إذا كنت تريد فهم ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم، فيجب عليك أن تُدرك حقيقة أساسية: تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) يخسر الحرب التي يخوضها في الشرق الأوسط.

يبدو ذلك صعب التصديق؛ فالتنظيم يسيطر في العراق وسوريا على مساحة أكبر من مساحة بريطانيا، ويُغذي صفوفه تيَّار مستمرٌ من المقاتلين الأجانب، مثل الذين ذبحوا الـ 21 مصريًا مسيحيًا في ليبيا.

بالتأكيد يُمثِّل تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) خطرًا هائلاً ومُرعبًا على دول الشرق الأوسط. لا يبدو التنظيم قريبًا من الهزيمة، ولا أحد يمكنه أن يضمن أنَّه سيتم تدميره تمامًا. لكن، وبعد عدة أشهر من توسُّعات تنظيم «داعش» وانتصاراته؛ يتعرَّض التنظيم الآن إلى هزائم متتالية. يفقد «داعش» السيطرة على مناطق مهمة. حدَّت الضربات الجوية التي شنَّتها قوات التحالف من قدرته على الهجوم؛ ولا يبدو أن للتنظيم أصدقاء يُمكنه طلب المساعدة منهم. الطريقة التي يحكم بها «داعش» غير قادرة على الاستمرار، وستكون «دولته» مُعرَّضة إلى الانهيار على المدى البعيد.

ستسقط «الخلافة» التي أعلنها «داعش» إذا لم يُحاول التنظيم التأقلم مع الوضع الجديد.

صدِّق أو لا تصدق: العراق الآن أفضل ممَّا توقعه أي أحد منذ 6 أشهر

توضح الخريطة توزيع مناطق السيطرة في العراق: الأخضر للجيش العراقي، الأسود لـ«داعش»، والبنفسجي للبشمرجة، والأحمر مناطق متنازعٌ عليها

منذ سنة تقريبًا، كان «داعش» يستعد لبدء حملته العسكرية في العراق، الحملة التي ستغزو شمال العراق، وتُسقط الموصل، ثاني أكبر مدينة عراقية في شهر يونيو. اليوم، تستعد الحكومة العراقية إلى شن حملة لاستعادة الموصل، تعتقد الحكومة الأمريكية أنها ستبدأ في أبريل.

تغيَّر الوضع بصورةٍ كبيرة خلال هذه السنة. فقد استطاعت الحكومة العراقية وحلفاؤها قَلب الموازين بعد حملة «داعش» الثائرة، التي كان يبدو أنها لا تُقهر، بين شهري يونيو وأغسطس من العام الماضي. ببُطء، وبشكلٍ غير مُنتظم، ولكن بكل تأكيد، تنظيم «داعش» يتقهقر.

في شمال العراق، تُهدد القوات الكُردية بقطع طريق إمدادات «داعش» الرئيسة بين العراق وسوريا. سيطر الأكراد على مدينة «سنجار» الواقعة على هذا الطريق في ديسمبر، وبحلول شهر يناير، مدَّت القوات الكردية سيطرتها على امتداد الطريق بالقُرب من بلدةٍ تُدعى «كسك».

لن تحاول القوات الكُردية استعادة مدينة الموصل وحدها، لكن قوة عراقية-كُردية مشتركة تستعد الآن لهذه المهمة. إن استعادة مدينة الموصل سيكون ضربة مُوجعة لتنظيم «داعش».

لا تتقهقر «داعش» في كل مكان. تبدو الأمور متخبطةً، ولا تتجه لمصلحة أي طرف. تتقدَّم القوات الحكومية العراقية في منطقة، وتخسر معركةً في مكان آخر. لكن «داعش» يخسر معاركه في كل مكانٍ يواجه فيه قوةً منظَّمة. ويرى المراقبون للوضع في العراق أن الصعوبات التي يواجهها «داعش» هي إرهاصات سقوطه.

«ستخسر «الدولة الإسلامية» معركتها للسيطرة على الأراضي العراقية. نتيجة الحرب واضحة الآن للمراقبين الذين يفهمون الوضع جيدًا.» – المُحلل العسكري دوجلاس أوليفانت

«لا توجد «دولة إسلامية» في العراق. إنهم يعملون كتنظيم مُتمردٍ أو مافيا. لا يملك التنظيم القدرة ولا التمويل اللازم لإنشاء محاكم شرعية، ودوريات، وإقامة دولة بمعناها المفهوم.» – المُحلل السياسي كيرك سويل

«داعش» في حالة جمود في سوريا

A Peshmerga soldier poses for a portrait at the DPK

سوريا قصةٌ مختلفةٌ. يسيطر «داعش»على مدينة «الرقة» السورية وضواحيها. إنه أقوى هناك ممَّا هو عليه في أي مكان في العراق. ولا يوجد في سوريا فصيلٌ قادرٌ على تحدي «داعش» في المناطق التي يسيطر عليها، على الأقل في المدى القريب.

لكن الأشهر التي كان «داعش» يتقدَّم فيها في سوريا قد توقَّفت. ويحمل هذا نذير سوءٍ لطموحات «داعش» المستقبلية.

وبحلول نهاية يناير، كان «داعش» قد طُردوا من «كوباني» (عين العرب)، المدينة الكُردية التي أنفق التنظيم كميات هائلة من الموارد البشرية والمادية في محاولة الاستيلاء عليها. لا تحمل «كوباني» أهمية إستراتيجية هائلة. لكن تبقى الحقيقة المهمة: أن القوات الكردية قد أجبرت «داعش» على الانسحاب من هناك، بدعم من الضربات الجوية الأمريكية الثقيلة.

«يمكننا أن نأخذ «كوباني» مثالًا على قدرة الضربات الجوية على وقف تقدُّم «داعش» في سوريا. إذا تتبعتَ حركة التنظيم منذ بداية الضربات الجوية الأمريكية، ستكتشف أن «داعش» لم يُسيطر على أي أرض جديدة، بل انسحب من عدة مناطق».

مناطق السيطرة في سوريا: الرمادي والأسود تُشير إلى الأراضي التي يسيطر عليها «داعش»

جزء من السبب في عدم إجبار «داعش» على التقهقر في سوريا هو أن كافة الفصائل (قوات بشار الأسد، جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة، والثوار) لم تُركز بعدُ جهودها على مواجهة «داعش».

الجميع في سوريا يرون «داعش» في المرتبة الثانية من حيث الأهمية؛ لأنهم يعرفون أن تدمير «داعش» أمرٌ متفقٌ عليه عالميًا، ويسهُل تسويقه وفعله. هو أمرٌ أسهل كثيرًا من أن يُدمر النظام قوات المعارضة، أو العكس.

يُفيد هذا تنظيم «داعش» ويضُرُه في آنٍ واحد. سوريا مُقسَّمة إلى فصائل مُتناحرة، كلٌ منها يُركز على تدمير الآخر. لكن هذا الأمر سيتغيَّر، وحينها، سيكون وضع «داعش» أصعب كثيرًا.

سيكون باستطاعة «داعش» الاستمرار في سوريا، حتى يواجهه جيشٌ منظَّم.

لماذا يتقهقر «داعش»؟ التنظيم أقل تسليحًا، وأقل عددًا، ولا أصدقاء له

ثمَّة 3 أسباب بسيطة تُثبت أن «داعش» تنظيم هشٌ للغاية حتى في المناطق التي يدَّعي السيطرة عليها:

1. الضربات الجوية لقوات التحالف

لا أحد يتوقَّع أن الضربات الجوية وحدها ستُدمر «داعش». لكن تلك الضربات أثبتت فعالية كبيرة في الحد من قدرة التنظيم على شن هجوم على المدن العراقية أو السورية. يتطلَّب مثل هذا الهجوم أعدادًا كبيرة من مقاتلي «داعش»، عدد يكون من السهل جدًا استهدافه من الجو.

كما أن هذه الضربات قد ساعدت في عمليات مواجهة «داعش» على الأرض. ظهر هذا جليًا في «كوباني»، التي دعمت فيها الضربات الجوية الأمريكية جهود القوات الكُردية في الدفاع عن المدينة.

2. فقد «داعش» عُنصر المفاجأة

بحسابات بسيطة، «داعش» أقل عددًا بكثير من أعدائه. تُقدر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) عدد مقاتلي «داعش» بين 20 ألفًا إلى 31 ألفًا و500 مقاتل. وتُقدر بعض المصادر الخاصة العددَ برقم قريب من 100 ألف. يبلغ عدد القوات الحكومية العراقية 48 ألف جندي، لكنهم مدعومون بحوالي 120 ألف مقاتل شيعي يساندونهم في المعارك. تُقدر «بي بي سي» قوات البشمرجة بـ 190 ألف مقاتل في شمال العراق، ناهيك عن أعداء «داعش» في سوريا.

كان «داعش» دائمًا أقل عددًا من أعدائه. لكن التنظيم كان يعتمد على عُنصر المفاجأة لسحقهم. تعمل الضربات الأمريكية الآن على الحد من قدرة «داعش» على شن هجمات خاطفة، وقد أعاد خصوم «داعش» تنظيم صفوفهم لمواجهة مثل هذه الهجمات.

ربما كان باستطاعة «داعش» التغلب على مشكلة نقص عدد مقاتليه إذا كان لديه أصدقاء، لكنه ليس لديه أحدٌ يقف إلى جانبه. وهذا هو السبب الثالث.

3. «داعش» غير قادر – بالفطرة – على إقامة التحالفات

تتطلَّب أيديولوجية التنظيم الانصياع التام إلى تفسيرها الضيق والمتطرف للشريعة الإسلامية. وفي رأيهم، لا أحد «نقيّ» بالكامل، حتى تنظيم «القاعدة». يدفع ذلك أعضاء «داعش» إلى مهاجمة أناسٍ كان يُمكن أن يُصبحوا حلفاء للتنظيم في ظروف أخرى.

ظهر هذا بوضوح شديد في سوريا. فعلى العكس من جبهة النُصرة، التابعة لتنظيم «القاعدة»، فشل «داعش» في التعاون مع أي فصيل في سوريا ضد قوات الأسد. وفي حرب أهلية لا يستطيع أي فصيل أن يتغلَّب على الآخر؛ ستكون عُزلة «داعش» مصدر خطرٍ شديد عليه.

لو لم يطرح «داعش» رؤية ثورية توسُّعية شاملة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، كان المجتمع الدولي ليتركه وشأنه.

أيديولوجية «داعش» ستدمر نفسها ذاتيًا

أسَّس «داعش» مشروعه السياسي على نظرية واحدة: إن التنظيم هو الإحياء الحقيقي للخلافة الإسلامية، مصيره هو التعجيل بنهاية العالم، وليس فقط حماية دولته الدينية وتوسيع حدودها. حين تفهم ذلك، ستُدرك أن أخطاء «داعش» لم تكُن مُجرد حسابات خاطئة، بل نتيجة حتمية للأيديولوجية التي تُحركه.

تملك المجموعات المُتمردة الأكثر عقلانية، والتي تواجه خصمًا أقوى منها، كتابًا معروفًا لقواعد العمل. ابقَ بعيدًا عن المعارك المفتوحة؛ اختبئ بين كُتلة سُكانية ترغب في حمايتك؛ واستخدم عمليات الكر والفر الخاطفة لتُجبر خصمك على النزف حتى الموت.

ردَّت حركة «طالبان»، على سبيل المثال، على الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2001 بالتخلي عن دولته، ليتحوَّل إلى تنظيم متمردٍ قادرٍ على الاستمرار لفترة طويلة، تنظيمٌ ما يزال قادرًا على استعادة نشاطه في أفغانستان. ولكن »داعش» يُصر، حتى الآن، على الحفاظ على دولته، حتى لو كان ذلك يعني الانخراط في معارك خاسرة ضد المزيد من الخصوم الأقوياء. كما أن أيديولوجية «داعش» تشتهي التوسُّع؛ مما يجعل نقاط ضعفه مكشوفةً للعيان.

حين يفعل «داعش» شيئًا يبدو قصير النظر، مثل اتخاذ قرار غزو كردستان العراق، والانخراط في حربٍ خاسرة مع الأكراد الذين لم يكُن لهم ناقةٌ ولا جملٌ في الحرب، فإن هذه هي أيديولوجيتهم. هم يؤمنون بأنهم بحاجة إلى توسيع نفوذهم، وبأن الله قد وعدهم بالنصر في النهاية.

لذا ستبقى قوات «داعش» في العراء؛ مما يجعلها عرضةً لقنابل أمريكا وقوات التحالف. سوف ينخرط التنظيم في معارك تقليدية مع خصوم يفوقونه قوةً؛ لأن «داعش» يحتاج إلى إبقائهم خارج مناطق سيطرته. سيستمر «داعش» في مهاجمة أطراف محايدة أو حتى شُركاء محتملين، لأنهم يسيطرون على الأراضي التي يريد التنظيم التوسُّع فيها.

المشاكل العميقة التي شكَّلت «داعش» ستبقى موجودة

تضع كل هذه العوامل تنظيم «داعش» على الطريق المؤدي إلى خسائر كبيرة، ولكن هذا لا يعني أن تدمير التنظيم أمرٌ حتمي، ولا يعني أن هزيمته ستكون أسرع، أو أقل ألمًا. وليس هناك من سببٍ للاعتقاد بأن المشاكل التي أظهرت «داعش» إلى الوجود ستنتهي بمجرد هزيمته.

وحتى إذا تمكَّنت القوات العراقية من القضاء على «داعش» (وهذا أمرٌ ليس مضمونًا، وسوف يستغرق أشهرًا أو سنوات من القتال الشاق) فقد يتمكَّن أفراد التنظيم من تكوين مجموعة سُنية متمردة جديدة. «داعش»، رغم كل شيء، هو فصلٌ واحدٌ من فصول الحرب الطائفية العراقية التي بدأت في عام 2003؛ وقد لا يكون الفصل الأخير.

الوضع في سوريا أسوأ من ذلك بكثير. على الرغم من أن تقدُّم «داعش» متوقفٌ هناك، إلا أنها ستكون، على الأرجح، ملاذًا آمنًا للتنظيم طالما استمرت الحرب الأهلية السورية بين عدة فصائل متناحرة. معالجة العوامل التي سمحت بظهور «داعش» في سوريا يعني إنهاء كلٍ من الحرب الأهلية، والطائفية التي غرسها بشار الأسد منذ أن بدأت الحرب. يُمكن أن تستمر هذه المشاكل لعدة أجيال قادمة.

وعلى المدى القصير، لم يكُن المستفيد الأول من الصعوبات التي واجهت «داعش»
في سوريا هم السوريون العاديون، بل تنظيم القاعدة، خصم «داعش»
الرئيس هناك، ومنافسه على ارتداء عباءة التطرف السني. وكلما تراجع «داعش»، تقدَّم تنظيم «جبهة النصرة»، التابع لتنظيم «القاعدة»، ليكسب المزيد من الأراضي والمقاتلين.

«داعش» هو ربما المجموعة المسلَّحة الأكثر دموية ووحشية في العالم. يفقد التنظيم سيطرته على أراضيه، ومعها يفقد قدرته على قتل العرب، وتعرضهم إلى صنوف العذاب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد