على غير ما هو معتاد من التنظيمات والجماعات الجهادية، نشر تنظيم طالبان في أفغانستان مؤخرًا وللمرة الأولى قصة حياة زعيم التنظيم الملا عمر، الذي كان قد تولى استضافة وحماية أسامة بن لادن قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

يأتي ذلك خلافًا لما عهدناه مع الملا عمر الذي ظل لسنوات عدة تحيط به هالة من السرية والغموض، بل إنه كان معروفًا لدى فئة قليلة من الناس. لم تكن صورته لتُنشر من قبل، كما هو الحال مع أسلوب حياته ومكان وجوده.

نشر قصة زعيم طالبان وما يرتبط بها من تعاليمه ومآثره ضد «العدو الأمريكي» يعتبر حدثًا استثنائيًا يثير الكثير من الاهتمام، ولا سيما فيما يتعلق بتوقيت النشر.

وفقًا لعدد من النقاد الأفغان والباكستانيين المختصين بشؤون الحركات الإسلامية في أفغانستان وباكستان، فإن إماطة اللثام عن قصة الزعيم الغامض تعود إلى الانشقاق المتزايد في صفوف طالبان، والذي طال عددًا من قادة طالبان الذين وجدوا في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجهة جاذبة.

انشقاقات يعزوها البعض إلى شعور عديد من القادة بأن زعيم طالبان لم يعد بإمكانه القيام بالمهمة الرئيسية للتنظيم، خاصة مع ضعف مصادر التمويل التي تتمتع بها طالبان.

وفي الوقت الذي أبدت فيه قطاعات عديدة داخل طالبان معارضتها لمحاولات المصالحة مع الحكومة الأفغانية مدفوعين بالقلق من أن تفضي هذه المصالحة، المشكوك في نجاحها، إلى عزلة التنظيم عن قواعده، وجد الملا عمر نفسه مطالبًا بالظهور في الأماكن العامة، وتقديم نفسه على أنه الزعيم الأوحد في نظر طالبان.

وليس ذلك فحسب، فزعيم القاعدة في أفغانستان يسعى جاهدًا من خلال الظهور العلني لوقف تدفق المزيد من الفارين إلى «ولاية خراسان»، التنظيم التابع لداعش، والذي يقدم نفسه باعتباره الممثل الوحيد للتنظيمات الإسلامية في أفغانستان وباكستان وإيران والهند.

في الطرف الآخر من الشرق الأوسط، كانت هناك تقارير حديثة بأن زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري يدرس تنحيه عن زعامة التنظيم. بحسب تلك التقارير، فإن الظواهري أحّل الكيانات التابعة للقاعدة من بيعتها وتعهداتها بالولاء للتنظيم، داعيًا إياهم إلى الانضمام إلى تنظيمات إسلامية أخرى، بما في ذلك تنظيم «الدولة الإسلامية»، ومواصلة العمل داخلها.

اعتمدت هذه التقارير على تصريحات كان قد أدلى بها أيمن الدين العضو السابق في تنظيم القاعدة لصحيفة الحياة اللندنية، والذي غادر التنظيم في تسعينات القرن الماضي، ولكنه لا يزال يحتفظ بعلاقات وثيقة مع الجماعات والتظيمات الإسلامية.

بحسب تصريحات أيمن الدين، فإن الظواهري لم يعد بامكانه أن يناجز داعش، وذلك على الرغم من نجاحه في إنشاء ثلاثة كيانات جديدة تابعة للقاعدة في الصومال (تنظيم الشباب) وفي سيناء بمصر وفي الهند.

الصراعات الداخلية داخل هذه الكيانات، بما في ذلك التنظيم الأكثر أهمية في اليمن، ونعني به تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذي انضم بعض عناصره إلى «داعش»؛ حوَّلت تنظيم القاعدة إلى تنظيم ثانوي وهامشي.

ولا يختلف الأمر في سوريا التي يتمركز بها تنظيم جبهة النصرة التابع لتنظيم القاعدة بقيادة أبي محمد الجولاني. وكان تنظيم جبهة النصرة ارتبط بتنظيم القاعدة في مرحلة متأخرة من الحرب الأهلية في سوريا، وذلك في أعقاب اشتباك مرير بين الجولاني وزعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبي بكر البغدادي الذي كان زعيمًا لتنظيم دولة العراق الإسلامية – فرع تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين – قبل وصوله إلى سوريا.

ومع ذلك، يبدو أن قيادة جبهة النصرة تواجه أيضًا معضلة خطيرة، خاصة وأن قطر، التي كانت قد مولت النصرة لسنوات؛ باتت تطالب التنظيم بالنأي بعيدًا عن تنظيم القاعدة، وبالانضمام إلى ما يوصف بالجماعات «المعتدلة».

تسعى قطر من وراء ذلك إلى حذف التنظيم من قائمة المنظمات الإرهابية التي أعدتها الإدارة الأمريكية، وهو ما من شأنه السماح للدوحة بمواصلة تقديم الدعم لجبهة النصرة من دون أن يسبب ذلك حرجًا، وهو ما يعني أن تنضوي جبهة النصرة تحت لواء التنظيمات التي تحارب داعش والرئيس السوري بشار الأسد.

ورغم ذلك، لا يبدو أن جبهة النصرة، التي تسيطر على عدة مناطق إستراتيجية مثل أجزاء من مدينة إدلب السورية، وأجزاء من مرتفعات الجولان ومنطقة درعا، قد حسمت أمرها بعد حيال ذلك الخيار. فالتنظيم لا يرى أي ميزة في الانفصال عن تنظيم القاعدة، تلك الخطوة التي ستدفعه إلى القتال بجانب تنظيمات أخرى تختلف عنه أيديولوجيًا، وربما يجد نفسه مضطرًا لتقاسم السيطرة على المناطق التي يحوزها بالفعل ويجني منها مكاسب مالية.

من ناحية أخرى، فإن رفض المطالب القطرية تعتريه مخاطر بفقدان الدعم المالي الذي يتمتع به التنظيم، ناهيك عن مخاطر أخرى تتعلق بحرية الحركة بالنسبة لعناصره من وإلى تركيا في حال أقنعت قطر الجانب التركي بممارسة ضغوط على جبهة النصرة.

تعكس تلك الحسابات أن ولاء النصرة لتنظيم القاعدة من عدمه لا يعتمد على أسس أيديولوجية وإنما على اعتبارات براغماتية تتعلق ببقاء التنظيم ذاته الذي قد يلجأ إلى خيارات بديلة.

من بين تلك الخيارات أن يقوم بتأسيس جبهة جديدة باسم مختلف حتى يتمكن من مغادرة قائمة التنظيمات الإرهابية من جهة، والحفاظ على الدعم المالي الذي يتلقاه من جانب آخر. ومع ذلك، فإن مثل هذه الخطوة قد يتبعها مزيد من تفتيت التنظيم، وبالتالي ضعف قدراته العسكرية التى تتيح له مساومة الجانب القطري.

كان تنظيم جبهة النصرة تلقى ضربة أخرى موجعة في الفترة الأخيرة حينما خسر معركة مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في جنوب دمشق. جاءت تلك الضربة من قبل تنظيم أكناف بيت المقدس التابع لحماس، والذي يعد أحد أهم التنظيمات المسلحة بالمخيم. وفقًا لبعض التقارير، فقد قدمت جبهة النصرة دعمًا لمقاتلي تنظيم داعش المعادي لأكناف بيت المقدس.

ثمة شكوك فيما إذا كانت التحركات الأخيرة بدعم داعش من قبل تنظيم جبهة النصرة، الفرع السوري لتنظيم القاعدة، قد تمت بتنسيق مع الظواهري الذي يختلف أيديولوجيًا مع داعش. تحركات تعكس أنماطًا جديدة من التحالفات غير المنطقية في كثير من الأحيان بين التنظيمات المختلفة.

من جانبها، تبدو «داعش» بحاجة إلى مزيد من الولاءات حتى تقدم نفسها على أنها أكبر وأقوى التنظيمات الجهادية جنبًا إلى جنب مع تنحية تنظيم القاعدة المنافس، إن لم يكُن القضاء عليه تمامًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد