتح مثلهم خارج الولايات المتحدة، فيما تقلّصت أعداد العاملين في مجال الصناعة بالولايات المتحدة خلال الفترة ما بين 1979 و2009، من 19.5 مليون إلى 11.5 مليون، في حين تقلصت أعداد المصانع داخل الولايات المتحدة بمقدار51 ألف مصنع نُقلو إلى خارج الولايات المتحد خلال الفترة ما بين 1998 و2008، ولا تُفكّر سوى 4% من الشركات فقط في إعادة نقل التصنيع إلى داخل الولايات المتحدة، أي أن أعداد المصانع داخل الولايات المتحدة قلت بنسبة تقارب 13% في 10 أعوام فقط، ولا يبدو أن هناك نية للشركات للعودة للتصنيع داخل الولايات، وهو ما مثل ضربة للطبقة المتوسطة العاملة.

شركات كُبرى مثل آبل ونايكي تقوم بعمليات التصنيع بشكل كامل خارج الولايات المتحدة، غالبًا بسبب العمالة الرخيصة، وهو ما أكده تقرير آخر لصحيفة وول ستريت جورنال، أوضح أن ثلاثة أرباع الوظائف التي أضافتها 35 شركة كبرى أمريكية في الأعوام الأخيرة، كان خارج الولايات المتحدة.

الضرر الحاصل ليس للشركات المصنعة بل للاقتصاد الأمريكي وللعمالة الأمريكية على وجه التحديد، وهو ما أشار إليه مركز الأبحاث الهام «مجلس العلاقات الخارجية» في دراسة له، موضحًا أن الشركات تُحوّل صناعاتها إلى خارج الولايات المتحدة، آخذة معها ملايين الوظائف من المواطنيين الأمريكيين، ليتسنى لها تحقيق مكاسب أكبر من خلال التصنيع في الدول النامية، حيث لا يضطرون إلى دفع الرواتب التي يأخذها العامل الأمريكي، ولا التأمينات الصحية ولا الامتيازات التي يأخذها العامل الأمريكي مثل مكافأة نهاية الخدمة وخطة التقاعد وما إلى ذلك.

بالإضافة إلى ذلك فإنهم يعملون تحت ضوابط سلامة وصحة مهنية أقل كما أنهم يدفعون ضرائب أقل، فالولايات المتحدة معدل الضرائب فيها على الشركات الخاصة يصل إلى 39%، بينما متوسط الضرائب على الشركات الخاصة في دول منظمة التعاون الاقتصادي لا يزيد عن 29%، إلا أن هذا الحد من الضرائب لا يدفعه الجميع، كما أوضح الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما قائلًا: «لدينا الضرائب الأعلى في العالم، وبينما يتضرر منها البعض، هناك بعض الشركات الكبرى تتلاعب بالنظام، من خلال محامين ومحاسبين ومجموعات ضغط؛ لينتهي بهم الأمر إلى عدم دفع ضرائب على الإطلاق».

هذه الشركات العابرة للقارات، هي نفسها التي تنقل الوظائف الصغيرة إلى خارج الولايات المتحدة، في حين يحتفظ المديرون التنفيذيون بوظائفهم بل تزداد مرتباتهم مع زيادة الركود الاقتصادي، وهو ما أشار إليه معهد السياسات الاقتصادية في تقرير له بعنوان «المديرون التنفيذيون يحصلون على 300 ضعف أجر العامل العادي».

هل يستطيع ترامب فرض سياساته على المديرين التنفيذيين؟

نشرت مجلة «فانيتى فير» الأمريكية مقالًا بعنوان «هل تنقلب وول ستريت على ترامب؟»، يسخر من قدرة ترامب على تحدي المديرين التنفيذيين لهذه الشركات، واصفًا إياه بأنه «ليس أكثر من متنمّر يُسيء لمن يُعارضه». وتساءلت المجلة ساخرةً عما يملك ترامب فعله ضد الشركات الكبرى، «هل سيغرقهم بعاصفة من التغريدات؟»!

في نفس المقال لفتت المجلة إلى أن أول ما فعله ترامب عقب تنصيبه هو الاجتماع بمديري الشركات الكبرى مثل ديل وتيلسا وداو جونز للصناعات وشركة الحديد الأمريكي وفورد. وبعد الاجتماع الذي تم على مرتين، خرجت تصريحات المديرين التنفيذيين مشيدة بترامب، ومُصرحة بوعده لهم بعدم المساس بأعمالهم.

هل تطال وعود ترامب المديرين التنفيذيين؟

ترامب الذي وصفته مجلة «فانيتي فير» بأنه «لا يفهم شيئًا في علم المال»، كان قد كتب تغريدات مهاجمًا أكثر من شركة، فانخفضت أسهم تلك الشركات انخفاضًا طفيفًا، وهو ما جعل كاتب المقال يصف موقف رجال الأعمال من ترامب بأنهم «يعاملونه على أنه أحمق، ولا بأس من بعض المرونة معه، طالما لم يضر ذلك باقتصاد تلك الشركات».

وعلى نفس المنهاج، نشرت مجلة «بوليتيكو» العالمية تقريرًا بعنوان «لماذا وقعت وول ستريت في غرام ترامب فجأة؟»، يُوضح كيف أن اقتراحات ترامب جميعها تأتي في مصلحة رجال الأعمال، بخاصة خططه لتقليل الضرائب على الشركات الكبرى وفتح استثمارات تقدر بمليار دولار في تحسين البنية التحتية، الأمر الذي جعل بيل أكمان أحد أكبر المستثمرين في وول ستريت، يعلن تأييد ترامب قائلًا: «أنا سعيد بخطة ترامب التي تتضمن مشروعات في البنية التحتية وكذلك تخفيض الضرائب على الشركات الكبرى».

ووفقًا للمجلة فإن أكمان ليس الوحيد في وول ستريت المؤيد لترامب، فشركة داو جونز للصناعات ارتفعت أسعار أسهمها في البورصة ارتفاعًا كبيرًا بعد تنصيب ترامب، ما جعل الشركة تبدأ في «رؤية الفضيلة في ترامب»، أما لويد بلانكفين المدير التنفيذي لجولدمان ساكس، فقد وصفه المقال بأنه «دخل أخيرًا في دين ترامب».

العلاقة بين الحكم في أمريكا وبين وول ستريت وطيدة منذ نهاية القرن الـ18، الأمر الذي شرحته مجلة بوليتيكو في تقريرها قائلةً: «وول ستريت هي مكان المال والنفوذ الحقيقي، ودائمًا ما يكون هناك تفاهمًا بين وول ستريت ومن في الحكم، بغض النظر عن أية خطابات بلاغية تقول عكس ذلك»، مُضيفةً: «ترامب لا يستطيع تنفيذ وعوده ومحاربة وول ستريت، والمزاج العام الآن في وول ستريت هو: وول ستريت عادت يا أعزائي».

ما سبق يجعل من تهديدات ترامب وكأنها محصورة في خطاب شعبوي، وتغريدات على تويتر. وقد أشارت صحيفة واشنطن بوست إلى استحالة تحقيق ترامب لوعوده، في تقرير بعنوان «قبل أن يتحدث أي شخص عن توفير فرص العمل عليه النظر لتلك الأرقام»، شرحت فيه كيف أن فقد الأمريكيين لوظائفهم في الصناعة لا علاقة له بمكاسب تلك المصانع التي تضاعفت في العقود الأخيرة، وكيف أن هذا التضاعف ليس فقط بسبب نقل التصنيع إلى خارج الولايات المتحدة حيث العمالة الأرخص والتسهيلات الأكثر، بل إن الإنتاج نفسه تضاعف بسبب التطور التكنولوجي والميكنة. هذا التطور أدى إلى تقليل دور العامل، وهو ما أشار إليه معهد بروكينجز لدراسات السياسات العامة في تقرير بعنوان «ليس من السهل إعادة الوظائف».

تقرير بركينجز أوضح الفارق بين تكلفة ساعات العمل المميكنة وساعات العمل للعامل الأمريكي، في الفارق ما بين ثمانية دولارات و25 دولارًا، وفي عام 1980 كان الأمر يتطلب 25 عاملًا لإنتاج صناعة بقيمة مليون دولار، بينما يمكن إنتاج صناعة بنفس القيمة الآن فقط باستخدام خمسة عمال، ما يجعل من المستحيل إعادة أمريكا للعمل، فلن يستطيع ترامب إجبار الشركات على
الاستغناء عن التكنولوجيا، حتى لو غيّر شروط الاتفاقيات التجارية كما وعد. إذًا، وبما أن الآراء تُشير إلى عدم قدرة ترامب على تنفيذ وعوده الاقتصادية، فماذا عن وعوده السياسية؟

ترامب.. بين محاربة الإرهاب وفقرة الساحر!

في تقرير سابق بعنوان «لهذا يحب ترامب السعودية على عكس ما يشاع»، أشرنا إلى تغيّر نغمة ترامب عند التحدث عن المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى احترامه للسعودية باعتبارها قوةً مالية يمكن التربح منها وعقد صفقات معها.

نفس الفكرة ألمحت إليها صحيفة الجارديان البريطانية، حينما تساءلت عن السبب الذي دفع ترامب إلى استثناء السعودية من قرار حظر دخول بعض الدول الإسلامية إلى الولايات المتحدة، رغم أن السعودية وفقًا للجارديان هي أكثر الدول التي يحمل جنسيتها «إرهابيون».

الإجابة النهائية عن تساؤل استثناء ترامب للسعودية، كانت المليارات التي تستثمرها السعودية في الولايات المتحدة، فضلًا عن الأعمال الخاصة بينه وبين رجال أعمال سعوديين.

هل سيكتفي ترامب بفقرة الساحر؟

صحيفة نيويورك تايمز اتفقت مع الجارديان في ذلك، حين لفتت إلى أن الدول السبع التي اختارها ترامب لحظر دخول رعاياها إلى بلاده، هي دول فقيرة لا يمكن عقد صفقات تجارية معها، بينما استثنى دولة مسلمة، توصف بالتشدد مثل السعودية، لقدرتهم المالية.

لا يبدو إذًا أن قرارات ترامب التي يدّعي أنها لـ«محاربة الإرهاب» تسير بالفعل في ذلك الاتجاه، كما لا تبدو علاقاته بالشركات الكبرى تسير في اتجاه إجبارهم على توفير فرص العمل للأمريكيين. نفس الأمر تحدث عنه أندرو روزفلي في مقاله بالجارديان، حيث قال: «إن كل ما يقوله ترامب ليس إلا كذبًا، وهو شخصيًا ليس إلا محتال يستخدم حيلًا رخيصة، ويقول عكس ما يفعل».

حيلة ترامب الأساسية، هي لعب دول الذكر الأقوى المسيطر، كما قالت الكاتبة نانسي لاتورنيه في مقال لها بعنوان «ترامب.. وأمنية الذكر الأمثل»، فترامب، بحسب المقال يجذب البسطاء بخطابه الشعبوي الذي يزعم القوة البدائية والسيطرة على الرجال والنساء، وهو لذلك يُرحّب بانتشار فضائحة الجنسية، التي هي ميزة في ذلك السياق إذ يراها البسطاء تعبيرًا عن الفحولة التي تراود أحلامهم. فهل يستمر ترامب عندما ينتهي حلم القوة والسيطرة لدى بسطاء الأمريكيين؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد