خلال الأيام الماضية كشفت صحف ألمانية وبريطانية، آلاف الوثائق «السرية»، التي تضم بيانات شخصية لأعضاء تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، من 51 جنسية حول العالم. لاقت تلك الوثائق انتشارًا واسعًا بين الأوساط الإعلامية وأجهزة مخابرات البلدين، التي مالت لصحة الوثائق، وسط تشكيك خبراء لمصداقية الوثائق.

كيف وصلنا إلى الوثائق؟

في 8 مارس (آذار) 2016، أعلنت السلطات الألمانية حصولها على وثائق سرية لـ«تنظيم الدولة»، تضم بيانات المُلتحقين الأجانب بالتنظيم. حصلت السلطات على الوثائق من مجموعة صحافيين استقصائيين يعملون لدى قناة شمال ألمانيا (إن.دي.إر)، وقناة غرب ألمانيا (في.دي.إر)، وصحيفة زود دويتشه الألمانية. وتضم استمارات عضوية لأعضاء التنظيم، تحوي 23 خانة مرتبطة بمعلومات شخصية، ولم تذكر السلطات الألمانية عدد تلك الوثائق واكتفت بتلك المعلومات سالفة الذكر.

لكن معلومات أكثر تفصيلًا أفصحت عنها صحيفة سكاي نيوز البريطانية، في 10 مارس (آذار) 2016، بإعلانها حصولها على 22 ألف وثيقة تضم بيانات أعضاء التنظيم، سلمتها للسلطات البريطانية، بعدما التقت بعضو منشق عن التنظيم يُعرف باسم «أبو حامد»، هو من سرب تلك الوثائق.

ويحكي أبوحامد- الذي كان من أعضاء الجيش السوري الحر قبل أن ينضم للتنظيم الذي انشق عنه في النهاية- قصة حصوله على الوثائق، كاشفًا عن سرقته «يو إس بي» تحوي تلك الوثائق، من رئيس شرطة الأمن الداخلي للتنظيم، وسلمها لصحافي الصحيفة البريطانية في تركيا.

ويقول أبو حامد، إن أمله خاب من قيادة التنظيم «الذي أصبح يُديره جنود سابقين من حزب البعث العراقي، التابع لصدام حسين»، مُضيفًا أن «قواعد الإسلام انهارت تمامًا داخل التنظيم»، ما دفعه لمغادرته.

وبحسب زعم أبي حامد، فإن تنظيم الدولة الإسلامية، ونظام بشار الأسد، وقوات حماية الشعب الكردية، جميعهم يعملون سويًا ضد المعارضة السورية «المعتدلة»، كما أعرب الرجل عن آماله في أن تُساهم تلك الوثائق في تدمير التنظيم.

أبرز ما تضمنته تلك الوثائق

يظهر من الوثائق المسربة، أنها تابعة لما يُسمى «الإدارة العامة للحدود»، التابعة بدورها لـ«تنظيم الدولة». وتأتي كل استمارة تحت عنوان «بيانات المجاهد»،أسفلها جدول يضم 23 سؤالًا عن الكثير من البيانات الشخصية، من أبرزها: الكنية، واسم الأم، وتاريخ الميلاد ومكانه، وتاريخ الانضمام للتنظيم، والمهمة التي يُفضل القيام بها (مقاتل أم استشهادي أم انغماسي)، وتاريخ القتل ومكانه إن وقع.

وقد تبين من الوثائق، أن الأعضاء ينبثقون من عشرات الجنسيات؛ حوالي 50 جنسية حول العالم، توزعوا على معظم قارات العالم. وحلل موقع زمان الوصل السوري المحسوب على المعارضة، الوثائق الـ22، ليتبين أن بها الكثير من البيانات والاستمارات المكررة، لتُصفى تلك الوثائق وصولًاإلى بيانات 1736 مقاتل فقط، حوت تلك الوثائق بيانات 122 انتحاريًا.

ويتضح من الوثائق هيمنة الجنسيات العربية على أعضاء التنظيم، لتفوق نسبتها 72%، احتل بينهم السعوديون الصدارة بنسبة تقارب 27 % بعدد 485 سعودي، ليليهم التونسيون بنسبة تقترب من 21% ،بعدد375 تونسي، بينما احتل المغاربة المركز الثالث بعدد 140 مغربي، ليعقبهم المصريون بعدد 101 مصري. وفي المركز الخامس يأتي الأتراك بـ57 تركي، وبذلك تحتل تركيا صدارة الدول غير العربية، لتليها فرنسا بـ 35 فرنسي.

 

هذا، ولم تخلُ القائمة من الألمانيين (18 مقاتلًا)، والبريطانيين (16 مقاتلًا) والأمريكيين (أربعة مقاتلين)، ذلك بالإضافة إلى عدد من الجنسيات المختلفة.

وكان من اللافت، تراجع نسبة الجنسيات السورية (1.7% فقط)، والعراقية (1.2% فقط) ،وهي نسب لم يعتد بها الموقع، «لأن الوثائق تم تنظيمها من قبل (الإدارة العامة للحدود)،والتي توازي (إدارة الهجرة والجوازات)، وتشرف غالبًا على الداخلين إلى البلد، ولا تهتم ببيانات من هم موجودون في البلد أصلًا. وبناءً عليه فإن أعداد السوريين في التنظيم تبقى غير واضحة، باعتبار أن سوريا تشكل في عرف التنظيم (معقل أرض الخلافة)»، بحسب الموقع الذي أضاف: «وما ينسحب على حملة الجنسية السورية، يمكن أن يقال في حق أصحاب الجنسية العراقية، الذين لا تتخطى نسبتهم 1.2%»

ردود الفعل الألمانية والبريطانية على الوثائق

لم تصدر ردود أفعال رسمية عالمية تجاه تلك الوثائق، لكنها حظيت باهتمام كل من ألمانيا وبريطانيا، وبالأخص أجهزة الاستخبارات لتلك الدولتين، وربما يُفسَّر ذلك بأن عدد من صحف الدولتين، هم أول من حصلوا على تلك الوثائق وسلموها بشكل رسمي إلى السلطات والجهات المعنية في بريطانيا وألمانيا.

ففي ألمانيا، رجحت الشرطة الجنائية الألمانية صحة ما حصلت عليه من وسائل إعلامية ألمانية، إذ قال المتحدث باسم الشرطة الجنائية، ماركوس كوتس،لوكالة فرانس برس، يوم الخميس، العاشر من مارس (آذار)2016: إن «الشرطة الجنائية الفيدرالية على علم بهذه الوثائق العائدة لما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية. الأمر يتعلق على الأرجح بوثائق صحيحة ونحن نأخذها في الاعتبار، في إطار ملاحقاتنا الجنائية وإجراءاتنا الأمنية»

ونقلت صحيفة دويتش فيلله الألمانية، تصريحات لوزير الداخلية الألماني توماس ديميزيير، قال فيها: إن «هذه الوثائق من شأنها المساعدة على فهم أفضل لهيكلة التنظيم الإرهابي. وستسرع من وتيرة التحقيقات التي تجريها السلطات الألمانية، حول الأشخاص الذين يريدون الالتحاق بصفوف التنظيم الإرهابي». هذا وتجدر الإشارة إلى أن السلطات الألمانية تُفيد بأن هناك حوالي 800 جهادي انتقل من ألمانيا للقتال مع تنظيم الدولة في سوريا والعراق، قُتل منهم 130 شخص وعاد حوالي ثلثهم إلى ألمانيا.

أما في بريطانيا، فقد رفض وزير الداخلية البريطاني التعليق على ما أسماها بـ«مسائل أمنية وطنية»، تماشيًا مع سياسة البلاد، وفي السياق ذاته علقت المُتحدثة باسم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، بقولها: إن «الحكومة تنظر كيف يمكن استخدام تلك المعلومات في الحرب ضد داعش، فإن ساعدت فنحن نرحب بها».وأضافت في تصريحات نقلتها صحيفة ذا لوكال الألمانية، في العاشر من مارس (آذار) 2016: «نحن لم نكن على علم بالقصة قبل تقرير سكاي نيوز».

من جانبه وصف ريتشارد باريت– أحد كبار المسئولين السابقين لجهاز الاستخبارات البريطانية (إم 16 -M16)- التسريبات بـ«بمنجم ذهب من المعلومات الهامة والحساسة»، فيما أفادت صحيفة الجارديان البريطانية،أن أجهزة الاستخبارات البريطانية الثلاثة، إم 16، وإم ،15 وجي سي اتش كيو (GCHQ)، مستمرون في العمل على الوثائق المُسربة، ويركزون بشكل أولي على أسماء البريطانيين، لنظر إمكانية الحصول على خيوط لمعلومات قد توصلهم بجهاديين آخرين، أو الوصول لشكل هيكل تنظيم الدولة، مُشيرةً إلى أنّ كثيرا من البريطانيين الوارد أسماؤهم في الوثائق هم معروفون سلفًا وقد قُتل معظمهم.

مواضع الشك في مصداقية الوثائق

شكك عدد من الخبراء والمحللين في عدد من الصحف الأجنبية والعربية، من مصداقية الوثائق، باعتبارها حوت صياغات غير معهودة على إصدارات التنظيم، وركزت شكوكهم بشكل أساسي، ليس على صحة المعلومات الواردة في الوثائق، بقدر ما شككوا في كونها مأخوذة من قلب بيانات التنظيم نفسه. ورجح بعضهم أن أبا حامد نفسه هو من أعد الوثائق – التي قد تكون صحيحة- ليستفيد ماديًا من تسريبها لتلك الصحف العالمية.

وارتكزت شكوك الخبراء على 3 ملاحظات رئيسة وهي:

  1. أن اسم التنظيم جاء في الوثائق المُسربة بصياغتين مُختلفتين في كل استمارة؛ فقد جاء تارة باسم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» في وسط الاستمارة، وعلى يمين الاستمارة جاء على العلم باسم «دولة الإسلام في العراق والشام».
  2. التواريخ الواردة في الوثائق ترجع للتقويم الميلادي، مع أن إصدارات التنظيم دائمًا تأتي بالتقويم الهجري.
  3. في الخانة رقم 22 الواردة في الوثائق مكتوب «تاريخ القتل والمكان»، مع أن التنظيم دائمًا ما يذكر لفظ «استشهاد»، عند مقتل أحد أعضائه ولا يستخدم لفظ «قتل» الوارد في الاستمارة.
عرض التعليقات
تحميل المزيد