في مساء الثالث من مايو لهذا العام توقفت سيارة أمام معرض فني يحضره مائتا شخص في مركز مؤتمرات “كورتيس كالويل” شمال مدينة “جارلاند” في ولاية تكساس الأمريكية، معرض فني ومسابقة لأفضل الرسومات الكاريكاتيرية والكارتونية التي تسخر من النبي محمد (ﷺ) نظمتهما “باميلا جيلر” إحدى أشهر ناشطات الحركات المضادة للإسلام في الولايات المتحدة منذ 2009، هبط من السيارة رجلان مسلحان ببندقيتي رايفل – سنعرف فيما بعد من شرطة تكساس أنهما كانا يرتديان درعين واقيين من الرصاص- وقاما بفتح النار مباشرة على أحد حراس المركز تمهيدًا لاقتحام المعرض، ونجحا بالفعل في إصابة الحارس قبل أن ينجح أحد ضباط الشرطة الأمريكية المكلفة بتأمين إضافي للحدث في قتلهما، لأحد المهاجمين (إلتون سمبسون) و(نادر حامد الصوفي) علاقة وثيقة بأحد أشهر الحسابات التابعة للتيار الجهادي الإسلامي على موقع تويتر (حساب يدعى Australi Witness أو الشاهد الأسترالي) وهي المعلومة التي صرحت بها (ريتا كاتز) المديرة التنفيذية لشركة (Site Intelligence) إحدى أشهر شركات التتبع الإلكتروني والمتخصصة في اقتفاء الآثار الإلكترونية لـ {التيارات الجهادية والمنظمات المتبنية لمعتقد (سيادة البشر بيض اللون)} وذات العلاقة الوثيقة والتعاون المشترك مع الحكومة الأمريكية، بدت ريتا واثقة تمامًا مما تصرح به لمراسل Fairfax ومضيفة بثقة أكبر أن هذا الحساب يديره شخص قاطن في ملبورن، وإن كان الأستراليون يريدون معلومات أكبر فعليهم الاهتمام بالأمر بأنفسهم فالولايات المتحدة يكفيها ما بالداخل تمامًا، فلماذا عليها أن تتبع الأخطار في الخارج أيضًا؟! سؤال منطقي صمت أمامه المراسل مع ثقة ريتا التامة في المعلومات التي تقدمها شركتها الاستخباراتية، ما دامت ريتا بنفسها تؤكد المعلومات عن هذا الناشط الإلكتروني فمن يمكن أن يشكك فيها؟!

بعد الحادثة مباشرة غرد الشاهد الأسترالي على تويتر قائلًا (ندعو الله أن يكافئ مجاهدي عملية جارلاند بمقعد في الجنة مباشرة بجوار النبي محمد “ﷺ”)، ثم أضاف تغريدة أخرى بعدها بعدة ساعات (ندعو الله أن ينتقم من كل أولئك الذين أذوا النبي محمد “ﷺ” وأن يجزي كل أولئك الذين يدافعون عن شرفه الجنة)، الشاهد الذي عرف نفسه منذ شهور على تويتر بأنه (جندي من جنود تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”) و (المدافع عن الشريعة الإسلامية في أستراليا)، والذي كان أحد الحسابات الشهيرة التي طالبت بالهجوم على المعرض الفني على تويتر وقام – قبل الهجوم بعدة أيام- بنشر خريطة تفصيلية للمركز مع مشاركة تغريدة نصها (هاجموا بقنابلكم، بأسلحتكم أو حتى بسكاكينكم) منسوبة إلى حساب آخر لأحد مؤيدي تنظيم الدولة.


بعد أيام قليلة من فشل الهجوم والتغريدتين قام الشاهد الأسترالي بالتغريد لكن هذه المرة لنشر شيء أهم، دليل إلكتروني من خمسين صفحة تحت عنوان (دليل مفيد لتبيين كيفية الهجرة إلى الدولة الإسلامية) يشرح بدقة تفصيلية كيفية السفر والوصول إلى تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والانضمام إليه، كيف تسافر وتعبر الحدود التركية وحتى كيفية إعداد حقيبة السفر، كل شيء تقريبًا وهو ما أتبعه الشاهد لـ Fairfax أن فكر تنظيم الدولة بدأ يملك عقول الأجيال الجديدة، ثم أضاف أن هذه حرب سيتم النصر فيها عن طريق استغلال قوة وسائل التواصل الاجتماعية الجديدة، ثم أشهر أخرى قليلة من التصاعد والشهرة والزخم وحساب على تويتر يواصل عمله كأحد أهم حسابات مؤيدي تنظيم الدولة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد هذه الأشهر وفي أول سبتمبر الحالي سينشر الشاب وراء حساب تويتر صورة لقنبلة قيد التصنيع وسيعلن أنه بصدد التجهيز – مع بعض رفاقه الجهاديين- لهجمات على الولايات المتحدة وأستراليا إحياءً لذكرى هجوم تنظيم القاعدة على برجي التجارة العالميين قبل خمسة عشر عامًا.

في الحادي عشر من سبتمبر – صبيحة الجمعة- قامت المباحث الفيدرالية بمداهمة بيت لعائلة بسيطة في ولاية فلوريدا تدعى عائلة (راين)، وألقوا القبض على الابن (جوشوا) البالغ من العمر عشرين عامًا، ثم قدمت المباحث الفيدرالية تفسيرًا مقتضبًا للعملية: (جوشوا راين) الشاب العشريني القاطن في فلوريدا هو صاحب حساب (الشاهد الأسترالي) على تويتر، وهو المحرض والمغرد لكل ما عليه منذ إنشائه وحتى الآن، تفسير فاجئ الجميع بلا استثناء!

ما الذي حدث؟!

كان عسيرًا على الجميع تصديق أن من يكمن وراء أحد أهم الحسابات الجهادية الإنترنتية هو مجرد شاب يهودي أمريكي يقطن في الولايات المتحدة بعيد كل البعد عن منابع الأحداث التي يشارك بشكل رئيسي فيها، وعندما ألقت المباحث الفيدرالية القبض عليه وجهت له تهمًا عقوبتها على الأقل هي السجن لمدة عشرين عامًا، فـ (جوشوا) لم يخدع فقط أغلب الصحفيين الذين تواصلوا معه أو تابعوه وإنما قام بخداع بعض أهم خبراء الاستخبارات في الولايات المتحدة وعلى رأسهم (ريتا كاتز) المستشارة السابقة للحكومة الأمريكية والتي صنفته حينها على أنه (أحد أعضاء النخبة الجهادية على الإنترنت) بنص حديثها لـ Fairfax Media، ولم يكتف بهذا وإنما قام بانتحال شخصية المحامي والكاتب الأسترالي الشهير (جوش بورنشتاين) ابن السياسي الشهير (ديفيد بورنشتاين) وهي عملية انتحال سيأتي ذكرها بعد قليل.

تنوعت الاتهامات بين (ممارسة الاحتيال/ الخداع الإلكتروني/ التحريض على ارتكاب أعمال إرهابية/ نشر معلومات متعلقة بصناعة المتفجرات والأسلحة/ التشجيع على الانضمام لجماعات إرهابية)، قائمة اتهامات تكفي تمامًا لنفي جوشوا وراء القضبان الأمريكية لعقود طويلة، وهو ما دفع الفتى اليهودي في البداية لنفيها أمام المحققين، وهو النفي الذي تمت مواجهته من السلطات الفيدرالية بالمعلومات الموثقة؛ فلم يصمد جوشوا إلا قليلًا، معلومات عن إرساله في الفترة من “19 أغسطس : 28 أغسطس” لتفاصيل صناعة قنبلتين يشبهان ما تم استخدامه في تفجيرات ماراثون بوسطن قبل عامين والتي أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة مائتين وستين آخرين على أن يتم استخدامها في تفجير الحفل التذكاري لـ (كانساس سيتي) أكبر مدن ولاية ميزوري بمناسبة أحداث 11 سبتمبر، وشملت التفاصيل التي أخبرها جوشوا للشخص المنوط به تنفيذ العملية كيفية إضافة المسامير الحديدية والقطع المعدنية وغيرها من مكونات مغموسة في سم فئران لإحداث أكبر ضرر ممكن بحسب ما قاله المدعي العام الأمريكي (لي بنتلي)، لذلك وعندما تمت مواجهة جوشوا بكل ذلك غير أقواله إلى الاعتراف الصريح بأن المعلومات التي أرسلها كانت ستؤدي إلى صنع قنبلة حقيقية لكنه أصر على أن الهدف من إرسال المعلومات للشخص المنوط به التنفيذ هو أن تنفجر القنبلة فيه أثناء إعدادها فيقتل نفسه أو ينتظر هو للحظة المناسبة ثم يبلغ الشرطة بنفسه ليلقوا القبض على (الإرهابي) متلبسًا، ويأخذ هو المدح والصيت الإعلامي!

في شق الاحتيال كانت الأمور أكثر وضوحًا، في أستراليا يعرف الجميع (جوش بورنشتاين) سليل عائلة بورنشتاين العريقة ذات السمعة الكبيرة في المجال السياسي العام والمحامي اللامع والكاتب الشهير، شخص تتمنى أي صحيفة أن تنشر له أو يكتب مقالات لديها، لذلك لم يكن غريبًا على موقع (تايمز أوف إسرائيل) أن يقبل مباشرة في أبريل الماضي تدوينة افتتح بها (جوش) مكانه ككاتب في الموقع، كانت التدوينة عنيفة تمامًا ومتطرفة دعا فيها الكاتب إلى إبادة الفلسطينيين ونشرها الموقع بكل سرور حينها وبلا تدخل، أثارت التدوينة ردود فعل غاضبة واسعة النطاق واتهامات عنيفة للكاتب أبسطها (مختل ومريض نفسي) ووصفها (بورنشتاين) بنفسه بعدها بعبارة (أشبه بالسقوط في عاصفة) مع وابل من التهديدات بالقتل، ليكتب بعدها (جوش) مقالًا طويلًا للجارديان يشرح فيه عملية الاحتيال وسرقة الهوية التي تعرض لها مع اعتذار الموقع الإسرائيلي وحذف التدوينة، بعدها بأشهر كان هذا الحدث من ضمن الاتهامات ضد جوشوا بعدما تبين أنه هو المرتكب لسرقة هوية المحامي الأسترالي، وهو ما أتبعته (تايمز أوف إسرائيل) باعتذار آخر من الطاقم التحريري للموقع.

تشويه مريم

تحت اسم الشاهد الأسترالي نجح جوشوا في خداع أغلب الجهاديين ومؤيدي تنظيم الدولة الذين آمنوا تمامًا أنه واحد منهم مؤثر وشديد الأهمية، كان جوشوا ينشر آراءه ومقالاته في صورة الشخص المدافع إلى ما لا نهاية عن حرية التعبير والخطاب بأسماء أخرى مع إظهار ازدرائه الشديد دائمًا تجاه المؤسسات والأفراد الذين يدعمون فرض قيود على الخطابات التي تحث عن الكراهية وأقنع الجميع أنه عمل لفترة لا بأس بها في منظمة العفو الدولية، ثم قام بعدها بإنشاء صفحة مزيفة على الفيسبوك منتحلًا هوية صحفية أسترالية تدعي “إليس بوتاكا” للتواصل مع أحد معارفها وهو الشاب الجهادي الشهير (محمد ثورن) المتواجد على قائمة مراقبة الإرهاب الأسترالية في نفس الوقت الذي عقد صداقة فيه بين حسابه الرئيسي (الشاهد الأسترالي) والناشطة المسلمة الأسترالية الشهيرة في مجال مكافحة الإسلاموفوبيا (مريم فيزاده)، وفي الحالتين كان الهدف تشويههما، وكما قال هو فيما بعد عن مريم (إنها عاهرة يسهل تشويهها)، في نفس الوقت الذي اختلق فيه شخصية وهمية تحت اسم (تانيا كوهين) كناشطة أسترالية متطرفة وأنشأ مدونة باسمها تحمل عنوان (ذبح مايكل) وهي مدونة نازية بامتياز.

ما بدأ رحلة كشف جوشوا أنه بعدما أنشأ الصفحة باسم إليس ثم راسل محمد على الخاص كان الفتى الجهادي في نفس الوقت يراسل إليس ليخبرها بأمر حساب مزيف على تويتر، نفس الجمل ونفس الأسلوب ونفس الكلمات، وهو ما زرع الشك في نفس الصحفية لتبدأ رحلة البحث وراء ما يحدث، بداية البحث كانت رحلة قصيرة في الشبكة العنكبوتية لتجد مدونة ومجموعة من المنشورات فيها تحت اسم “جولدبرج” وتعريف شخصي أنه (مؤلف وكاتب مقالات أمريكي) لكن المزيد من البحث أوضح أنه لم ينشر أي حرف في أي وسيلة إعلامية شهيرة وذات مصداقية، ثم تم التوصل إلى حساب له على تويتر يدعي (MoonMetropolis) وبمواجهته اعترف أنه انتحل شخصية إليس على الفيسبوك ومحمد على تويتر وأنه استخدم اسم الأخير للتواصل مع جهاديين آخرين.

(جوشوا راين مع عائلته.. مصدر الصورة “فيسبوك”)

 

 

ما كشفت عنه التحقيقات أن جوشوا كان متورطًا وراء نشاطات إنترنتية احتيالية كثيرة وليس فقط ما ذكر أعلاه، فثبت أنه كان في القلب من حملة كراهية ضد النساء العاملات في مجال ألعاب الفيديو تدعى (Gamergate) فضلًا عن مسئوليته عن مدونة تدعى (فلسفة الاغتصاب) طالب فيها باغتصاب النسويات والعاهرات – مع وضعهما في نفس المقام- لوضعهن في مكانهن الصحيح، في نفس الوقت الذي نشر فيه آلاف التدوينات على منتديات مثل (Reddit) و(4chan) تحض على العنصرية تحت شخصية مستعارة صنعها لتظهر كمنتمية للنازيين الجدد!

بعدما ألقت المباحث الفيدرالية القبض عليه أرسلته إلى مؤسسة متخصصة ليخضع لتقييم نفسي لتقرير إن كان صالحًا للمحاكمة أم لا، إجراء أمريكي روتيني مع المتهمين الذين لديهم سجلات من تلقي علاج نفسي أو يمتلكون تشخيصات بأمراض نفسية، لكن الدكتورة (شاكيرا حسين) الكاتبة والباحثة في الدراسات الإسلامية في جامعة ملبورن كتبت مقالًا عما حدث قائلة في نهايته إن عددًا لا بأس به من المسلمين كان في نفس ظروف جوشوا وتورطوا في تهم شبيهة مع امتلاكهم لسجلات تثبت تلقيهم لعلاجات نفسية وأنهم ليسوا بكامل صحتهم العقلية، ومع ذلك فقد أدينوا وحكم عليهم بالسجن، (سيكون مثيرًا أن نرى ما الذي سيؤول إليه أمر جوشوا – مثلهم أم لا- الذي يبدو الحكم عليه بالسجن أمرًا مفروغًا منه بكل ما فعل) كما قالت.

عرض التعليقات
تحميل المزيد