نشر موقع مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي مقالًا افتتاحيًا نقلا عن موقع thehill.com كتبته راشيل كلاينفيلد. تقول كلاينفيلد أن الإيبولا وتنظيم الدولة الإسلامية هما وجهان لعملة واحدة، وأن الأسباب التي أدت لظهورهما واحدة. فتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المعروف بـ “داعش” يعصف ببلاد الشام، بينما وباء الإيبولا يثير الرعب في دول غرب أفريقيا. وبخلاف الخوف الذي يولده كليهما، يبدو أن هناك رابطًا ما غير ظاهر بين احتدام حركات التمرد على الحكومات من ناحية وانتشار الأمراض المعدية من ناحية أخرى؛ لكن كالعادة فإن المظاهر خادعة. في الواقع إن الإيبولا وداعش لهما نفس السبب الجذري ألا وهو الحكومات الفاشلة.

داعش

وتحاول كلاينفيلد التعرض لكل منهم على حدى، فتتناول بدايةً تنظيم الدولة الإسلامية وتقول “أن حركات التمرد والاحتجاجات لا تظهر من العدم”، ففي العراق  فشلت حكومة نوري المالكي – رئيس الوزراء العراقي الأسبق – في الحفاظ على تعهداتها بعد العديد من المفاوضات بإدماج السنة – الذين قاتلوا ضد زملائهم فيما عرف بالصحوات – في الجيش العراقي النظامي، واستعرضت بعض ممارسات المالكي التي أدت إلى فساد الجيش، فتقول أنه عمد إلى منح مناصب الجيش لأصدقائه وأعوانه الشيعة، سامحًا بتفشي الفساد في المؤسسة العسكرية من الداخل. فيما تبدل حال السُنّة، فبعد أن كانوا في السلطة مسيطرين على كل شئ، أصبح دورهم فقط مراقبة تدهور حالهم من ضعف مكانتهم والحط من كرامتهم، ولا سيما تجريدهم من أي علاقة ببناء الدولة الاصطناعي. فكان من الطبيعي حتمًا أن تكون الخطوة القادمة في ظل وضع مثل ذلك هي ظهور حركات التمرد والتعصب وتصنيف الناس “من ليس معنا فهو ضدنا”.

  بعبارة أخرى، ترى كلاينفيلد أن ظهور داعش كان حتميًا لا مفر منه، فهو تنظيم وُلِدَ نتيجةً لاوضاعِ بعينها، كتسييس الجيش على يد أحد قادته، والذي لم يكن يهدف لبناء دولة تخدم جميع مواطنيها، بل سعى لبناء نظام يخدم فئة بعينها موالٍ له ويدين له بالولاء الشخصي.

الإيبولا

 ثم انتقلت لتتناول الإيبولا، وترى الكاتبة أنها تمثل تحديًا مماثلا كالذي تفرضه داعش. فالآن العالم يتعامل مع الإيبولا كما يجب باعتبارها حالة طبية طارئة. وبالتالي فمن الطبيعي والمعقول جدًا أن يتمثل الحل في توفيرأطباء أكثر ومستشفيات وبزات طبية واقيه وأدوية. لكن السؤال هنا هو لماذا انتشار الإيبولا هذه المرة خطير ووخيم العواقب عن المرات السابقة؟ تقول كلاينفيلد أن السبب يرجع لانعدام ثقة الشعوب في حكوماتها في بلاد غرب أفريقيا – غينيا وسيراليون  وليبريا – فعلى سبيل المثال  اشتبك الأهالي مع الطاقم الطبي الحكومي وقاوموه عندما حاول دخول إحدى القرى، بل وقاموا باخفاء المرضى عنه، فهم يتصرفون كما لو أن الحكومة والمرض متساويان من حيث الخطر. وحقيقةً قد يكون معهم بعض الحق في ذلك.

دور الغرب في الأزمتين

روج الغرب أن ليبيريا وسيراليون يمثلان قصتي نجاح، فكلاهما استطاع أن ينهض مجددًا، ويعيد بناء بلاده بعد حروبٍ أهليةٍ مدمرة؛ وبالأخص ليبريا، حيث أمطرها البنك الدولي بالمساعدات، وتلقت أموالًا من متبرعين آخرين، وذلك بفضل رئيستها ألين جونسون سيرليف التي تعتبر محل ثقة على نطاق واسع في الغرب. ولكن تحت كل تلك المظاهر تكمن الحقيقة المفجعة. حيث يكمن جهاز فاسد من المحاباة والمحسوبية التي انتشرت بدورها في كل قطاعات الخدمات العامة، وأدت إلى العجز الحكومي العام. السكان المحليون في القرى النائية يشهدون كل ذلك الفساد، حتى لو كان المتبرعون الغربيون – أمثال مبادرة كلينتون العالمية والمانحون في دافوس – لا يرونه. وهنا – وفقا للكاتبة – يكمن سبب عدم ثقة الناس في حكوماتهم، والتي يمكن قياسها الآن بمقدار تفشي المرض.

 أما بالنسبة لتنظيم داعش ودور الغرب في نشأته، تقول كلاينفيلد أن الغرب اعتقد أن بإمكانه شراء جيش عراقي فعال وتوجيهه. فتدفقت مليارات الدولارات وأرواح القوات العسكرية من أجل تدريب وتوجيه القوات العراقية وتوفير المعدات  لها، فتكون على نفس مستوى كفاءة الجيوش الغربية. لكن في ظل تهميش قادة البلاد والتغرير بفصيل كامل من الشعب، فإن كثرة المعدات والتدريبات القتالية التي تضمن بناء جيش قوى لن تفلح. فربما يكون الأفراد مدربون جيدًا، لكن المؤسسة نفسها فاسدة.

و تعرب كلاينفيلد عن أملها في أن تنجح الجهود العسكرية والمساعدات التي توجه لوقف الإيبولا وداعش في تحقيق هدفها. لكن لوقف ذلك النزيف على الفور، علينا معالجة الجراح الأساسية في العمق. فطالما كان الغرب هو مصدر الدعم المالي والرعاية للأنظمة الحاكمة الفاسدة، لن تسعى تلك الحكومات لتطوير بلادها، فهي باتت في غنى عن العمل لصالح مواطنيها  وبدلًا من ذلك يمكنها الاعتماد على مساعدات الغرب، وإلقاء بعض الخطب في المحافل الدولية، وإعداد وثائق برامج مقبولة دوليًا، بينما تتجاهل كليةً العمل الشاق الحقيقي الذي تحتاجه بلادهم كتشكيل ائتلافات وتحالفات حقيقية تحكم بالنيابة عن شعوبهم.

و تختتم مقالها بتوجيه اللوم للغرب فتقول “نحن ندعم ونحرض مثل أولئك القادة والحكام المخادعين على حساب أمننا”. الإيبولا وداعش هما ببساطة حصاد ما زرعه الغرب من صفقات شيطانية مع تلك الحكومات الفاسدة.

نبذة عن الكاتب ومؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

 رايتشل كلاينفيلد هي مؤسس ورئيس فخري في مشروع ترومان للأمن القومي، ومشرف مساعد في برنامج الديموقراطية وسيادة القانون التابع لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وهى مؤسسة غير ربحية مكرسة لتعزيز التعاون بين الدول، وترويج التزام الولايات المتّحدة الفاعل على الساحة الدولية. أسّسها أندرو كارنغي عام 1910. تسعى المؤسسة إلى تحقيق نتائج عمليّة، من خلال الأبحاث والمنشورات وعقد الاجتماعات، وأحيانًا إنشاء مؤسّسات جديدة وشبكات دولية. ويصوغ الباحثون في المؤسسة مقاربات جديدة حول السياسات، ولها في ذلك عدة برامج منها برنامج الديموقراطية وسيادة القانون، ويركز على الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط، والإدارة الأمريكية ودعم الديمقراطية العالمية، وتطور الأحزاب السياسية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة العصرية، وسيادة القانون. ومن ضمن برامج المؤسسة أيضًا مشروع كارنيغي للشرق الأوسط، وهو يهدف إلى تقديم التوصيات إلى صانعي القرار والجهات المعنية الرئيسة، من خلال تقديم الدراسات المتعمّقة، وأيضًا من خلال وضع مقاربات جديدة للتحديات التي تواجهها البلدان العربية التي تمرّ في مراحل انتقالية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد