لقد وقع العرب منذ عقود بين مطرقة الكذب وسندان القمع، فأجبروا إما على دعم الحكام المستبدين في مقابل الأمان والاستقرار، أو الوقوف إلى جانب المتطرفين الإسلاميين من أجل التخلص من نير الطغاة والانتقام منهم. لكن الربيع العربي بشبابه مثل الجيل الذي يتطلع إلى عالم لسنا مجبرين فيه على الاختيار من بين الشرين.

ومع ذلك فإن أصحاب المصلحة في المنطقة، يبدو الآن أنهم قد عادوا ينظرون مرة أخرى إلى المنطقة عبر منظور بسيط، والذي يضع “العلمانيين مقابل المتطرفين”.

لكن المراقبين الغربيين على وجه الخصوص يعملون على إضفاء الشرعية على الأنظمة الديكتاتورية الاستبدادية، التي يرون أنها مصدر للاستقرار الإقليمي والوقوف ضد الإرهاب.

لقد شاهدنا بلدانًا غربية رئيسة تقف مكتوفة الأيدي أمام حلفائهم الإقليميين الذين يمولون الجماعات المتطرفة من أجل محاربة الطاغية السوري، ثم استداروا ومولوا تمويلاً عسكريًّا قويًّا لوأد الديمقراطية في مصر تحت اسم محاربة “الأصولية”. وفي الوقت نفسه، لم نسمع كلمة احتجاج ضد هؤلاء الحلفاء الذين يضطهدون المدافعين عن حقوق الإنسان الذين يمكن أن يقدموا بالفعل بديلاً حقيقيًّا.

لقد كان نفس هذا النوع من التفكير هو الذي شرعن الحكم الديكتاتوري لمبارك وزين العابدين بن علي، وأجاز التعاون الأمني مع كل من الأسد والقذافي، وتعامل مع الأنظمة الاستبدادية الخليجية على أنهم أصدقاء مخلصون على الرغم من سجلاتهم المخزية في مجال حقوق الإنسان. وللأسف، يتم استعادة هذا السلوك بسبب معاودة الدول الغربية النظر مرة أخرى إلى المنطقة من زاوية أمنية ضيقة.

لقد ساد هذا التقسيم الكاذب منذ عقود، ولكن آخر تجسيد له يعود إلى الأسابيع القليلة الأولى من انتفاضات الربيع العربي في عام 2011. وربما كانت اللحظة الأكثر تأثيرًا عندما انحسر الاختيار في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية لعام 2012 المصرية بين آخر رئيس وزراء لمبارك، أحمد شفيق، ومرشح جماعة الإخوان المسلمين، محمد مرسي.

بعد مرور عامين ووقوع العديد من الكوارث، أصبحت الخيارات أكثر تطرفًا بكثير. يتجسد الخيار الأول في رجل قوي عسكري سقط على يديه مئات القتلى، والآخر هو الخليفة الذي نصب نفسه عبر جماعة دينية ارتكبت العشرات من المجازر.

يقدم الرجل القومي القوي والإسلاميون أنفسهم كأقطاب متضادة، ولكنهما متشابهان في العديد من النواحي. فكل من النقيضين يتبعان نفس الثقافة السياسية التي سادت القرن العشرين التي قدمت لنا تفسيرات للاستبداد حول كل أيديولوجية: الإسلام السلطوي والقومية الاستبدادية، والاشتراكية السلطوية، بل وحتى الليبرالية السلطوية. وكلاهما ينظر إلى حقوق الإنسان ليس كشيء مقدس، ولكن كمنحة من قبل الدولة، والتي يمكنها سحبها أو وقفها وقتما شاءت. وكل منهما يعتقد أن بعض الناس لديهم حقوق أقل من غيرهم.

ولا يتسامح أي منهما مع حرية الفكر، وكلاهما يرغب في معاقبة المعارضة وتجريم الانتقاد. فبالنسبة للأول، يعتبر النقد بمثابة الخيانة، أو جزء من مؤامرة أجنبية. وبالنسبة للثاني، هو بمثابة ردة أو بدعة. الصحفيون والمثقفون عادة ما يتحملون وطأة هذا، كما رأينا مع السيسي في مصر وفي الأراضي الواقعة تحت سيطرة داعش.

كل منهما يريد أن تكون له سلطة إصدار القوانين دون رقابة، وللحكم بمرسوم لا يعيقه أي نقاش داخلي أو سياسة. وسواء كان ذلك باسم الدين أو باسم الأمة، فإن بواعث القلق المتعلقة بحقوق الإنسان ليست فقط مرفوضة، ولكن مجرمة كليًّا. ففي “الحرب ضد الإرهاب” أو “الحرب للدفاع عن الدين” النقد هو معارضة، والمعارضة هي بمثابة الخيانة، والخيانة يعاقب عليها القضاء.

وكلاهما جذب الوطنيين الذين يرغبون في استخدام القوة الاستباقية للحكومة للسيطرة على المجتمع. فبالنسبة لأحدهما، الدولة هي الوطن والأمة هي الدولة. وبالنسبة للآخر، الدولة هي الدين والدين هو الدولة. وبطبيعة الحال، لا بد من تجسيد المفهوم المجرد لـ”الأمة” أو “الدين” من قبل شخص أو طرف الذي يطالب ويتوقع طاعة عمياء دون تمحيص، ويحكم باسم “الأمة” أو “الدين”، ويظل محميًّا من المحاسبة.

كما أن كلا الجانبين إقصائي، فنظرة “معنا أو ضدنا” تتجلى في رفض عميق للتعايش مع الآخرين. في الفترة التي سبقت انتخابات عام 2012، شاهدنا شفيق يلمح إلى حظر الأحزاب الإسلامية حال انتخابه. وخلال فترة مرسي شاهدنا الخطاب الإسلامي يضغط على المجتمع المدني. ثم رأينا نظام السيسي يمرر أحكام الإعدام الجماعية ويسجن أكثر من 40000 شخص، في حين رأينا مجازر داعش بحق قبائل بأكملها.

وأخيرًا – وربما الأهم من ذلك- كلاهما انتهى بالفشل. فعام جماعة الإخوان المسلمين المصرية في السلطة انتهى بتعزيز نفوذ المؤسسة العسكرية وتمكين عودتها الكبرى. أما حكم السيسي في مصر، والذي بدأ مع وعد بجلب الأمن والاستقرار، فقد شهد التوسع الرسمي لداعش إلى الأراضي المصرية. وفي الوقت نفسه، تسببت عمليات داعش في العراق وسوريا، التي وعدت بـ”تحرير” كلا البلدين، في إرسال المزيد من المساعدات للحكومة العراقية، والنظر في إعادة إضفاء الشرعية على الأسد، والتنسيق مع إيران.

يقول الكاتب إنه كناشط طُرد بالقوة من دولة الإمارات العربية المتحدة، التي عاش فيها طوال حياته، فهو على علم بما سيحدث عند رفض كل من الأصولية والديكتاتورية. ففي أرض البياض الخالص أو السواد الكامل، تكون المناداة بـ”الرمادي” أشبه بالكفر. وفي خطابه الأخير في منتدى الحرية في أوسلو، قال الكاتب إن الطريق إلى الربيع العربي الحقيقي يبدأ مع رفض كل من الفاشية القومية والراديكالية الإسلامية، وإقامة مسار وسطي.

يقول: علينا أن ندرك أن الطغيان والإرهاب يغذي بعضمها البعض في حلقة مفرغة متفاقمة. فالاستبداد يبرر الإرهاب من خلال القمع والظلم، في حين أن الإرهاب يبرر الاستبداد من خلال العنف العشوائي، وإعطاء الدولة ذريعة لاتخاذ إجراءات الطوارئ وتعليق الإجراءات المعتادة من أجل “استعادة الاستقرار”. والدرس من تاريخنا الحديث هو أن التطرف ليس الطريق إلى التحرير، ولكن سيؤدي فقط إلى مزيد من الاستبداد والتدخل الأجنبي؛ وأن الاستبداد ليس هو الطريق إلى الاستقرار، ولكن سيؤدي فقط إلى مزيد من عدم الاستقرار والتطرف.

يتعين على الغرب أن يعترف بأن خطر الإرهابيين ليس فقط هو التهديد الوحيد للأمن القومي، ولكن أيضًا الطغاة الذين من خلال وحشيتهم يخلقون البيئة ذاتها. كما يجب أن يعامل مؤيدو الطغاة والمدافعون عنهم بنفس الشدة التي يعامل بها مؤيدو الإرهابيين والمدافعون عنهم.

أما بالنسبة لنا نحن العرب، فنحن بحاجة لأن ندرك أن كلا النقيضين يمثلان تهديدًا وجوديًّا. فلقد تحولت منطقتنا إلى ملعب للطغاة والإرهابيين، ومع كل دورة إحباط يصبح النقيضين أكثر شرًّا، مما يجعل أي الخيارين أكثر كارثية، ويصبح من المهم رفض كليهما. وسنظل نتنقل من الاستبداد إلى الإرهاب إلى التدخل الأجنبي حتى نجد صوتنا ونكسر الحلقة من الداخل.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد