أعلن تنظيم «ولاية سيناء» في مصر (أنصار بيت المقدس سابقًا) التابع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تبنيه عملية إطلاق صواريخ على إسرائيل، في واقعة لم تكن الأولى من نوعها، وتعيد الأنظار إلى تاريخ المواجهة بين ولاية سيناء وإسرائيل والتنسيق المصري الإسرائيلي تحت مسمى «مواجهة الإرهاب».

وفي مساء يوم الأربعاء الماضي الموافق الثامن من فبراير (شباط) الجاري، سقطت أربعة صواريخ جراد على مدينة إيلات في إسرائيل دون أن تسفر عن أية أضرار. اللافت في الأمر هو أن هذه الصواريخ لم تأت من قبل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أو أي فصيل مُسلّح في قطاع غزة المحاصر، وإنما من جهة شبه جزيرة سيناء المصرية من قبل تنظيم «ولاية سيناء» الذي أعلن مبايعته لـ«تنظيم الدولة»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014.

ففي خطوة نادرة لم يتخطَ عدد مرات تكرارها أصابع اليد الواحدة، أعلن ولاية سيناء تبنيه إطلاق الصواريخ التي سقطت على إيلات لاستهداف «تجمعات اليهود الغاصبين في مدينة أم الرشراش (إيلات)»، بحسب بيان ولاية سيناء الذي أضاف «وليعلم اليهود والصليبيون بأن الحرب بالوكالة لن تغني عنهم شيئًا».

من جانبه أكد أفيخاي أدرعي، المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي لوسائل الإعلام العربية، انطلاق الصواريخ من سيناء على إيلات، دون أن تحدث أية إصابات أو أضرار، بعد اعتراض القبة الحديدية لها.

مقتل وإصابة سبعة فلسطينيين بعد ساعات من صواريخ إيلات

وفيما اعتبره البعض ردًا اسرائيليًا على الصواريخ التي سقطت في إيلات، أعلن أشرف القدرة المتحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية بقطاع غزة المحاصر، مقتل فلسطينيين وإصابة خمسة آخرين جراء استهداف نفق تجاري على الحدود الفلسطينية المصرية في رفح، وذلك فجر يوم الخميس، أي بعد ساعات قليلة من سقوط الصواريخ في إيلات.

وفي الوقت الذي لم يحدد فيه القدورة مصدر استهداف الفلسطينيين، أفاد شهود عيان أن طائرات استطلاع إسرائيلية هي ما نفذت الهجوم، كما قالت صحيفة الأهرام المصرية الحكومية بوضوح، إن الضحايا سقطوا نتيجة استهدافهم من مقاتلة إسرائيلية أطلقت عليهم صواريخ جو سطح. أما حركة حماس فقد استنكرت الهجوم، دون أن تتهم به أحدًا، ووصفته بـ«الجريمة في حق عمال عُزّل يبحثون عن لقمة عيشهم وقوت أطفالهم»، وكالعادة دعت إلى وضع حد للحصار المفروض على القطاع منذ سنوات.

الجيش الإسرائيلي نفى أية مسؤولية عن هجوم النفق، دون أن يستبعد أن يكون الطيران الحربي المصري وراءه، أو أن يكون بسبب حادث عمل، لكن صحيفة الأهرام المصرية الرسمية قالت: إن وسائل إعلام إسرائيلية نقلت عن مسؤولين في الجيش الإسرائيلي قولهم: إن «الهجوم إسرائيلي، وجاء ردًا على سقوط صواريخ إيلات».

تنسيق مصري إسرائيلي لمواجهة «ولاية سيناء»

يجمع بين مصر وإسرائيل تنسيق أمني وُصف بـ«الكبير» على لسان الجنرال يعقوف عميدرور الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، هذا التنسيق يتخذ التنظيمات المسلحة المتشددة في سيناء هدفًا رئيسيًا له، وهو تنسيق لفت إليه أيضًا إيلي كارمون الباحث الإسرائيلي في المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب، تعليقًا على سقوط صواريخ في إيلات من سيناء الذي اعتبره أول هجوم من سيناء على اسرائيل منذ عامين، عندما قال لوكالة الأنباء الفرنسية إن «إسرائيل تزود الجيش المصري بمعلومات استخباراتية حول الجهاديين، لكنها تحاول ألا تتورط بشكل مباشر».

وبالرغم من التحفظ المصري حول الإفصاح عن التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل لمواجهة الجماعات المسلحة المتشددة في سيناء، وبالأخص تنظيم «ولاية سيناء»، الذي انتعش وزادت عملياته عقب بيان القوات المسلحة في الثالث من يوليو (تموز) 2013 وعزل محمد مُرسي عن رئاسة الجمهورية، إلا أن الجانب الإسرائيلي دائمًا ما يشيد بين الحين والآخر بهذا التنسيق، من خلال مسؤولين حاليين وسابقين ووسائل الإعلام الاسرائيلية.

وفي يوليو (تموز) الماضي، قال السفير الإسرائيلي في القاهرة حاييم كورين، بوضوح إنّ «هذه واحدة من أفضل الفترات من حيث التعاون بين الحكومتين» يقصد مصر وإسرائيل، في تعبير مشابه لما ذكره يائير جولان نائب قائد الجيش الإسرائيلي، عندما قال: إن العلاقات الإسرائيلية المصرية «لم تكن أفضل حالًا مما هي عليه اليوم»، مضيفًا في تصريحات لصحيفة هآرتس الاسرائيلية، «إن الأمر لا يتعلقُ بعلاقة عاطفية، وإنما بتقاسم قيم مشتركة». السفير الإسرائيلي أكّد أيضًا حالة التعون الجيدة بين الجيشين و«التفاهمات حول سيناء».

وفي التفاصيل، كشف مسؤول إسرائيلي سابق تنفيذ سلاح الجو الإسرائيلي غارات جوية من طائرات بدون طيار في شبه جزيرة سيناء، خلال السنوات الأخيرة، بعد علم النظام المصري وموافقته عليها، وقال المسؤول الإسرائيلي السابق تلك التصريحات لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» في 11 يوليو (تموز) الماضي. الصحيفة ذاتها، أكدت في تقريرها أنه منذ تسلم الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم في مصر عام 2013، «دخل البَلَدَان شيئًا يشبه العصر الذهبي في العلاقة بينهما»، واصفةً العلاقات الاستخباراتية بينهما بـ«الوثيقة».

وذكرت الصحيفة الإسرائيلية إن «إسرائيل قد سمحت لمصر بتحريك أسلحة ثقيلة من دبابات ومدفعيات ومروحيات هجومية إلى داخل سيناء لمحاربة من و المتطرفين»، مع غض الطرف عن بعض بنود في معاهدة السلام كامب ديفيد) التي وقعت بين البلدين عام 1979. على حد تعبير الصحيفة الاسرائيلية.

وهو ما أكدته أيضًا صحيفة «إسرائيل إنترناشيونال نيوز» في تقرير لها يعود إلى أبريل (نيسان) الماضي، لفتت فيه إلى أن إسرائيل خففت في السنوات الأخيرة، من تمسكها بشروط معاهدة السلام، فيما يخص تعداد القوات المصرية المسموح به في المعاهدة. من خلال السماح لمصر بإرسال قوات لها في شبه جزيرة سيناء لـ«محاربة التمرد الإرهابي المستمر هناك».

واستشهدت الصحيفة بأن إسرائيل، سمحت لمصر، بإرسال المزيد من قواتها إلى سيناء، لمواجهة الاضطرابات التي تبعت الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي، كما لفتت الصحيفة إلى أن طائرات سلاح الجو المصري، مرت في ديسمبر (كانون الأول) 2015، عبر الأجواء الإسرائيلية كجزء من حملة عسكرية مصرية ضدجماعة «ولاية سيناء».

ضربات إسرائيل في سيناء

وبلغة أكثر وضوحًا تحدّث رون بن يشاي الخبير العسكري الاسرائيلي بشأن التنسيق المصري الاسرائيلي في سيناء، مُحذرًا من أن تظل غاراتها على مناطق في سيناء بطائرات دون طيّار أمرًا غامضًا.

ولفت بشاي خلال مقال نشره بصحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، في يوليو (تموز) الماضي، إلى « أن العادة جرت على ألا تنفي إسرائيل الهجمات في سيناءأو تؤكدها ، وأنها قد تكون حذرة من التعليق خشية إثارة الرأي العام أو النظام المصري، فقد يبدي الأخير تذمره من استهداف الكرامة الوطنية». المثير للاهتمام كان توصيف بشاي للاختراق الإسرائيلي للمجال الجوي المصري بـ«الانتهاك الفاضح للسيادة المصرية»، ومع ذلك لم توقف تلك الغارات التعاون المصري مع إسرائيل.

ومن بين الغارات التي شنتها إسرائيل على سيناء ضد عناصر «ولاية سيناء»، كان أحدها في أغسطس (آب) 2013، أثناء إعدادهم لصواريخ كانوا ينوون إطلاقها على إسرائيل، ذلك بالإضافة إلى مقتل عدد من قادة «أنصار بيت المقدس» عقب استهدافهم بطائرات استطلاعية إسرائيلية في مايو (أيار) 2014.

ويبدو أن تلك الضربات لا تكون صائبة دائمًا في استهدافها عناصر التنظيمات المسلحة في سيناء، فكثيرًا ما توقع ضحايا مدنيين، ففي مساء يوم 20 يناير (كانون الثاني) قُتل ثمانية مدنيين، وأصيب آخر، إثر سقوط قذيفة على منزل جنوبي مدينة رفح الواقعة شمال سيناء، وذلك بحسب «بي بي سي»، التي لفتت إلى عدم إعلان أية جهة مسؤوليتها عن الحادث، ولكن نشطاء سيناوين أكدوا وقوف طائرات إسرائيلية وراء الهجوم، الذي أسفر بحسبهم عن مقتل 10 مدنيين بينهم طفل.

في المقابل تجاهلت اسرائيل الواقعة ولم تنفها أو تثبتها، كما أن الواقعة أيضًا لم تُثر اهتمام المتحدث العسكري المصري؛ إذ لم ينفها أو يثبتها، أو يرسل التعازي لأسر ضحاياه كما اعتاد، ولم تنشر الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري المصري على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» أية بيانات بشأنها.

ضربات «ولاية سيناء »في إسرائيل

عقب إسقاط الرئيس المخلوع حسني مبارك في فبراير (شباط) 2011، نشأت في نفس العام جماعة «أنصار بيت المقدس في سيناء» وبرزت جهودها في استهداف خطوط مد اسرائيل بالغاز المصري عدة مرات، في استهداف يمكن وصفه بـ«غير المباشر» لإسرائيل، ذلك بالإضافة إلى بعض العمليات التي استهدفت إسرائيل في نهاية أغسطس (آب) 2012، ومطلع 2013.

وبعدما أعلنت تلك الجماعة مبايعتها لـ«تنظيم الدولة» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، لتحمل اسم «ولاية سيناء»، تبنت أكثر من عملية استهداف لاسرائيل بشكل مباشر، بلا إصابات.

إذ تُعد تبني ولاية سيناء لعملية إطلاق صواريخ على إيلات في فبراير (شباط) الجاري، هو ثاني عملية تستهدف اسرائيل، وتتبناه جماعة «ولاية سيناء» ، ووقعت أول عملية في اسرائيل تتبناها ولاية سيناء، في يوليو (تموز) 2015 عندما انطلقت صواريخ ولاية سيناء من سيناء، لتسقط في جنوب إسرائيل دون أن تسفر عن أية إصابات.

وقبل هاتين العمليتين، شنّت جماعات مسلحة في سيناء، يعتقد أنهم بعد ذلك انضموا لولاية سيناء، أو على صلة بها، عددًا من الهجمات على إسرائيل، من أبرزها: وقوع عدد من الصواريخ من سيناء على اسرائيل في صيف عام 2014 عقب أسبوع من العدوان الاسرائيلي على غزة.

وفي 18 أغسطس (آب) من عام 2011، قتلت مجموعة مسلحة قادمة من سيناء ثمانية اسرائيليين في ثلاث هجمات شمال إيلات، قبل أن تطار قوات الاحتلال الاسرائيلية المهاجمين وتقتل سبعة منهم، كما قتلت قوات الاحتلال أيضًا خمسة من قوات الأمن المصرية في تبادل لإطلاق النار على الحدود المصرية الاسرائيلية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد