أحيانًا ستلاحظ عناوين مثيرة للاهتمام في وسائل الإعلام تخبرك أن الدراسات العلمية تقول مثل هذه الرسائل المخيفة: «دراسة حديثة: فقطنصفأصدقائكيحبوك فعلًا»، مثل هذه العناوين ستصنع لك الكثير من الفجوات والثقوب في شبكتك الاجتماعية. فهل مثل هذه العناوين صحيحة؟

أحيانًا ستلاحظ عناوين مثيرة للاهتمام في وسائل الإعلام، تخبرك أن الدراسات العلمية، تبث رسائل مخفية، مثل «دراسة حديثة: فقط نصف أصدقاؤك يُحبونك فعلًا». مثل هذه العناوين ستصنع لك الكثير من الفجوات والثقوب في شبكتك الاجتماعية، فهل مثل هذه العناوين صحيحة؟

الصداقة هامة لصحتنا

تساهم الصداقات بشكل كبير في طبيعة صحتنا العقلية والجسدية، وغياب الأصدقاء يرافقه دائمًا نقص في السعادة والرفاهية الخاصة بنا. وإذا كانت الصداقة بمثل هذه الأهمية، فهل صحيح أن نصف أصدقائك فقط هم الذين يُحبونك؟

هذا ما كشفت عن دراسة نُشرت في مجلة «بلوس وان»، تُسلط الضوء على الفروق الدقيقة في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الصداقة نفسها، فوفقًا للدراسة، فإن التعلق بشخص ما وحبك له، ليس سببًا كي تعتبره صديقًا لك؛ إذ إننا أحيانًا ما نُفكّر في أصدقاء لا نُحبهم كثيرًا!

لم تهدف الدراسة إلى معرفة ما إذا كان الأصدقاء يحب كل منهما الآخر. فبدلًا من ذلك، وضع الباحثون نظامًا يهدف لاستكشاف كيف تصبح الصداقة مهمة بصورة تبادلية، عندما يتعلق الأمر بالتداخلات الاجتماعية الأوسع نطاقًا، مثل مساهمة الصداقة في تمكين شخص ما من الإقلاع عن التدخين.

تناول البحث سؤاليْن، أولهما عن نسبة الصداقات التي نطلق عليها صفة التبادلية أو العكسية، أي «كم من الناس تعتبرهم أصدقاءك، فيما لا يعتبرونك هم كذلك؟» أما السؤال الثاني الذي تناقشه الدراسة، فهو إلى أية درجة تكون فكرة التبادلية في الصداقات أمرًا هامًا، وذا قيمة، عندما يتعلق الأمر بكيفية تأثير الأصدقاء على بعضهم البعض؟

هل تعتبر صديقتك، أنك صديقة لها أيضًا؟

السؤال الأول

وللإجابة على السؤال الأول، طلب الباحثون من كل طالب من بين 84 طالبًا في منطقة الشرق الأوسط، في كلية إدارة الأعمال بإحدى الجامعات؛ تقييم باقي الطلاب الـ83، على مقياس من صفر إلى خمسة، بحيث مثّل الصفر إجابة «أنا لا أعرف هذا الشخص»، وخمسة «هو واحد من أعز أصدقائي». كذلك طُلب من الطلاب، أن يُشيروا إلى توقعاتهم بالدرجة التي سيمنحها لهم كل طالب من الطلبة الـ83 الآخرين.

وتتمثل فوائد هذه الطريقة في أن الباحثين، تمكنوا من الوصول إلى كامل البيانات المشتركة والتفاعلية في شبكة مغلقة. وقد مكن هذا الأمر من إنشاء عملية تحليل اجتماعي إحصائي متطور، والتي لا يمكن توفرها من خلال النظر في مجتمع مفتوح؛ حيث لا يمكن الوصول لكل أفراده أو تحديدهم.

وقام العلماء بعملية ترميز للنتائج بحيث اعتبرت درجة اثنين فما فوق، صداقة. وكانت النتائج التي توصل لها العلماء مذهلة؛ فمن بين 6972 تقييم لجميع الطلبة الـ84 في هذا الصف الدراسي، اعتبرت فقط 1353 من هذه التقييمات صكًا بالصداقات. ولنكون أكثر توضيحًا، فإن هذه النتائج تعني أن هناك 1353 عملية تقييم لنا يعتبر أنه صداقة. وأظهرت النتائج أيضًا أنه في 94% من هذه التقييمات الـ1353، فإن الطلبة توقعوا بأن الشعور بالصداقة هذا هو شعور متبادل. فالشخص الذي أعطى تقييمًا من درجتين فما فوق لشخص ما، توقع أيضًا أن يكون هذا الصديق يعتبره هو صديقًا له.

إذا كان الأمر كذلك، فإن هذا يعني أن «محمدًا» صنف «عليًا» كصديق له،وتوقع «محمد» بالتالي أن «عليًا» سيعطيه تقييمًا يدل على أن «عليًا» يعتبر «محمدًا» صديقًا له أيضًا.

لكن النتائج للأسف لم تعط هذه النسبة الكبيرة، كما كان هؤلاء الطلبة يتوقعون، فهذا الأمر تحقق بالفعل في 53% فقط من الحالات؛ وهو ما يعني أن أقل من نصف الطلاب الذين اعتقدوا بأن الآخرين اعتبروا أن أصدقائهم يبادلونهم الشعور بالصداقة ذاته، كانوا في الحقيقة خاطئين.

من هذه البيانات يبدو لنا أنه، في الشبكات الاجتماعية، هناك اتفاق مشارك منخفض على فكرة ما تعتبره أصدقاء لك بالفعل. وأظهر واضعو هذه الدراسة سببًا واحدًا لهذا الأمر «نحن نحمل نظرة متفائلة للصداقات مع أشخاص ذوي مكانة اجتماعية أعلى». وهذا يعني، أننا نربط صداقتنا مع الناس الذين لديهم نفوذ اجتماعي أكثر منا، على أمل منا – لكنه أمل يبدو ساذجًا – أن هؤلاء الأصدقاء سوف يبادلوننا نفس الأمر.

ولأن الباحثين في هذا المسح التبادلي لا يمكنهم التحدث مباشرة إلى المشاركين حول هذا الاحتمال، فإن استنتاجهم لا يزال في حاجة لمزيد من البحث في المستقبل لاختباره.

ومن المهم أيضًا هنا أن نسأل ما إذا كنا نستطيع استقراء البشرية كلها على أساس 84 طالبًا في أحد الفصول الدراسية الجامعية. يبدو بشكل واضح أن حجم العينة التي طبقت عليه الدراسة هو صغير نسبيًا. أضف إلى هذا القيود الثقافية للعينة المختارة، والقيود العلمية التي تجعل من الصعب تعميمها على جميع البشر.

شيء آخر علينا أن نأخذه في الاعتبار، وهو ما يتعلق بأسلوب تسجيل النتائج؛ فقد اعتمد الباحثون أن الصداقة هي عبارة عن درجة من اثنين أو أكثر على مقياس من خمس نقاط، وهو أسلوب غير موضوعي. يمكن للمرء أن يتساءل عما إذا كان يجب علينا أن نعامل الصداقات بشكل قاطع، أو ما إذا كان هناك نهج صالح بشكل أكبر لقياس الصداقة بكل تعقيداتها.

هل يُمكن أن يحيا الإنسان دون أصدقاء؟

السؤال الثاني

وفيما يخص السؤال الثاني، أنشأ الباحثون ناديًا صغيرًا للياقة البدنية،على عينة أخرى من المشاركين الذين يعيشون في مجمع سكني واحد، وطبقوا عليهم نفس نظام تقييم الصداقات التبادلي.

وثبت الباحثون على الهواتف النقالة لهذه العينة من المشاركين برنامجًا يمكنه تتبع النشاط البدني، وتخصيص مكافآت مالية للتقدم في لياقتهم البدنية. ويتكون البرنامج من نسختين، توضع الأولى في هاتف أحد الأشخاص، وتوضع الثانية في هاتف شخص آخر يكون بمثابة قرين له، بحيث يستطيع كل منهما رؤية مدى تقدم الآخر، وربما يكافأ لتقدم الآخر.

ويعتبر السؤال الحاسم للسؤال الخاص بالدراسة كلها متعلقًا بتحليل التغيرات في اللياقة البدنية للمشاركين بوصفها وظيفة من وظائف الصداقة الحقة التي تشمل تشجيع كل طرف للآخر على التقدم.

ومرة أخرى، أعطى أسلوب أخذ العينات من مجمع سكني واحد للباحثين إمكانية الوصول إلى البيانات الكاملة من شبكة اجتماعية مغلقة، مما يتيح تحليلًا دقيقًا للديناميكية الاجتماعية بين الأفراد. ولكن، مرة أخرى أيضًا، فقد كانت العينة المشاركة صغيرة نسبيًا؛ مما لا يسمح بتعميمها على جميع البشر.

سيكون من المنطقي أن نفكرأن الأصدقاء الذين نتفق على أنهم أصدقاء (أصدقاء متبادلون) سيؤثرون على بعضهم البعض بطريقة إيجابية. وقد أكدت النتائج هذا بالفعل؛ فعندما كان رفاق اللياقة البدنية هم بالفعل أصدقاء متبادلون (كل منهما يعتبر الآخر صديقًا له)، ساعدهم ذلك على سهولة تحقيق نتائج إيجابية في صورة مزيد من النشاط.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد