في أقصى شمال شرقي سوريا حمل مساء الـ29 من مارس (أذار) 2020 مفاجأة صاعقة لمسؤولي سجن الصناعة الواقع على أطراف حي «غويران» في مدينة الحسكة السورية، ذلك أن نحو 5 آلاف عنصر من عناصر «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» قرروا كسر روتين الوضع داخل أورقة السجن.

في التوقيت آنف الذكر خاض السجناء تمردًا كبيرًا، بدأ بتكسير كاميرات المراقبة ثم تحطيم الأبواب، ولم يتوقفوا عند هدم جدار أسمنتي مما أتاح لمجموعة منهم الهرب، بل أقدم بعضهم على احتجاز مجموعة من عناصر «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» التي تتولي مسؤولية السجن، وقد عجلت تلك القوات إلى استخدام الرصاص الحي من أجل السيطرة على الوضع، ونشرت قوات أمن وقوات خاصة بهدف منع هروب مزيد المساجين.

يشكل الحدث السابق واحدًا من جملة أحداث تظهر مدى الخطر الذي يشكله عناصر «داعش» في كافة مناطق تواجده وحتى السجون التي يضيق فيها الخناق على عناصره، ويمكنا الانتقال من هنا إلى مكان آخر تبرز فيه قوة عناصر التنظيم في مساحة شاسعة جدًا، إنها البادية السورية حيث تعيش عناصر التنظيم في مخابئ بعيدة وملاجئ تحت الأرض، ويعتمدون على مخابئ الطعام.

هذه المنطقة تشكل الآن حجر الأساس لأي توسع مستقبلي لـ«داعش» في شمال شرق سوريا يعمل فيها عناصر التنظيم على تسريع وتيرة إستراتيجيته المتمثلة في فرض سيطرة الظل في الصحراء الممتدة على مساحة تقارب 80 ألف كيلومتر مربع (31 ألف ميل مربع)، يوجه ضربات نوعية لكل الأطراف العسكرية المتواجدة في المنطقة، وهو يكثف عملياته مع بداية هذا العام دون أفق للقضاء عليه.

«داعش».. «شبح» البادية السورية

مع إعلان انتهاء الحرب على «داعش» في موطئه الأخير بشرق سوريا في مارس 2019، ووقف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة من واشنطن معركتها الشرسة ضد آخر جيب للتنظيم في قرية الباغوز الواقعة بريف دير الزور شرق سوريا، اعتقد الكثير أن الستار قد أسدل على وجود هذا التنظيم في الأرض السورية.

بالرغم مما سبق بقي التشكيك في حتمية انتهاء التنظيم كما أظهر الاحتفاء بإنهاء المعارك ضده حاضرًا، فمسألة عدم وجود مناطق سيطرة فعلية له لن تعد مقياسًا لعدم عودته ثانية، وبالفعل سرعان ما أنعشت الانقسامات الطائفية، وغياب القانون، وتأخر إنهاء الصراع في سوريا آمال «داعش» بالسيطرة مجددًا على مناطق وسط سوريا وشرقها.

أخذ نشاط التنظيم يزداد في مناطق واسعة من البادية السورية التي تتميز بتضاريس تساعد على التخفي والاختباء بين جبالها وكهوفها، بل يذهب مراقبون إلى أن التنظيم يحتفظ بنقاط تمركز كبيرة في البادية منذ سيطر عناصره على نحو نصف مساحة سوريا خلال 2014 و2015، أي أنه أنشأ أماكن اختباء لعناصره في البادية استعدادًا لهذه المرحلة، حيث ما تزال طرقه ما بين باديتي سوريا والعراق مفتوحة، ثم بعد هزيمته استقبلت البادية التي تشكل نحو نصف مساحة سوريا فلول التنظيم، خاصة أن النظام السوري ساعد عبر الصفقات على انتقال آلاف العناصر من التنظيم من جنوب دمشق وفي درعا إلى عمق البادية السورية.

ويظهر تقرير نشر في موقع «درج» للصحافي السوري محمد حسان وجود ثلاثة تجمعات رئيسية للمقاتلين هي جنوب غرب دير الزور، وجبل بشري، ومساحة من الأراضي تشمل كامل الحافة الشرقية لحمص من تدمر إلى السخنة إلى التنف وصولًا إلى محطة ضخ النفط «T2» وفيضة بن معينة في غرب دير الزور، ويعتقد حسان أن الموقع الثالث الأكثر دقة هو الجبال الواقعة بين السخنة وتدمر والكوم وحقل غاز الشاعر.

في المحصلة اتجه «داعش» بعد تمركزه في مناطق واسعة من البادية نحو تحويل تلك المساحة إلى ما يشبه الثقب الأسود الذي يبتلع كل الأطراف في المنطقة ويشكل تهديدًا كبيرًا لها، فعناصره تعتمد «حرب العصابات» كخيار في هذه المرحلة، تهاجم مجموعاتها الصغيرة قوات النظام والروس والإيرانيين وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومع بداية العام 2020 حقق التنظيم قفزة في تنفيذ هجمات عالية الجودة وبدأ بالتوسع الجغرافي، يضرب في شرق حماة وجنوب الرقة وقرب حدود ادلب، وهي هجمات تمثل إنجازًا عسكريًا كبيرًا لمقاتلي التنظيم.

يقول الباحث السوري في مجال الحركات المسلحة صدر الدين كينو: «تنفيذ هجمات منسقة مرة أو مرتين في الشهر هو انتصار كبير لـ«داعش»؛ لأن الأمر لا يتعلق بالسيطرة على الأراضي بعد الآن، بل يتعلق بإثبات أن الجماعة لا تزال موجودة».

«داعش» في مربع «غنائم» روسيا

عجلت موسكو بجنى غنائم حربها في سوريا، وقد كانت البادية السورية بمثابة الكنز الاقتصادي لها، إذ تضم أراضي الصحراء أبرز مناجم الفوسفات في سوريا، وفيها ثروة من الغاز، وبفضل ما حصلت عليه روسيا من امتيازات منحها إياها النظام السوري تحولت البادية إلى مناطق نفوذ روسي ينشط فيها الروس للتنقيب عن كل شيء.

المطامع السابقة فرضت وجود عسكري روسي هام في البادية السورية، حيث يتواجد تنظيم «داعش» الذي ضم القوات الروسية إلى سلسلة أهدافه، فلقن موسكو ضربة قوية في 18 أغسطس 2020، حيث ألقى عناصر من التنظيم عبوة ناسفة على الجنرال الروسي فيتشسلاف جلادكيخ أثناء مرور موكبه في منطقة تبعد نحو 15 كيلومترًا شرق مدينة دير الزور، فقتل الرجل مع قيادي في «مليشيا الدفاع الوطني» التابعة للنظام.

 

هذه الحادثة دفعت موسكو لإطلاق عملية واسعة ضد فلول وخلايا التنظيم في البادية السورية أسمتها «الصحراء البيضاء»، وبعد نحو الأسبوع من مقتل جلادكيخ، سرعان ما انكب القادة الروس نحو إعلان الخسائر في صفوف «داعش» جراء قصف أماكن عناصره، ذلك في وقت لم يفوت القادة الروس فرصة توجيه اتهام لواشنطن بتوظيف فلول التنظيم الفارين من مناطق سيطرة الإدارة الذاتية الكردية، أو الذين يتم اطلاق سراحهم من معتقلات قوات سوريا الديمقراطية بسبب صلاتهم السابقة بالتنظيم من أجل إجهاض خطط روسيا في المنطقة الشرقية.

وقد قال الناطق باسم القوات الروسية في سوريا: إن «وسائل الرصد أظهرت زيادة ملحوظة في نشاط المسلحين في مناطق وسط سوريا، ومقاتلي تنظيم «داعش» نجحوا في تعزيز مواقعهم واستعادة قدراتهم، بعد العفو الذي أصدرته إدارة شمال شرقي البلاد التي تسيطر عليها الولايات المتحدة».

وبعيدًا عن كيل الاتهامات بين كل من روسيا وأمريكا، تدرك موسكو صعوبة الوضع في البادية، لذا زجت بـ«لواء القدس» وقدمت للعنصر الواحد في هذا اللواء 200 دولار أي ضعف راتب عنصر منضو تحت صفوف الميليشيات الإيرانية، وجعلت هذا اللواء رأس الحربة في عملياتها العسكرية في «الصحراء البيضاء»، فمدته بالعتاد الحربي وأجهزة الاستطلاع والرصد إذ ساهم ذلك في الحد من ضربات «داعش» في المناطق المفتوحة.

وكذلك وقع على اللواء مهمة حماية طرق المواصلات التي تخترق البادية نحو الوسط والجنوب السوري، وحماية حقول النفط والحفاظ على تدفق منتظم للإمدادات، كما بات اللواء واجهة للنفوذ الروسي في مواجهة النفوذ الإيراني الذي تمتد قواته بكثافة على امتداد الضفة الجنوبية الغربية لنهر الفرات في الرقة ودير الزور وصولًا إلى البوكمال على الحدود العراقية.

وبرغم ما سبق، إلا أن قوات «لواء القدس» تعرضت لاستنزاف غير مسبوق في المواجهات مع «داعش»، إذ فقد اللواء عددًا كبيرًا من عناصره بين قتيل وجريح بسبب العبوات والألغام التي نشرها التنظيم على نحو واسع في الطرق الصحراوية الوعرة.

هل يمكن القضاء على فلول التنظيم في البادية السورية؟

في واحدة من المستجدات الأخيرة، ، أفاد انتشار فيروس (كوفيد 19) تنظيم «داعش»، إذ قيدت أزمة الفيروس قدرة النظام وحلفائه على نشر قواتهم لمواجهة التنظيم في مناطق وجوده، كما أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) اضطرت بسبب انتشار الفيروس إلى إطلاق المعتقلين في سجونها، خوفًا من تفشي الفيروس بينهم، وهناك قسم كبير من المطلق سراحهم هم عناصر سابقون ذو خبرة قتالية في التنظيم عزز خروجهم العنصر البشري للتنظيم.

يقول الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، مايكل نايتس: «كان ذلك بمثابة هبة من السماء لداعش، فمن نواح عديدة، فإن تنظيم الدولة الإسلامية مهيأ بشكل جيد للعمليات أثناء الوباء، وعلى أرض الواقع، كانت هناك علامات صغيرة على انتعاش الدولة الإسلامية على المستوى التكتيكي، ربما بسبب توقف عمليات مكافحة التمرد التي تستهدفهم».

ويضيف نايتس في مجلة «بوليتيكو»: «من السهل تخمين الخطوات التالية لعناصر تنظيم الدولة الإسلامية، ستزيد من غارات الاغتيال الريفية على قادة القرى المحليين، وستستخدم التخويف لزيادة قدرتها على جمع الأموال، سيؤدي تعطيل عمليات تطهير القوات الأمنية إلى زيادة قدرة التنظيم على صنع قنابل متطورة على جانب الطريق في مخابئه واستخدام هذه الأسلحة وغيرها لإبقاء قوات الأمن مضغوطة في قواعدها».

وفي ظل ما سبق، تجتهد القوات الروسية في محاولات السيطرة على الوضع الأمني ​​والعسكري في البادية السورية، إلا أن تمكن التنظيم من إلحاق أضرار كبيرة بـ«لواء القدس» بعد تسببه بخسارة كبيرة للضباط الروس يضع الكثير من التساؤلات حول نجاح مهام العمليات الروسية ومن ثم إمكانية القضاء على فلول التنظيم في البادية السورية.

هناك عدة عوامل تجعل احتمالية الحاق الخسارة بالقوات المتعددة في البادية أمرًا قائمًا، لا يخص ذلك فقط كون الضباط الروس لا يعرفون الأماكن التي زرع فيها «داعش» الألغام، فهناك صعوبة في تمشيط المنطقة بسبب جغرافيتها التي تخدم خلايا التنظيم المتوزعة في مجموعات صغيرة تستخدم أسلحة فردية ومتوسطة من الصعب رصدها.

كما أن هناك عوامل تخص إستراتيجية التنظيم، فلخلاياه في البادية استقلالية نوعًا ما عن بقية سوريا مما يعني أن مقتل القادة لا يؤثر عليه في تلك المنطقة، كما يتمتع «داعش» في البادية بدرجة معينة من الاستقلال المالي الذي يجنيه من الإتاوات من السكان المدنيين، ويساعد ذلك خلاياه على طول نهر الفرات على الدفع للنظام لفتح جزء من النهر ليلًا ينقل عبره المسلحين والإمدادات.

ويذكر تقرير مركز السياسة العالمية (CGP) أنه «أثبت النظام السوري وحلفاؤه أنهم غير قادرين تمامًا على التعامل مع تمرد البادية، حيث تستخدم داعش بنجاح وسط سوريا ليس فقط لتنمو أقوى محليًا ولكن أيضًا لدعم العمليات الإقليمية بقواعد التدريب».

كما أظهرت خلايا البادية مستوى عاليًا من جمع المعلومات الاستخبارية والمعرفة المحلية، وتتلقى على الأقل بعض الدعم المحلي ، وتمكنت حتى الآن من إمداد عملياتها بالكامل تقريبًا من مصادر محلية، ويضيف التقرير: «سيستمر تنظيم داعش في التوسع شمالًا وغربًا، بحثًا عن أسلحة النظام وتزويده بالمخزونات في شرق حماة وجنوب حلب. في غضون ذلك غض النظام الطرف عن نشاط داعش على طول نهر الفرات، في حين أن الفساد المتفشي بين ضباطه يمكّن داعش من التوسع وترسيخ نفسه في هذه المنطقة الحاسمة».

المصادر

تحميل المزيد