خيوط للحرب يجري غزلها الآن في اليمن، أفقر الدول العربية وآخر الدول المرشحة للفشل في منطقة الشرق الأوسط.

ستتصاعد حدة التوتر في اليمن وصولًا إلى اندلاع حرب مفتوحة في القريب العاجل، خاصة في ظل صراع الهيمنة الإقليمية الذي يجري بين المملكة العربية السعودية وإيران، تلك الدولتان اللتان تعملان على تسليح المجموعات التابعة لكل منهما. وبالرغم مما أحدثه هذا الصراع الإقليمي من تبعات تدميرية في العراق وسوريا، إلا أن تكرار المشهد في اليمن قد يفضي بالبلاد إلى الانزلاق إلى حافة حرب أهلية طائفية.

وكانت الأوضاع في اليمن قد شهدت تحولًا مأساويًا مؤخرًا بالتزامن مع سيطرة الحوثيين، وهي ميليشيات شيعية زيدية مدعومة من إيران، على العاصمة اليمنية صنعاء بمساعدة من بعض القبائل الأخرى في الشمال، وهو ما اضطر معه الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، الذي أعلن استقالته بضغط من الحوثيين؛ أن يتوجه إلى عدن ومحاولته تشكيل حكومة جديدة في المنفى داخل اليمن نفسها.

صعود الحوثيين في اليمن كان له أصداءٌ مسموعة في الرياض، خاصة وأن السعودية تنظر إلى تلك المليشيات باعتبارها وكيلًا لإيران التي تتنافس للسيطرة على الأوضاع في اليمن المجاور للمملكة. الدعم السعودي للرئيس هادي عبَّر عنه أحد مساعديه بقوله أن السفير السعودي في اليمن يباشر مهام عمله من عدن، مقر إقامة الرئيس الحالي، حسبما أفادت «رويترز» مؤخرًا.

لم يقتصر الدعم الخليجي لهادي على السعودية وحسب، بل إن السفير الإماراتي حذا حذو نظيره السعودي وانتقل إلى عدن. وحتى في حال ما إذا كانت الدول الخليجية لا تبدي ثقة كبيرة في الرئيس اليمني الذي سلم العاصمة اليمنية للحوثيين من دون أي قتال يذكر، إلا أن الدعم المالي والعسكري الخليجي للرئيس سيستمر طالما يبدي جدية في مواجهة الحوثيين. وسيشمل هذا الدعم القبائل الداعمة لهادي والانفصاليين وحتى المتشددين الإسلاميين.

على الجانب الآخر، يدرك الحوثيون طبيعة الصراع، معلنين استعدادهم للمواجهة. استعداد أكده عبد الملك الحوثي، زعيم التنظيم، في خطاب ألقاه نهاية شهر فبراير الماضي شن فيه هجومًا عنيفًا على السعودية والولايات المتحدة، متهمًا إياهم بالتواطؤ لتحويل اليمن إلى نظام للدمى.

اتهامات الحوثيين لمنافسيهم في اليمن ووصفهم بأنهم دمى في يد الأنظمة الخارجية قد لا يألفه البعض، خاصة وأن مواجهة هؤلاء الخصوم تتطلب دعمًا لا متناهٍ من قبل إيران للحوثيين أنفسهم.

وقد بدت ملامح ذلك الدعم الإيراني للحوثيين في إعلان الحكومة في طهران تسيير رحلتين إلى صنعاء يوميًا في محاولة لضخ مزيد من الدماء في شريان التنظيم الموالي لهم.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تساهم فيها السعودية والولايات المتحدة في تعزيز العلاقات الحوثية الإيرانية من غير قصد. فكلا الطرفين كانا قد دعما الحملة العنيفة التي قادها الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح ضد الحوثيين، وتحولت الحركة فيما بعد من مجرد حركة للصحوة الدينية إلى ميليشيا قوية.

كما أن الولايات المتحدة واصلت دعمها العسكري والتقني لمحاربة تنظيم القاعدة رغم وجود أدلة على أن ذلك الدعم يجري استغلاله من قبل الرئيس السابق في حربه مع الحوثيين.

في ذات السياق، لدول الخليج، كما هو الحال مع الولايات المتحدة، تاريخ ممتد من التدخلات في الشأن اليمني. فالسعودية لطالما دعمت مختلف الفصائل في الداخل اليمني. وهو الأمر الذي لا يختلف بالنسبة للولايات المتحدة التي دفعتها لعبة المصالح الأمنية إلى مساندة علي عبد الله صالح في العقد الأخير من فترة حكمه قبل أن تتراجع عن ذلك الدعم بالتزامن مع ثورات الربيع العربي التي اندلعت في عام 2011 للإطاحة برئيس يمني مستبد.

ثمة مخاوف متصاعدة من أن دروس الماضي التي جرت حلقاتها في ليبيا والعراق وسوريا لم يتم التعلم منها بعد. فالدول الخليجية وإيران ربما يبدون سعادة تجاه تحول اليمن إلى ساحة للقتال بالوكالة بغض النظر عما ستؤول إليه الأوضاع.

ناهيك عن الدعم المحتمل الذي ستقدمه الولايات المتحدة والقوى الغربية لدول الخليج إذا ما جنحت هذه الدول نحو الحرب. وفي حال اندلعت بالفعل حربٌ طائفية في اليمن، فلن يكون ذلك نتيجة للانقسامات التاريخية بالدرجة الأولى، وإنما كرد فعل للتمويل والدعم الأجنبي الذي تقدمه القوى الخارجية لفصائل يمنية هي مختلفة بالأساس، وهو ما يساهم في تغذية الانقسامات الطائفية وتأجيجها.

بات من السهل أن ترى دولة كاليمن منقسمة على أساس من الأطر الأيديولوجية، سواء كانت هذه الانقسامات بين السنة والشيعة، أو بين الانفصاليين ودعاة الوحدة أو حتى بين الديمقراطيين والمستبدين.

غير أن ذلك قد يبدو صراعًا وانقسامًا شكليًا. فالصراع الحقيقي في اليمن هو صراع مدفوع بالنزاعات الداخلية حول الموارد بدرجة أكبر من كونه نزاعًا إقليميًا أو حتى أيديولوجيًا. وإن كان ذلك لا يحول دون التأكيد على أن النزاعات الإقليمية والأيديولوجية تفاقم من تلك التوترات التي تشهدها البلاد.

عادة ما يستغل اليمنيون، الذين هم براجماتيون بدرجة أكبر من كونهم أيديولوجيين؛ الأجندات الخارجية لخدمة مصالحهم الخاصة. فهادي وقبل سيطرة الحوثيين على صنعاء لم يفعل شيئًا يمكن ذكره لوقف تقدم الحوثيين. ورغم ذلك لم يمنعه موقفه المتخاذل في الدفاع عن صنعاء من استغلال المخاوف السعودية إزاء الحوثيين لتأمين عدة مليارات من الدولارات. على الجانب الآخر، لم تعتمد ميليشيا الحوثيين على الدعم الإيراني إلا لعلمها بأنه الطرف الوحيد الذي سيدعمهم.

وإذا كان اليمنيون يفخرون دائمًا بثقافة التعايش التي يحيون في ظلها منذ فترات بعيدة وحتى بداية الألفية. تلك الثقافة التي كانت تقود الحياة اليومية بالبلاد حتى أن الرجل كان ليذهب إلى الصلاة دون التفكير في طبيعة المسجد الذي سيؤدي فيه الصلاة. كان المسجد مسجدًا والإسلام إسلامًا كما يقول أحد السائقين اليمنيين.

ذكريات ستتلاشى من الأذهان إذا سلكت البلاد نفق الحرب. فما لم ينجح في العراق وليبيا وحتى سوريا لن ينجح في اليمن. ورغم ذلك، لا يبدو أن الأطراف الخارجية الفاعلة في المشهد اليمني ستتخلى عن نهجها الذي تتبناه سواء كان ذلك النهج سعوديًا أو روسيًا أو إيرانيًا أو حتى أمريكيًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد