من بين كافة قادة المجلس العسكري في السودان، يبرز اسم ياسر العطا، قائد القوات البرية السابق، والعضو الحالي في المجلس، ويتكرر اسمه بين أوساط القوى السياسية، ساعيًا بمفردات بدت في مناسبات سياسية مختلفة عما هو سائد بين أقرانه من القادة، لترتفع حظوظ الرجل، المنتمي لعائلة عسكرية عريقة، إذ ذاع صيت عمه الأكبر الهاشم العطا، الذي أعدمه جعفر النميري، بعد محاولة انقلاب عسكرية فاشلة، مدعومة من «الحزب الشيوعي السوداني».

يحاول التقرير التالي رسم صورة أعم لياسر العطا، الجنرال العسكري الذي سعى البعض لطرحه خليفة محتمل للبشير، وما هي نقاط التفوق للرجل الذي يجيد نسج العلاقات مع الخصوم والحلفاء، حتى بات رقمًا نافذًا في مُعادلة الحُكم.

كيف تسبب فض الاعتصام في خسارة عسكر السودان مظلة حلفائهم الإقليميين؟

الطريق إلى رأس الهرم العسكري

لعائلة عسكرية ينتمي كبار رجالها للجيش السوداني، وتنتسب للطبقة فوق المتوسطة، ولد ياسر عبد الرحمن العطا، كطفل ورث من أعمامه كراهية للتيار الإسلامي، وكاريزما قائد عسكري، جعلت خياره الأول الانتساب للكلية الحربية السودانية في أوائل الثمانينات، ليتم قبوله فيها ويبدأ رحلة الصعود داخل الجيش السوداني حتى أصبح من كبار جنرالاته.

وعلى خلاف عمه، الهاشم الالعطا، الذي ذاع صيته كأحد أشهر جنرالات الجيش، بعدما أعدمه الرئيس جعفر النميري، بعدما دخل في تحالف مع «الحزب الشيوعي السوداني» ونفذ انقلابًا عسكريًا «فاشلًا» على جعفر النميري، استطاع الشاب أن يكسب ثقة النميري، وينسج خيوط الثقة من جديد، دون أن يفقد في الوقت نفسه قنوات الاتصال مع قادة الحزب الشيوعي، بصفته «يساري الهوى، كاره للتيار الإسلامي»، وفقًا لعدة مصادر مطلعة تحدثت مع ساسة بوست.

هذه الثقة الواسعة التي حظي بها جعلت أول مهامه عقب تخرجه، في عام 1984، ضابطًا في وحدة الشرطة العسكرية التي تُتابع موكب الرئيس النميري، آنذاك، قبل أن يتنقل بعد ذلك في وحدات الاستخبارات، ويلعب أدوارًا هامة، ويكسب ثقة قادته بفضل كفاءته العسكرية التي عكست شخصيته المهنية الفذة.

ياسر العطا خلال قيادته معارك حصار المتمردين في الجنوب

حمل العام 1992 تحولًا نوعيًا في صعود ياسر العطا للقيادة العسكرية، بعدما نجح مع الكتيبة التي كان يقودها في تحرير مدينة جوبا، التي حوصرت من جانب جيش «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، ليصعد بعد ذلك في المناسب، ويصير خيارًا مُفضلًا من جانب قادة الجيش لتولي حرب الجنوب التي امتدت لأكثر من ثماني سنوات متواصلة، أجاد فيها إدارة الحرب مثلما أجاد لغات القبائل الجنوبية (الرطانة) بجدارة، كان قائدًا في معارك الميل أربعين وشرق الاستوائية وغرب النوير.

وتصفه صفحة «الحملة القومية لإسقاط نظام الكيزان»، وهي واحدة من أهم الصفحات على موقع «الفيس بوك»، التي أسسها مناهضون لحُكم البشير، بأنه «شخص يساري الهوي، كانت له عداوات دائمة مع الإسلاميين في المؤسسة العسكرية، كادت أن تؤدي به للفصل والإقالة، ولكنهم كانوا على يقين بأنه ليس له نديد في الوقت الحالي لخبرته التي أهلته لقيادة العمليات الحربية في القوات البرية حاليًا».

كانت محطة نيل ياسر العطا الماجستير في العلوم العسكرية بجامعة البكر للدراسات العليا في بغداد عام 1998، محطة مهمة في تحول شهرة الرجل إلى الساحة الدولية، بعدما حظي بصداقة وطيدة مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، فقد التقاه خلال دراسته ثلاث مرات، واعتاد استدعاء اسمه في لقاءاته مع قادة الجيش السوداني.

كما عمل ممثلًا للجيش السوداني في عدة مؤتمرات بالمستشارية العسكرية بجامعة الدول العربية، إلى جانب قيامه بزيارات تنسيقية عسكرية للعديد من الدول مثل مصر والسعودية وروسيا والأردن واليمن.

مع نهاية عام 2014، عاد العطا بعد مهام عسكرية خارج البلاد عمل خلالها ملحقًا عسكريًا لبلاده في دولة جيبوتي، قائدًا عسكريًا بارزًا ومُحاضرًا بكلية الحرب العليا، قبل أن يترقى لقائد عسكري بمنطقة العمليات بجنوب السودان، وينجح في حصار المتمردين، ويصير قائدًا قريبًا من الرئيس السابق عمر البشير، ويحظى بثقته في المهام العسكرية، ويصبح قائدًا لقوات حرس الحدود.

ياسر العطا موضع ثقة البشير والمعارضة معًَا

وقد انعكست هذه الثقة في ترقية ياسر العطا لرتبة فريق في مارس (آذار) 2019، بالتزامن مع اندلاع الاحتجاجات ضد نظام البشير، إلى جانب اختياره نائبًا لرئيس أركان الجيش السوداني. بالتزامن مع هذه الثقة التي حازها من البشير، كان العطا حريصًا، في الوقت ذاته، على بقاء علاقاته مع قادة «الحزب الشيوعي السوداني»، ساعيًا لحجز موقع المُحايد دومًا، والتي جعلته خيارًا مُفضلًا ورقمًا هامًا في معادلة الحكم في مرحلة ما بعد البشير.

كما ساعدت المفردات التي استخدمها العطا بعد سقوط البشير من حيث الظهور في موقع المتودد للثوار، والساعي للحوار معهم، والتظاهر دومًا بالترحيب بمقترحاتهم سواء كانت في الجلسات المُغلقة التي قادها مع قوى الحرية والتغيير في الأيام الأولى بعد سقوط البشير، في تعزيز هذه الصورة لالعطا.

ففور انضمامه عضوًا في المجلس العسكري في أبريل (نيسان)، ظهر في مؤتمر صحفي مُمثلًا عن قادة الجيش، وقال بلغة الواثق من كلامه، «إن المجلس يؤيّد إقامة دولة مدنية قائمة على الحرية والعدالة والديمقراطية».

وقد عبر عن رؤيته في اجتماع لاحق عُقِد مع ممثلين عن القوى السياسية بالخرطوم: «نريد منكم التوافق على شخصية مستقلة لرئاسة الوزراء والتوافق على حكومة مدنية». كما طالب الأحزاب بضرورة تقديم رؤى وأفكار ومبادرات حول شكل الحكومة التي تدير الفترة الانتقالية، وأشار إلى «تكوين لجنة تنسيقية بين الأحزاب والمجلس للإسهام في تحقيق تطلعات ورغبات الشعب السوداني».

كما أعاد استخدام هذه المُفردات في تصريحات لوسائل الإعلام كحديثه الدائم عن أن «المجلس لا يسعى بأي شكل من الأشكال للانفراد بالسلطة وإنما يسعى لإقامة حكم مدني ديمقراطي مستدام ينقل البلاد إلى مربع الاستقرار والسلام».

صلات العطا مع حُكام الدول العربية التي نسجها خلال عمله في البعثات الخارجية، وصورته التي يحاول رسمها عن نفسه بوصفه المتحاور دون شروط مسبقة مع «قوى الحرية والتغيير»، إلى جانب حضوره النافذ باعتباره قائدًا عسكريًا رفيع الشأن تعزز من أهميته كأحد الوجوه التي ترتفع حظوظها لرهان عليها سواء من جانب الجيش أو الدول العربية في خلافة البشير.

من جانبه، يعتقد الباحث السوداني حامد التيجاني أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية في القاهرة، أن «كافة رموز المجلس العسكري على نفس الشاكلة، دون فوارق جوهرية»، موضحًا أن طرق السعي للسلطة هي عامل الاختلاف الوحيد بين كُل شخص وآخر. ويُضيف التيجاني في تصريحات لـ«ساسة بوست» أن «هذا المجلس برموزه لا مستقبل لهم، وأن الخوف الأكبر من أن النظام القديم بالتعاون مع أفراد المجلس يسعون للدفع بمرشح لهم في الانتخابات المُقبلة».

وحول حظوظ ياسر العطا في المرحلة المُقبلة، أجاب التيجاني: «في بداية الأزمة؛ كان يُنظر له بوصفه قائدًا عسكريًا مختلفًا، يتحدث بمفردات مقبولة لـ«قوى الحرية والتغيير»، وتعززت هذه الصورة بصلاته العائلية مع هاشم الالعطا، وعلاقاته مع قادة «الحزب الشيوعي السوداني»، غير أن هذه الصورة تبدلت كثيرًا بعدما انكشف أنه هو والقادة الباقيين ما هم إلا وجوه مُكررة لبعضهم البعض مع اختلافات شكلية، في ضوء موافقته على سياسات المجلس العسكري».

يختتم التيجاني تصريحاته بالتأكيد على أن المجلس العسكري يريد السلطة من أجل حماية إمبراطوريته، ومصالح أعضائه، لكنه يستدرك: «لكنهم لا يدرون كيف يصلون لها حتى الآن».

على خطى السيسي

في فبراير (شباط) 2011، وعلى السلالم المؤدية لإحدى المباني العسكرية، وقف اللواء -آنذاك- عبد الفتاح السيسي رفقة صهره وعضو المجلس العسكري آنذاك، محمود حجازي، يبتسم للكاميرا وسط مجموعة من نشطاء الثورة، يرفع بعضهم علامات النصر كدلالة تعبيرية على مكاسبهم من سلسلة الاجتماعات مع قيادات المجلس العسكري، وعلى رأسهم السيسي، الذي اختير ممثلًا عن المجلس في الحوار مع مختلف القوى الوطنية إبان ثورة يناير.

سعت وسائل الإعلام عبر العديد من كُتاب الرأي لرسم صورة للسيسي، الذي لم يظهر على شاشات التلفاز كحال أقرانه، وصاروا يسردون «انطباعات إيجابية» عن الرجل الذي يسمعهم منهم دون مقاطعتهم، يناقشهم، ويستعرض وجهات نظر تؤيد المسار الثوري، يؤكد أنه يحمل ودًا كبيرًا للثورة التى أنهت سنوات الفساد والتهميش.

انعكست هذه التسريبات على الصورة الذهنية للرجل في الأوساط السياسية والشبابية، ليحظى بقدر كبير من الشعبية والقبول الرسمي، خصوصًا بعدما نقلوا عنه أنه يعتبر سنوات مبارك أحد عوامل رجوع مصر خطوات للوراء، فضلًا عن تأكيده الدائم بأنه مؤيد تمامًا لعدم إقحام المؤسسة العسكرية في السياسة، والتزامًا بدورها المهني لعدم إضعاف جاهزيتها، أو انعكاس ذلك على ضعف دورها.

واحد من هؤلاء الكُتاب الذي لطالما امتدح القدرات الخاصة لأصغر أعضاء المجلس العسكري آنذاك، وحماسه الكبير لقيام ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 هو عبد الله السناوي، صاحب الميول الناصرية، الذي رأى في السيسي ما لم يره في كافة أعضاء المجلس العسكري، من دعم الثورة، وتأييد لمنع تسييس المؤسسة العسكرية، مستطردًا عن ذلك في إحدى مقالاته التي يصف فيها السيسي بأنه «متحدث طلق، تفكيره مرتب، واضح في أفكاره، لديه عمق استراتيجى ظاهر في حديثه عن الإقليم والتحديات فيه، يدرك أن المشكلة الاقتصادية هي الأولى بالرعاية، وأنها المنطقة الرخوة التي تتولد فيها وحولها سلسلة متوقعة من الأزمات».

من هذا أيضًا ما نقله جمال الجمل، الكاتب الصحافي المصري، الذي تلقى مكالمة هاتفية يوم التاسع من سبتمبر (أيلول) عام 2014، من الرئيس السيسي؛ لمناقشة القضايا التي طرحها في مقالاته بجريدة «التحرير». ونقل الجمل عنه أنه لا يضيق من النقد ما دام في حدود المصلحة العامة، ودون الإضرار بالبلد، قبل أن يتم منعه من الكتابة، وتصدر جريدة «المصري اليوم» بيانًا يوضح أن الجمل لم يعد من قائمة كتابها، وسط تسريبات تربط بين هذه الخطوة والقبض على مالكها بسبب كتابات الجمل.

Embed from Getty Images

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

يتشابه المشهد السابق في وسيلة تقديم السيسي للشعب، باعتباره قائدًا عسكريًا داعمًا للثورة ومؤيدًا لها ومُناهضًا للفساد على خلاف أقرانه مع ما يحاول البعض فعله، مع ياسر العطا الذي يستخدمون في سبيل تسويقه وسائل شبيهة، وسط ترجيحات بمضي الأخير على نفس سيناريو السيسي نحو بلوغ السلطة. وهو ما قد يتضح من تساؤل صفحة قدمت نفسها بوصفها مُعارضة لرموز النظام السابق، وهي «الحملة القومية لإسقاط نظام الكيزان»، حيث طرحت سؤالًا «فهل ياتري سيكون الخلاص الكامل على يديه؟ وهل يكون أمينًا على الثورة وتطلعات الشعب؟».

ياسر العطا Vs حميدتي

من بين كافة قادة المجلس العسكري الذين ظهروا على الساحة مؤخرًا، برز حضور قائد قوات «الدعم السريع في السودان (الجنجويد)»، محمد حمدان دقلو، المشهور باسم حميدتي (43 عامًا) في الشهور الأخيرة، بعدما احتل موقعًا متقدمًا في معادلة الحُكم، وتعامل بوصفه خليفة مُحتملًا للبشير، سواء من خلال التنسيق مع قادة الدول العربية، والتي كان أبرزها زيارته للسعودية قبل أسابيع، أو في عقد لقاءات جماهيرية مع قادة القبائل، واستخدام مفردات تؤشر لدور كبير له المُرحلة المُقبلة، ورسم سياسات عامة للبلاد.

من جانبه، يقول خالد عبد الصمد، وهو باحث سوداني متخصص في العلاقات العسكرية المدنية، مُقيم في الخرطوم، أن حميدتي الآن هو الذي يتمتع بثقل عسكري ولن يقبل بأي ترتيب لا يكون هو على رأسه. ولا يرى أنه «كارت محروق» مثله مثل البشير. ويوضح أن ياسر العطا لديه التناغم الخارجي في اللقاءات الجماهيرية مع قطاعات شعبية، لكنه يستدرك: «حميدتي لن يقبل بأي شخصية غيره. المعادلة صعبة وربما تؤدي إلى مواجهة مع الجيش وحميدتي وقواته». ويُرسم صورة أشمل لفكرته: «الجيش مرجل يغلي ضد حميدتي وقواته. والبرهان ليس لديه قبول حتى داخل الجيش نفسه».

لكنه يستدرك، قائلًا :«المشكلة أن المجلس العسكري برمته لا يمثل القوات المسلحة نظرًا لغياب تمثيل رؤساء فروع القوات المسلحة فيه. لا توجد شخصية بإمكان أي شخص الاعتماد عليها داخل المجلس العسكري خصوصًا بعد التصريحات الأخيرة لالعطا واصطفافه مع حميدتي». بينما يرى في ياسر العطا نقاط قوة تتمثل في كونه «غير محسوب على التيار الإسلامي في العمل السياسي»؛ ما ساعده في خلق علاقات جيدة مع «قوى الحرية» قبل فض الاعتصام، وربما ينجح في كسب الدول المناهضة لحُكم أي كيانات داعمة للإسلام السياسي.

ويُضيف أن حميدتي يسعى إلى السلطة هو الآخر؛ ولكن الواقع قد لا يخدمه، حيث ينقصه الحاضنة السياسية والاجتماعية، فضلًا عن أن أعضاء المجلس العسكري من الجيش لن يقبلوا ذلك، لأنه لا يمثل المؤسسة العسكرية. والجيش يعمل حسب الأقدمية والتراتبية. والجميع يعلم أنه قفز بالزانة لرتبة الفريق أول ولم يدخل الكلية الحربية. أضف إلى ذلك حالة العداء الشديد بين قادة فروع أسلحة القوات المسلحة «للدعم السريع». حيث أكد أن حميدتي لا يصلح قائدًا سياسيًا وإنما قائد عسكري ناجح، على حد ما نقل عنه.

ويصف مصدر عسكري مُقرب من الجيش، برتبة متوسطة، في تصريحات خاصة لموقع «ساسة بوست» الوضع بأن العطا معروف على مستوى الجيش السوداني بشكل كبير وممتاز باعتبار انه يصنف لدى المؤسسة العسكرية السودانية على أنه مقاتل شرس ورجل معارك، لذا لم يستطع الإسلاميون الاستغناء عنه، وهو بالضرورة معروف لدى قادة الحركات المسلحة في السودان ويُضيف أنه كذلك معروف لدى النخبة السياسية في الخرطوم وإن كان على نطاق ضيق.

أن تكون فردًا في قوات الدعم السريع.. قصة شاب من ميليشيا «الجنجويد»!

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد