ربما شاهدت فيديو حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة ورأيت كيف أعدمته داعش، ومن بعده كيف أعدمت أكثر من 40 عراقيًا بنفس الطريقة. ويمكن أن تكون طالعت فيديوهات الذبح للصحفي الأمريكي جيمس فولي والياباني كينجي كوتو على يد الجهادي جون الذي تم الكشف عن هويته مؤخرًا باسم “محمد إموازي”، والواحد وعشرين عاملًا مصريًا في ليبيا وكيف تم ذبحهم في مشهد أشبه بالتصوير السينمائي على شواطئ ليبيا. كل رهائن داعش الأكثر صيتًا تم قتلهم بطرق وحشية على مرأى ومسمع من العالم. ماذا إذًا عن الأسرى الذين خرجوا أحياءً؟ في هذا التقرير نستعرض عددًا من أسرى “داعش” الذين نجوا. 

الاستخبارات تهزم داعش؟

تعد الاستخبارات الحصان الرابح في مفاوضات الرهائن، تدخلت عدة دول باستخباراتها لإنقاذ مواطنيها ومنها:

تركيا: من ضمن أشهر الصفقات التي على إثرها تم استعادة أسرى لدى تنظيم الدولة هي صفقة الأسرى الأتراك، 49 من طاقم القنصلية التركية في الموصل في العراق – من بينهم القنصل العام أوزترك يلمظ وطفلان، و3 عراقيين يعملون بالقنصلية – تم احتجازهم في 11 يونيو من العام الماضي، وتم إطلاق سراحهم في صفقة اكتنفها الغموض بعد ثلاثة أشهر من الأسر، كان أبطالها وكالة الاستخبارات الوطنية، بالتنسيق مع مكتب رئيس الوزراء ووزير الخارجية.

تحدث تقرير لـميتن جورسان الباحث في الشئون الأمنية التركية عن تنقل الأسرى الأتراك 8 مرات خلال فترة أسرهم، وتم وضع 3 خطط لإنقاذ الرهائن ما بين عملية عسكرية أو مفاوضات وإقناع داعش بإطلاق سراحهم، وأخيرًا دفع فدية – الأمر الذي رفضته دول أخرى كالولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة البريطانية واعتبرته تعاونًا مع الإرهابيين.

وذكر نفس التقرير أن
نجاح العملية يعود لكون الاستخبارات التركية على تواصل دائم مع مصادر لدى داعش وجيش النقشبندي ومجلس قبائل الموصل، وأكدت تركيا على عدم تدخل أي استخبارات أجنبية في عملية الإنقاذ هذه. ووفقًا للوسائل الإعلامية الناطقة باسم الدولة أعلنت أن الخليفة البغدادي بنفسه هو من أمر بالإفراج عن الأسرى الأتراك، وذلك لرفض تركيا المشاركة في ضربات التحالف ضد داعش.

وتحدث نفس التقرير عن عملية نقل الأسرى إلى مكان أكثر أمانًا، بالتأكيد الرقة عاصمة خلافة الدولة ومن ثم إلى الحدود التركية وتسليمهم لمسئولين أتراك ومن ثم استقبال رئيس الوزراء لهم في المطار استقبالًا يليق بما تعرضوا له.

وتُشير تقارير أخرى إلى أن 32 من سائقي سيارات النقل الأتراك والذين كانوا قد تم أسرهم قبل أسبوعين – أسر طاقم القنصلية أي في مطلع يونيو 2014 –  قد أُطلق سراحهم أيضًا بعد شهر يوليو 2014  من الاحتجاز ولم تعط  تركيا أي معلومات حيال هذا الأمر، ذلك يُرجح أن تكون لنفس الأسباب التي سبق ذكرها مع طاقم القنصلية.

وكذلك بنيامين أيجون، الصحفي التركي الذي تم إطلاق سراحه بعد احتجازه لعدة أسابيع في سبتمبر 2013.

وفرنسا أيضًا: 

إدواردو إيلياس، ديديه فرانسوا، نيكولاس هينين، بيير توريس 4 صحفيين فرنسيين تم إطلاق سراحهم في أبريل من العام المنقضي بعد 10 أشهر من الأسر، تم العثور عليهم بواسطة دورية تركية معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي لكن بصحة جيدة إلى حد ما على الحدود السورية التركية، وتُصر الحكومة الفرنسية أنها لم تدفع فدية مقابل إطلاق سراحهم مؤكدةً على “أن الدولة لا تدفع فدية وهذا لكي لا يتكرر الفعل مرة أخرى، وأن كل شيء تم بالتفاوض ولا يمكن الإفصاح أكثر من ذلك حيث أن هناك أسيرين فرنسيين آخرين لدى داعش”. ونفى وزير خارجية فرنسا أن يكون قد تم إطلاق سراحهم مقابل إمداد داعش بالسلاح.

نيكولاس هينين الصحفي الفرنسي وقع في الأسر لمدة 9 أشهر، ويحكي تجربته في الأسر أنه شارك في زنزانته كل أسير أجنبي قد تم ذبحه وتصوير عملية قتله بدءًا من جايمس فولي ومرورًا بـستيفين سوتولوف ودايفيد هاينز والآن هيننج، وأخيرًا بيتر كايسج الذي كان قد أعلن إسلامه وسمى نفسه بـعبد الرحمن، وجون كانتلي الذي لم يُعرف مصيره حتى الآن تستخدمه داعش في فيديوهات دعائية لها.

ديديه فرانسوا الصحفي الذي تحدث في حوار مباشر مع سي إن إن حول ظروف اختطافه وأوضاع الأسر، وأوضح أنها كانت سيئة للغاية وكان عليهم التنقل من مكان لآخر في وقت قليل، كان يتعرض ديديه لضرب مبرح لكنه يوضح أنه ليس كالضرب الذي يتلقاه السوريون والعراقيون، والتعذيب البشع الذي كان على مرأى ومسمع منه، وأشار إلى أن أعنف مقاتلين هم البريطانيون ويجيء بعدهم الأفارقة الناطقون بالفرنسية، في خلال العشرة أشهر لم يرَ فرانسوا زملاءه في الأسر لعدة أشهر متتالية ظلوا حبيسي قبو أحد المواقع، تحدث الصحفي أن داعش لم يتكلموا بالقرآن أبدًا وإنما كان مجمل أحاديثهم أحاديث سياسية بحتة عن السيطرة وغيرها، وأنهم لم يسمحوا لهم حتى بالحصول على مصاحف، ديديه متيقن أن هذا ليس هو الإسلام.

الفدية المالية مقابل الحرية: الحكومات تلتزم الصمت

ما بين عمال إغاثة خاطروا بحياتهم لإنقاذ الوضع الإنساني المتدهور في سوريا فأصبحت حياتهم في خطر بعد الأسر، وبين صحفيين دخلوا مناطق الخطر بحثًا عن المعلومة؛ تلتزم حكوماتهم الصمت حول حوادث خطفهم وتحريرهم، ومنهم:

جيرتا راميلي وفانيسا مارزولو عاملتا إغاثة عادتا أحياء في يناير الماضي بعد خمسة أشهر من الأسر، وتتحفظ الحكومة الإيطالية عن إبداء أي معلومات عن الصفقة ويُرجّح أنه تم إطلاق سراحهما مقابل فدية مالية. فريدريكو موتكا عامل إغاثة إيطالي تم اختطافه لمدة 14 شهرًا من مارس 2013 إلى مايو 2014، ومن ثم إطلاق سراحه وسبق العمل له في مناطق منكوبة مختلفة مثل أفغانستان، وتظل معلومات عن احتجازه والمفاوضات لخروجه غير واضحة.

دومنيكو كويريكو صحفي إيطالي تم اختطافه في يونيو 2013 وإطلاق سراحه في سبتمبر من نفس العام أي بعد ثلاثة أشهر من الاحتجاز، ولم يذكر كيف تم تحريره. نيكولاس هامرستورم وماجنوس فالكيهيد، اثنان من الصحفيين الهواة غير التابعين لوكالة بعينها كان قد تم إطلاق سراحهما في يناير الماضي أيضًا بعد 90 يومًا من الأسر، ورفضت الحكومة السويدية الإفصاح عن أي معلومات حول كيف تم أسرهم أو إطلاق سراحهم.

خافيير إسبينوسا، ريكاردو جارسيا فيلانوفا صحفيان إسبانيان تم أسرهم في سبتمبر 2013، ومن ثم إطلاق سراحهم في مارس من العام المنصرم بعد احتجازهم لمدة ستة أشهر، وتم نقلهم للحدود السورية التركية ثم إلى إسبانيا، وفي مؤتمر صحفي قال الصحفيان أن ليس باستطاعتهم الإفصاح عن (كيف كان احتجازهم؟ أو كيف فازوا بحريتهم؟).

الألماني ذو الـ27 عامًا، تم الإفصاح عن اسمه “توني إن” فقط وتحفظت الحكومة على ذِكر إطلاق سراحه حتى وصل الأمر للإعلام، وتُصر الحكومة الألمانية أنها لم تدفع فدية، وفي المقابل تذكر صحيفة “فيلت” وفقًا لمصادرها أن الإفراج عنه “كان له ثمن”.

بعد أن نجا من الأسر لدى داعش، قد يتم مقاضاته لدفع فدية مقابل حياته!

دانيال راي أوتسن والذي تم الإفراج عنه مقابل 1.3 مليون يورو بعد احتجازه لمدة 13 شهرًا، والذي يعاني من ديون متراكمة على خلفية قيام أخته بعمل حملة سرية لجمع أموال الفدية التي طلبتها داعش بشكل سري ودفعها مقابل حريته، يواجه أخوها خطر المقاضاة حيث أنه قام بدفع فدية مقابل إطلاق سراحه، وهو ما شددت عليه عدة دول منها الدنمارك بأن سياساتها ضد دفع الأموال وابتزاز الجماعات الإرهابية وأن هذا سوف يفتح الباب لمزيد من خطف الرهائن والمساومة والابتزاز مع الإرهابيين.

أطباء بلا حدود، أصبحوا أطباء تحت التهديد

تم أسر مجموعة تتكون من 5 أفراد من منظمة “أطباء بلا حدود” والتي تهدف لإنقاذ المنكوبين وتقديم الرعاية الصحية اللازمة لهم في يناير 2014، وتم إطلاق سراح 3 منهم في أبريل والاثنين الآخرين في مايو من نفس العام، وتحفظت مؤسستهم عن الحديث عن جنسياتهم أو أسمائهم أو ظروف إطلاق سراحهم وذلك خوفًا على حياتهم، واكتفت بالقول أنهم في طريقهم لأسرهم وأن صحتهم بخير.

حوادث تكررت على مدار ثلاثة أعوام منذ ظهور التنظيم في سوريا وامتداده في أرجاء الدول العربية، ويذكر أن التشابه الوحيد بين جميع قصص الخطف، هو طلب الفدية ومن ثم التحفظ التام عن إبداء أي معلومات عن ماهية خروج الرهائن والظروف المحيطة بكل عملية والتي بالتأكيد تختلف عن الأخرى، فلكل منها ظروف خاصة وأيضًا مقابل لا يعمله أحد إلا أطراف الصفقة. الأمر الذي يجعل محاربة الكيان الذي هز العالم ببشاعة جرائمه أكثر صعوبة، وتثبيت أقدامه بعمليات الخطف ودفع دول عظمى للتفاوض على حياة مواطنيها يجعل تنظيم الدولة يشعر بأنه لن يكون في عزلة كما يتصور البعض، أو يتم القضاء عليه بعدة ضربات جوية، وإنما يظهر بأنه كيان له كلمة يسمعها العالم ومُجبر على تنفيذها إن لزم الأمر.

 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد