لم يعد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” ظاهرة محلية أو مرتبطة بمناطق النزاع بدءًا من نشأته في 2006 في العراق -حيث كان يُسمى بالدولة الإسلامية في العراق-، وحتى دخوله سوريا في 2013 وإعلانه “الخلافة الإسلامية” في 2014، وتوسعه في ليبيا، واليمن أيضًا، غير مبايعة تنظيمات أخرى له لاتباعهم نفس المنهج والوسيلة كأنصار بيت المقدس في مصر، وبوكو حرام في نيجيريا.
توسَّع التنظيم ليصبح ظاهرة عالمية وتوجهًا جديدًا للـ”جهاديين” في العالم كله، لا يعرف الحدود وينقل أفكاره بين الدول عبر كل الوسائل المتاحة، بدءًا من التجنيد عبر الإنترنت والتعبئة بالحديث عن الجهاد والخلافة وصولًا لمحاولة اختلاق رومانسية زائفة في أوساط المراهقين.

 

داعش وعولمة “الجهاد”

تعد داعش الحاضن والملاذ للجهاديين من كافة دول العالم، لا يقتصر الأمر على من لديه خلفية دينية متشددة أو من واجه ظلمًا أو قمعًا، بل امتدت حمَّى الالتحاق بداعش لأشخاص عاديين أو مراهقات وجدوا سبيلهم في “الدولة”.

لا يوجد إحصاء دقيق حول أعداد المقاتلين الأجانب في سوريا، لكن الأعداد المُرجحة هو وجود 12000 مقاتل أجنبي في الحرب السورية على مدار ثلاثة أعوام –وهو عدد أكبر من الذين التحقوا بالقاعدة في أفغانستان على مدار 10 أعوام! – وأتى هؤلاء المقاتلون مما يقرب من 81 دولة حول العالم، ويُقدر عدد الأجانب من دول غربية بـ3000 مقاتل، ذلك وفق ورقة بحثية صدرت في يونيو 2014 بعنوان “مقاتلون أجانب في سوريا“.

تفوقت داعش على القاعدة، ذلك على الرغم من أن معظم قياديّي داعش وحتى خليفتها تتلمذوا على يد “أبي مصعب الزرقاوي” في العراق، لكن ما يُميز داعش هو مشروعها المتكامل في بناء
“خلافة إسلامية” بدأت أولى لبناتها من سوريا بعد السيطرة على الرقة وصولًا لفتحها الحدود ما بين سوريا والعراق لتذوب الفوارق وتسيطر داعش عليها سيطرة كاملة.

ووفقًا لنفس الورقة البحثية المذكورة سابقًا، فإن ما يُميز داعش عن القاعدة هو عدم استهدافها للغرب، مما يجعل الغرب غير مهتم –على الأقل في الوقت الحالي-
بمحاربتها بشكل جاد، وذلك لتبنيها إستراتيجية “تطهير الصف المسلم”

من المرتدين والخونة ومن ثم يتفرغ لـ”فتح” باقي العالم، على غرار القاعدة التي كانت عملياتها الكبرى تستهدف الولايات المتحدة الأمريكية.

وباختلاف الإحصاءات والأرقام، فقد أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بأن عدد مقاتلي تنظيم داعش تخطى الـ50
ألف مقاتل، من ضمنهم 20 ألف شخص أجنبي. وأوضح التقرير أيضًا استقطاب التنظيم لمقاتلي المعارضة المسلحة من الفصائل الأخرى.

في حين أعلنت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عددًا يتراوح ما بين 20-31500 ألف شخص، في تضاعف ملحوظ لآخر تقدير لعدد المقاتلين حيث رجحت الوكالة أن يكون عددهم من 7 إلى 10 آلاف مقاتل.

على اختلاف جنسهم وجنسياتهم.. الشباب مُستهدف للانضمام إلى الدولة

الصورة للفتيات البريطانيات اللاتي يعتقد أنهن ذهبن للالتحاق بداعش؛ مصدر الصورة الجارديان

يُسخّر التنظيم كل ما يملك لجذب الشباب والمقاتلين وأمهات المجاهدين المستقبليين، فسواء بالاستقطبات عبر الإنترنت والتعبئة الإلكترونية، أو بخلق صورة عن الخلافة وأرض العدل ومجد الإسلام، خطاب عاطفي تارة وخطاب تأنيب لضمائر “المسلمين المتقاعسين”
تارة أخرى، وصولًا للتهديد والوعيد بالذبح إذا لم يلحقوا بركاب الدولة، يستخدم داعش آلته الإعلامية والشباب المنضم إليه، فيظهر في أحد الفيديوهات الدعائية مجموعة من الأطفال من دول مختلفة يقرؤون القراآن ويلقي أحدهم كلمة عن مجيئه إلى دولة الخلافة وتم عنونة الفيديو بأنهم “أشبال الخلافة”، والفيديوهات والحسابات الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي التي ينشر فيها المقاتلون صور
السيارات التي يستطيعون قياداتها، والرغد الذي يتمتعون به، مثل حساب المصري “إسلام يكن” الذي أغلق له موقع التواصل الاجتماعي تويتر أكثر من 10 حسابات، فهو يقوم بمشاركة صورة بالرؤوس التي قام بقطعها، أو جلوسه على نهر الفرات، أو صوره مع صديقه المصري الآخر “محمود الغندور”
والذي انتشرت شائعة عن وفاته، فما كان منهما إلا تصوير فيديو “كوميدي”
عن الشائعات وعن كون “الغندور” ما يزال على قيد الحياة. مثل هذه الاستخدامات قد يطلق عليها “التجنيد الناعم”.

ذلك غير الفيلم الذي أنتجته “فايس نيوز” عن داعش في 2014 ومدته ما يقرب من 50 دقيقة ويحكي عن الحياة داخل عاصمة الخلافة الإسلامية “الرقة”، أظهر الفيديو ما تريد داعش الإفصاح عنه وفقط، ما بين تدريب وتعليم للأطفال ومحكمة وبيت للزكاة وغيرها، دولة تقوم بتنفيذ أحكام وتشريعات على الشريعة الإسلامية.

في تقرير لـ”ميدل إيست مونيتور” أفاد أن الشباب السعودي من أكثر الشباب المنضم لداعش ويبلغ عدد الملتحقين بالدولة ما يقرب من 7000 سعودي، و5000 تونسي، و2500 أردني.

ذلك على الرغم من كون السعودية والأردن من الدول المشاركة في التحالف الدولي ضد داعش، وفي دراسة لـ”لونج وور” أوضحت أن من بين كل 26 مقاتلًا في سوريا يوجد على الأقل 24 أجنبيًا بينهم.
وفي تقرير آخر لـ”دايلي باول”
احتوى على خريطة توضح أعداد المشاركين، فتصدرت السعودية ومن بعدها ليبيا وتونس ومن ثم الأردن، يليها أفريقيا ثم أوروبا.

ومن الدول الأوروبية تأتي بريطانيا في المقدمة في عدد المقاتلين المرتبطين بالحرب في سوريا، ثم فرنسا، بلجيكا، ثم ألمانيا، وهولندا. يُمثل المقاتلون البريطانيون ربع المقاتلين الأوروبيين المنضمين لـداعش، ويُقدر عددهم بين 200 إلى 2000 شخص.

وعن عدد النساء في التنظيم فهو يُقدر بـ10% من عدد المقاتلين في داعش، فرنسا الأعلى حيث تُمثل نسبة النساء 25% من عدد النساء في داعش. وتؤكد مصادر أمنية بريطانية أن ما يقرب من 50 فتاة وسيدة بالفعل انضممن لداعش، ومصدر أمني آخر ألماني يُقدر عدد مواطناته النساء بـ40
سيدة وفتاة في صفوف داعش.

وعند الحديث عن النساء في داعش، لا يمكن إغفال “حياة بومدين”
الفرنسية ذات الأصول العربية زوجة “أحمد كويليبالي” منفذ حادث الرهائن بالتزامن مع حادث “تشارلي إيبدو”، حيث شاركت في العملية ومن ثم عادت إلى التنظيم في سوريا.

عائشة الهولندية التي سافرت إلى تركيا ومنها إلى سوريا للزواج بجهادي هولندي من أصل تركي كانت تعرفت عليه من وسائل التواصل الاجتماعي، وفور وصولها لم تستطع تحمل ما يحدث وما جلبته لنفسها فبدأت والدتها “مونيك” بعبور الحدود لكي تأتي بابنتها، وبالفعل نجحت في الدخول حتى وصلت إلى الرقة وأخرجت ابنتها وسافرتا لكن مازالت “عائشة”
تواجه تهم الانضمام لتنظيم إرهابي.

وآخر أشهر الحوادث التي شغلت المجتمع البريطاني هو اختفاء 3 مراهقات في المرحلة الثانوية، وشوهدن آخر مرة في كاميرات المطار، حيث وصلن إلى تركيا وتم تكثيف المجهودات بين الجانبين لكن بدون فائدة، حيث يعتقد أن تم تجنيدهن عبر الإنترنت وإقناعهن بالسفر للانضمام لداعش، بعدها بعدة أيام قليلة حاول 3 مراهقين شباب اللحاق بالتنظيم لكن هذه المرة تم القبض عليهم والتحقيق معهم.

ويستهدف التنظيم الفتيات صغيرات السن حيث يتم تقديمهن كمكافآت للمقاتلين الأعنف، ومنهم ستكون نواة الدولة ومجتمع داعش القادم، حيث أنهم الآن يملكون الأرض والموارد ينقصهم خلق أجيال جديدة لتكون نواة الدولة.

كيف يصل المقاتلون الأجانب إلى سوريا والعراق؟

وإذا جاء الحديث عن كيفية دخول المقاتلين إلى الأراضي التي يسيطر عليها داعش، تكون تركيا في مقدمة الدول التي يشار إليها ويتم اتهامها بتسهيل دخول المقاتلين عبر حدودها مع سوريا والتي ليست تحت سيطرة النظام، فالعبور من تركيا إلى داخل سوريا أمر سهل الآن.

وبين الجنسيات المختلفة يسافر التوانسة إلى سوريا عن طريق خطة محكمة، تبدأ بالدخول إلى ليبيا بتأشيرة عمل، ومن ليبيا طائرة إلى تركيا وتحديدًا أنطاكيا وهناك يكون اللقاء بالمسئولين عن السفر إلى داخل مناطق بعينها في سوريا، على حد تحقيق لصحيفة الشرق.

وبين تبادل الاتهامات لتركيا بتسهيل عبور المقاتلين يكون الرد الرسمي أن هذه محض افتراءات ولا يوجد دليل رسمي يؤكد صحة هذه الاتهامات، ولكن التحقيقات الصحفية وتتبع المقاتلين يُثبت عكس هذا، فبعد فترة من توغل تنظيم الدولة ووصوله لـ”عين العرب كوباني” بدأت تركيا بالتعاون مع سلطات الدول المختلفة وكان آخرها حادث الفتيات الثلاث المراهقات، حيث وجه رئيس شعبة محاربة الإرهاب اللوم إلى الخطوط الجوية التركية بعدم إخبار بريطانيا بوجود 3 فتيات وحدهن في عمر الخامسة عشرة.

وعلى الرغم من أن معظم الدول المشاركة في التحالف الدولي ضد داعش وتُنفذ ضربات جوية للتنظيم، لها أعضاء داخله، وبأعداد كبيرة، لا يبدو أن التنظيم سيغير إستراتيجيته المتبعة بخصوص تجنيد أو توظيف الشباب ولا يبدو أن التحالف سيوقف غاراته أيضا، لكن الأمر سيصبح معركة أعقد بين الطرفين، من يريد للـ”إرهاب”
الانحسار والآخر يريد بناء خلافة من المجاهدين وفتوحات تشمل العالم كله، أي منهم سيفرض سيطرته؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد