داعش

يتنقل الاهتمام العالمي والإقليمي بين ما يجري في سوريا التي دمرتها الحرب وبين العراق المحاصر، فنظام بشار الأسد يحقق مكاسب سريعة على عدد من الجبهات. وجد نظام الأسد في تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) المتشدد حليفا – التنظيم الذي سيطر على جزء كبير من غرب العراق بالاشتراك مع مسلحين من العشائر السنية – وقد أعلن التنظيم قيام خلافة إسلامية تمتد من الموصل – ثاني أكبر المدن العراقية – إلى دير الزور الواقعة شرق سوريا، وهي منطقة تمتد على مساحة آلاف من الكيلومترات المربعة.

لقد تسبب صعود داعش كأحد الميليشيات الرئيسية المقاتلة في سوريا إلى إخراج الانتفاضة السورية عن مسارها. فبدلاً من قتال نظام الأسد، قام التنظيم – الذي يتشكل معظمه من المقاتلين الأجانب ويتبع عقيدة السلفية الجهادية الصارمة – بقتال المجموعات المتمردة الأخرى على الأراضي المحررة، وبالأخص في شمال وشرق سوريا. ومنذ انفصاله عن تنظيم القاعدة في أوائل العام الحالي، أقدم تنظيم داعش على نشر الرعب في المناطق التي يسيطر عليها عن طريق تطبيقة شريعة صارمة، بما في ذلك صلب المعارضين وقطع رؤوسهم ووصفهم بالمرتدين. كما أعلن التنظيم الحرب على الشيعة والعلويين في خضم مسعاه نحو إقامة الدولة الإسلامية في العراق والشام.

يتهم الجيش السوري الحر ومجموعات متمردة أخرى تنظيم داعش بالتواطؤ مع نظام الأسد. فهم يصرون على أن المناطق الواقعة تحت سيطرة التنظيم باتت ممرات آمنة لعمليات القصف الجوي. وفي الشهور الأخيرة، طرد تنظيم داعش الجيش السوري الحر – المتحالف مع جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة – ومجموعات أخرى من مناطق استراتيجية في شرق سوريا، مما سمح لمقاتليه بالتواصل مع رفاقهم في العراق خاصة في محافظة الأنبار. وقد أجبر ذلك الجيش السوري الحر والمجموعات الأخرى إلى تحويل اهتمامهم نحو مقاتلي داعش، مما خفف الضغط على قوات نظام الأسد. وقد مثل ذلك نقطة تحول رئيسية في مسار الحرب الأهلية السورية. فقد سمح ذلك للنظام بإعادة تجميع نفسه ومباغتة المتمردين في المناطق الاستراتيجية. وبسبب نقص الإمدادات والسلاح، أجبر المتمردون على التخلي عن حمص في مايو الماضي وباتوا الآن على شفا فقدان حلب، أكبر المدن السورية.

لم تدرك واشنطن في الوقت المناسب التهديد المتزايد الذي يمثله تنظيم داعش. فلم يتنبأ أحد بسيطرته المفاجئة على ثلاث محافظات على الأقل شمال العراق. وعندما أقرت الإدارة الأمريكية والغرب بأن داعش تمثل تهديدا إقليميًا ودوليًا، تباطأوا في إمداد الجيش السوري الحر بالأسلحة المناسبة لمواجهة التهديد الجديد. وقد عزز ذلك فقط من فرص نظام الأسد لسحق المتمردين وطردهم من المدن الرئيسية. وقد حذر التحالف الوطني السوري – الذي فقد الكثير من مصداقيته بسبب الانقسامات التي يشهدها والتدخلات الأجنبية – من أن سقوط حلب سيعرض الثورة السورية للخطر. وقد همش صعود داعش دور داعمين أقوياء للمتمردين مثل تركيا والدول الخليجية.

الافتقار إلى الدعم الخارجي

يركز نظام الأسد جهوده حاليًا على سحق المتمردين السوريين وطردهم من المدن والبلدات السورية الرئيسية. وحال استعادته مدينة حلب، سيوجه اهتمامه صوب درعا في الجنوب وسيشن هجومًا أخيرًا على مواقع الجيش السوري الحر جنوب دمشق. ومع تركيز العالم اهتمامه على العراق وغياب حل سياسي، تواجه الانتفاضة السورية تحديًا وجوديًا. فقد تصبح خطة قيام الغرب بتسليح الجيش السوري الحر حتى يتمكن من الصمود في وجه داعش غير ذات فائدة حال سقوط حلب.

في هذه الأثناء، سيكون للأحداث في العراق تأثير عميق على مستقبل سوريا. فقد يصطدم المسلحون السنة هناك مع داعش قريبًا، مما قد يشعل حربًا أهلية طويلة ووحشية بين الحلفاء الحاليين. وبمجرد استعادة قوات الأسد المناطق الرئيسية من أيدي الجيش السوري الحر وباقي مجموعات المعارضة، فستواجه قواته داعش في نهاية المطاف.

إن انعكاس عجلة الحظ الخاصة بنظام الأسد في مسعاه لسحق الانتفاضة السورية قد لا يدوم طويلا. فقد ينتصر في حربه على المتمردين، لكن حربه ضد تنظيم داعش ليست مضمونة النتائج.


عرض التعليقات
تحميل المزيد