شنت طائرة تركية من نوع «بيرقدار» يوم الأحد 26 أبريل (نيسان) غارات جوية استهدفت مربضًا للهاون ومركزًا لقاعدة «م.د» مضادة للدروع تابعة لـ«هيئة تحرير الشام» قرب بلدة النيرب بإدلب، وذلك بعد تعرض نقطة للقوات التركية في ذات المنطقة لاستهداف مباشر من قبل عناصر الهيئة، كما تم استهداف آلية مجنزرة تركية بصاروخ مضاد للدروع، وذلك على خلفية قيام الجيش التركي بمحاولة إزالة السواتر الترابية، وفض الاعتصام الرافض لمرور الدوريات الروسية على طريق «إم 4» الدولي، ودارت على إثر ذلك اشتباكات بالعصي والحجارة لتقوم عناصر من الهيئة بإطلاق النار على الجيش التركي الذي رد على الفور بالرصاص الحي، وقتل ثلاثة عناصر.

هذه الحادثة التي كانت لوقت قريب مستبعدة الحدوث بسبب الحذر التركي الشديد في التعامل مع هيئة تحرير الشام بالقوة، ولكن ما حدث هو وضع علامات تعجب واستفهام كثيرة عمن هو الحاكم الفعلي الآن لمحافظة إدلب، وهل تغير الحال وأصبحت مفاتيح بوابات مناطق المعارضة السورية بيد أنقرة بالكامل؟

الحكاية من البداية

لنضع النقاط على الحروف لا بد عن العودة إلى اتفاق سوتشي الذي توصل إليه الرئيسان: التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين في 2018، والذي نص بشكل صريح على إبعاد جميع الجماعات الراديكالية المسلحة، ومنها هيئة تحرير الشام عن المنطقة منزوعة السلاح بعمق 15 – 20 كيلومترًا، إذ لم تقم به تركيا، ولم تنفذ هذا البند من الاتفاق؛ ما أدى إلى قيام روسيا بشن هجوم واسع النطاق تمكنت فيه من السيطرة على مساحات واسعة من مناطق المعارضة، حيث سيطرت على ثلاث مدن رئيسة، وهي معرة النعمان، وخان شيخون، وسراقب، بالإضافة إلى عشرات البلدات والقرى، وبهذا فرضت سيطرتها على الطريق الدولي «إم 5» بالكامل.

دولي

منذ 11 شهر
«إم 4» و«إم 5».. سر الطريقين اللذين نفذت روسيا 5 مذابح الشهر الماضي لأجلهما

المعارك التي نشبت والنزوح الهائل إلى الحدود السورية التركية، شكل ضغطًا كبيرًا على أنقرة، التي رأت أن الهجوم يقوض جميع الاتفاقات السابقة، ومنها سوتشي وأستانة، لتبدأ أنقرة بإرسال جنودها وآلياتها إلى إدلب، وتقوم بتثبيت نقاط عسكرية جديدة في المحافظة، وتتطور الأحداث سريعًا بعد مقتل 33 جنديًا تركيًا جراء تعرض موقعهم لقصف مباشر من قبل قوات النظام السوري، فتطلق أنقرة عملية درع الربيع للانتقام لجنودها وتنفذ حملة قصف عنيفة استهدفت مواقع وآليات النظام السوري.

وأخيرًا وصلنا الى الاتفاق المبهم والغامض التي تم توقيعه بين أردوغان وبوتين في الخامس من مارس (آذار) 2020 في العاصمة الروسية موسكو، والذي أتى بثلاثة بنود لم تختلف عن اتفاق سوتشي السابق؛ ما يعني أنه على الأرجح هناك بنود مخفية واتفاقات لم يتم نشرها على العلن، ولكن وحسب تسريبات سبقت هذه الاتفاقية فقد كان الحديث عن مهلة روسية لأنقرة من أجل الالتزام بتعهداتها في القضاء على «تحرير الشام»، والتي تجد فيها تركيا منغصًا للعلاقات مع روسيا، وتهديدًا دائمًا للمدنيين في المنطقة.

أرتال لا تتوقف.. كيف تعيد تركيا تشكيل الخريطة؟

سمح مؤتمر الأستانة في كازاخستان عام 2017 لتركيا بإنشاء 12 نقطة مراقبة عسكرية لها في منطقة خفض التصعيد «إدلب» الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية، وكانت مهمتها مراقبة وقف إطلاق النار وتوثيق الخروقات فقط، ومع العمليات العسكرية الروسية في المنطقة دخلت بعض هذه النقاط ضمن مناطق سيطرة النظام، إذ رفض الأتراك سحب قواتهم والانسحاب منها لغاية الآن، وهذا الأمر عجل من خطوات الجيش التركي لدعم تواجده في إدلب لأسباب سنوضحها في هذا التقرير.

وعلى ذلك يكاد لا يخلو يوم بدون أن تدخل الأرتال العسكرية التركية الى إدلب وتنتشر في مساحات واسعة منها، وتضم هذه الأرتال عشرات الجنود، والآليات، والعربات، والمدرعات، وأيضًا الذخائر، والأسلحة، وغيرها من الأمور اللوجستية، إذ باتت تنتشر في أكثر من 44 نقطة عسكرية جديدة، وتتركز حول الطريق الدولي «إم 4»، وحسب الخريطة أدناه فمن الواضح أن التواجد التركي في إدلب أخذ منحىً جديدًا عكس توجه أنقرة في الملف السوري، توجهًا يقول إن هذه المنطقة باتت تحت نفوذها المباشر، فهل هي كذلك؟

هيئة تحرير الشام

خريطة تظهر عدد النقاط التركية في إدلب (المصدر : موقع «الأجندة السورية» التركي)

من يحكم إدلب؟

عملت تركيا على منع تقدم النظام وروسيا في إدلب؛ لأنها لا تريد أن ترى ملايين من النازحين على حدودها الجنوبية، كما أنها تتخوف إذا ما تراخت في إدلب فإن الدور سيأتي على مناطق نفوذها المباشرة، وستكون في موقف صعب حينها للدفاع ربما عن حصتها في الكعكة السورية، إذا كانت تخطط للبقاء طويلًا في سوريا.

تحاول تركيا رسم واقع جديد مفاده أن ما تبقى من مناطق المعارضة شمال غرب سوريا ستكون تحت نفوذها المباشر، تمامًا كما هو الحال في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون ونبع السلام، أما إدلب فقد أصبح اسمها منطقة «درع الربيع» بعد العملة العسكرية التركية ضد قوات النظام السوري، هذا الواقع الذي رسمته أنقرة تم بأعداد هائلة من عناصر الجيش التركي وقطع عسكرية كبيرة مختلفة مع توزيع شامل على كامل خريطة إدلب.

لا يوجد تصريح رسمي تركي عن أعداد جنودها الموجودين في إدلب، ولكن وحسب مصادر محلية تحدث إليها «ساسة بوست» فقد أكدت أن أعدادهم تتراوح ما بين 15 – 20 ألف جندي بينهم ضباط، وعناصر من الكوماندوس، وأعدادهم في ازدياد مستمر، وهذا الرقم يتوافق مع ما صرح به مصدر عسكري في المعارضة السورية لوكالة «رويترز» قبل قرابة الشهرين، وبالتأكيد فإن العدد أصبح أكبر الآن.

وفي ميزان القوى تكون الغلبة دائمًا لصاحب العدة والعدد، وبالمقارنة فإن عديد عناصر هيئة تحرير الشام بين الـ20 – 25 ألف مقاتل، وذلك حسب المصادر المحلية، وهذا الرقم يتوافق مع أرقام المرصد السوري لحقوق الإنسان أيضًا، فهل هذا يعني أن الغلبة ما تزال مع الهيئة؟

في الحقيقة يبدو أنه لا مكان للمقارنة هنا مع تركيا ذات القوة العسكرية الكبيرة، ولا ننسى أن نذكر أن «الجيش الوطني السوري» المدعوم من تركيا بشكل مباشر يبلغ عدد عناصره أكثر 60 ألف؛ ما يعني عمليًا أن الهيئة لم تعد الحاكم لإدلب بعد اليوم وهو ما تعيه حقًا، ولكنها ما تزال تتعامل مع الأمر، وكأنها صاحبة الكلمة الفصل على الأرض، ولكن لماذا؟ ولماذا أيضًا تتريث تركيا، ولا تنهي هذا الملف سريعًا؟

اعتصام النيرب.. ما الذي تريده هيئة تحرير الشام؟

نعود إلى التوتر الذي حصل بين الجيش التركي وهيئة تحرير الشام، لنشرح أسبابه، فإنه من المعلوم أن الاتفاق التركي الروسي ينص على تسيير دوريات مشتركة على طريق «إم 4»، ولما كان ذلك صعبًا بسبب الاعتصام في بلدة النيرب الذي نفذه عدد من الأشخاص الذين هم في ظاهرهم مدنيون، ولكن غالبيتهم العظمى هم من عناصر الهيئة بلباس مدني، وفق ما يستقر في اعتقاد تركيا وأعوانها في المدينة. إذًا فما الذي يجعلها تتعامل مع الأمر بتريث؟ 

منطقة الشرق

منذ 7 شهور
«بيرقدار».. طائرة تركية قلبت موازين الحرب في سوريا وليبيا

يعتقد الكاتب السوري أحمد أبازيد في حديثه لـ«ساسة بوست» أن «اعتصام الطريق هو ضغط من الهيئة للبحث عن ضمانات مستقبلها وإثبات أنها لا تزال القوة المتحكمة، وهذا رهان الهيئة بأنها ستخرج أقوى؛ لأن تركيا لا تريد التصعيد في إدلب». يضيف أبازيد أن «الهيئة تريد أن تضمن مستقبلها وشراكتها في أية صيغة حكومة للمنطقة، وتستعد في مقابل هذه الطلبات لتنفيذ الاتفاقات التركية الروسية ومحاربة من تبقى من «جهاديين».

ويرى أبازيد: «أن الاعتصام الذي نظمته الهيئة طيلة الأسابيع الماضية على طريق «إم 4» هو ورقة ضغط للحصول على مكاسب لها في إدلب كان أولها محاولة افتتاح معبر تجاري لها مع النظام السوري».

تمثلت أطماع هيئة تحرير الشام في السيطرة على الموارد المالية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، حيث سيطرت على جميع المعابر خاصة معبر باب الهوى مع تركيا ومعبر آخر مع منطقة «غصن الزيتون»، وكان لها معبر آخر مع مناطق النظام السوري، ولكن مع المعارك الأخيرة تم إغلاقه، لتعود الهيئة لتطالب بفتح معبر تجاري جديد في بلدة معارة النعسان بريف إدلب.

 هذا المطلب لقي رفضًا واضحًا من الجانب التركي الذي رفع سواتر ترابية على الطريق ومنع فتحه، إلا أن الهيئة أصرت على فتحه بالقوة، وتم لها ذلك حيث دخلت شاحنتان تجاريتان؛ لتتصاعد التظاهرات الرافضة لذلك، وتدور على إثرها مواجهات مباشرة بين المدنيين، وعناصر الهيئة الذين أطلقوا النار الحي والمباشر؛ ما أدى لمقتل شخص وإصابة العديد؛ ما أجبر قيادة الهيئة على الرضوخ وإغلاق المعبر.

يقول «سليم» أحد الإعلاميين في إدلب الذي رفض الكشف عن اسمه الحقيقي لـ«ساسة بوست» أن «هيئة تحرير الشام تحاول المقايضة على إنهاء اعتصام النيرب مقابل السماح بافتتاح معبر تجاري مع النظام في منطقة معارة النعسان بريف إدلب، على الرغم من الرفض الشعبي الكبير لذلك، لعدة أسباب أهمها التخوف أن ينتقل فيروس كورونا إلى إدلب، وأن ذلك سيرفع الأسعار بشكل جنوني، وأيضًا سيكون هذا الأمر دعمًا ماليًا للنظام السوري الذي يتعرض لأزمة اقتصادية خانقة».

ويستغرب سليم إصرار الهيئة على افتتاح المعبر، بالرغم من خلفيتها الإسلامية المتشددة، إلا أنها عند المال تجد المصوغات الشرعية لذلك، حسب تعبيره، معتبرًا ذلك خيانة كبيرة للثورة السورية من وجهة نظره.

لماذا لا تريد تركيا التصعيد ضد الهيئة؟

شاركت هيئة تحرير الشام في العملية العسكرية التركية «درع الربيع» وقاتلت بقوة الى جانب «الجيش الوطني السوري» المدعوم من تركيا والجيش التركي أيضًا، حيث نفذت عمليات انتحارية بعربات مفخخة استهدفت خلالها مواقع عديدة لقوات النظام السوري، على الرغم من أن تركيا تعتبر الهيئة منظمة «إرهابية»، كما أن الهيئة حاربت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» العدو اللدود لتركيا، وكان هناك نوع من التقارب بين الجانبين، إذ خرجت تقارير عديدة تحدثت عن عزم تركيا وأمريكا رفع اسمها من قوائم الإرهاب، وذلك بسبب مساعدتها في عملية اغتيال أبي بكر البغدادي زعيم «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، ولكن يبدو أن هذا التقارب أبعد من أن يطبق في الواقع.

وكان فيديو تحريضي لأحد عناصر «هيئة تحرير الشام»، يتوعد فيها عناصر من القوات التركية بالذبح، في بلدة النيرب بإدلب، قد أثار ردود أفعال غاضبة من الأتراك والسوريين، وهذا الأمر استدعى الرد الرسمي من قبل الهيئة التي حاولت حل الأمر في بيان قالت فيه إنها ترفض هذه الأفعال، وستقوم بالتحقق من الأشخاص الذي ظهروا في الفيديو، والجدير بالذكر أن هذه الحالة ليست فردية، فالهيئة تقوم بتدريس عناصرها أن الجيش التركي «علماني وكافر».

هناك تخوف تركي مسوغ للتريث كثيرًا في مواجهة عسكرية مع هيئة تحرير الشام، هذا التخوف ليس لأن الهيئة قوية، ولكن الصعب هو إنهاء تواجدها بشكل كامل في إدلب، خاصة الخلايا النائمة، والجهاز الأمني التابع لها، هذا الجهاز الذي عملت الهيئة على تدريبه لعمليات التفجير والاغتيالات والاعتقالات.

تواصل «ساسة بوست» مع أحد عناصر هيئة تحرير الشام السابقين والذي انشق عنها عقب محاولة الهيئة افتتاح معبر تجاري مع مناطق النظام السوري. يقول «أبو بكر»: إن «هيئة تحرير الشام عملت طوال السنوات الثلاث الماضية على تعزيز الجانب الأمني لديها بشكل كبير، حتى أنها أهملت الجانب العسكري، حيث إن ما يعرف بالأمنيين يتلقون راتبًا هو ضعف ما يتلقاه المقاتل المرابط على جبهات النظام السوري».

يضيف أبو بكر أن «إنهاء هيئة تحرير الشام بالقوة يعني أن تتحول إلى عصابات تفجير وتفخيخ وقتل في كل مكان، وستمتد يدها حتى إلى الداخل التركي، وهذا ما يخشاه الأتراك كثيرًا ويعملون على احتواء الهيئة قدر المستطاع»، ويؤكد أبو بكر أن «في سجون الهيئة هناك العشرات من عناصر تنظيم «داعش»، ستقوم بالتأكيد بإطلاق سراحهم فورًا بمجرد أن تبدأ أية عملية عسكرية ضدها، وهؤلاء سيكونون قنابل موقوتة».

وفي هذا الموضوع يضيف الإعلامي سليم أن «تركيا تحاول احتواء الهيئة، وعدم تحويلها إلى عدو لها، وتعتمد سياسة الترهيب والترغيب معها»، ويعتبر أن «الذراع الأمني، وأيضًا الاقتصادي، في الهيئة تحاول أن تكسب قدر المستطاع قبل أن توافق على السماح بمرور الدوريات الروسية التركية، وستقبل بذلك في نهاية الأمر».

ويرى سليم أن «إنهاء الهيئة يجب أن يكون بشكل سلمي بحيث يكون هناك إعلان رسمي من قيادتها بحل نفسها بالكامل، وذوبانها ضمن الجيش الوطني السوري، أما الحل العسكري فهو مدمر للمنطقة بشكل كامل، والنظام وروسيا المستفيدين من هذا الأمر».

وفي النهاية هل تركيا هي الحاكم الفعلي لإدلب؟ ربما هي كذلك بسبب القوة العسكرية الكبيرة التي تملكها، بالإضافة للجيش الوطني الموالي لها، ولكنها تحكم أرضية غير ثابتة، وقد تهتز تحتها بعنف، وتحتاج منها الصبر حتى تمسك بزمام أمرها في إدلب، وحتى الآن يبدو أن ذلك ما يزال بعيدًا.

المصادر

تحميل المزيد