منذ يومين، هجر التابعين لتنظيم الدولة الإسلامية المعروف باسم «داعش» منصتهم المفضلة «تيليجرام»، والتي يستخدمونها من أجل خدمات المراسلة؛ وذلك بعد أن توجهوا إلى منصة تواصل جديدة، وهي الإصدار الحديث من تطبيق «تام تام»، والذي أطلقته شبكة تواصل اجتماعي روسية كبرى تدعى «أودنوكلاسنيكي» عام 2016. فما الذي تعرفه عن هذا التطبيق الجديد؟ ولماذا يهاجر إليه أنصار «تنظيم الدولة»، وهل هو بعيد عن السياسة، وأكثر حماية للخصوصية حقًا؟

سر التطبيق الروسي «تام تام»

في مايو (أيار) 2017، أطلقت مجموعة «Mail.ru» الروسية، وهي المالكة لشبكات تواصل اجتماعي كبرى إحداها «أودنوكلاسنيكي»، الإصدار الجديد من برنامج تام تام، والذي يستند إلى بنية برمجية جديدة تتيح للمستخدمين استبدال الرسائل النصية، والمكالمات الصوتية والمرئية، هذا بالإضافة إلى مجموعة خدمات أخرى يوفرها البرنامج مثل المدونات والمنافذ الإعلامية.

«يحتوي التطبيق على خدمة تأمين الرسائل المتبادلة بين الأشخاص، وتشفيرها»

يعد الإصدار الحديث منصة رسائل سريعة وآمنة للغاية؛ إذ يجري تشفير جميع المحادثات الخاصة وتخزينها من خلال التوزيع على شبكة من الخوادم، فقد سعى البرنامج إلى صنع بروتوكول تشفير نقل البيانات الخاص به، والذي لم يفصح المصممون حتى الآن عن ماهيته. هذا بالإضافة إلى استخدام خوارزميات الحماية المعروفة، مثل بروتوكول «TLS»، وهو بروتوكول تشفير يعمل على تأمين طبقة النقل؛ أي يستخدم في توفير قناة اتصال آمنة بين طرفين على الشبكة، ويعمل على تشفير البيانات المتبادلة بينهما وجعلها غير مرئية لمنع أي طرف ثالث من كشفها أو الاطلاع عليها أو التدخل لتعديلها، مما يجعل الأمان على المنصة مضاعفًا.

تنص شروط الاستخدام لتطبيق «تام تام» على ضرورة الالتزام بقوانين روسيا الفيدرالية، فيما ينشر على القنوات العامة للمنصة، وهو الأمر الذي يحظر بشكلٍ صارم دعوات العنف أو التطرف والإرهاب. إلا أن هذه الشروط لا تطبق على قنوات المحادثة الخاصة.

(إعلان تطبيق تام تام على يوتيوب)

على الرغم من أن هذا الـتطبيق قد جرى تصميمه ليكون شبيهًا بمنصة التواصل الاجتماعي الروسية «تيليجرام»، والتي تعتبر أكثر المنصات أمانًا في تبادل الرسائل، لقدرتها الهائلة على التشفير وحماية البيانات من خلال بروتوكولات خاصة. إلا أن تام تام قد قدمت خدمة إضافية على منصتها لمستخدميها، وهي القدرة على إنشاء حسابات مجهولة، غير مرتبطة برقمِ الهاتف الجوال. بعكسِ تيليجرام التي تشترط رقم الهاتف من أجل إنشاء حساب.

الجدير بالذكرِ أن مجموعة «Mail.ru» المالكة لتطبيق «تام تام» قد قالت إن التطبيق له قاعدة جماهيرية في إيران، مع عدم التصريح بحجم قاعدة المستخدمين هناك. إلا أن السلطات الإيرانية قد عملت على حجب التطبيق الجديد داخل إيران في السابع من إبريل (نيسان) 2018.

لماذا هجر تنظيم الدولة الإسلامية تيليجرام؟

كان تيليجرام هو المنصة الأساسية لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، منذ ما يقرب من أربعة سنوات؛ إذ سعى التنظيم من خلاله إلى إنشاء العديد من القنوات الجهادية العلنية، والتي اعتبرها وكالات رسمية للأخبار؛ يستخدمها القادة في تغطية أخبار العمليات الجهادية المسلحة؛ مثل «مركز أخبار الإيمان» و«وكالة ناشر للأنباء»، وأخرى كانت خاصة بالتبشير عبر الإنترنت، وأخرى استخدمت قنوات تعليمية، متخصصة فيما سماه التنظيم تعاليم الجهاد. هذا بالإضافةِ إلى استخدام التطبيق في المراسلات الخاصة بين أفراد التنظيم، نظرًا لعوامل الأمان في تيليجرام، وآليات تشفير البيانات الخاصة به.

(تقرير وكالة سي إن إن عن استخدام داعش لمنصة التيليجرام)

«تيليجرام هو من هجر تنظيم الدولة الإسلامية»؛ إذ عكفت منصات التواصل الاجتماعي مثل: «فيسبوك» و«تويتر» و«جوجل» بالتعاون مع الوكالة الأوروبية لتطبيق القانون «يوروبول»، على اتخاذ واحد من أكثر الإجراءات صرامة؛ إذ أغلقوا من خلال مبادرة مشتركة أكثر من 5 آلاف حساب وقاموا بمحو أكثر من 25 ألف عنصر من بينهم منشورات وفيديوهات وقنوات اتصال، وذلك باعتبارهم أدوات دعاية للإرهاب والعنف والتطرف. وقد كان تيليجرام ضمن هذه المنصات.

لم تكن تلك هي الهجمة الأولى من التطبيق الأكثر أمانًا على قنوات «تنظيم الدولة الإسلامية»؛ إذ قامت المنصة بإغلاق جميع القنوات المحسوبة على التنظيم عام 2015، وخلال هجمة أخرى عام 2018، إلا أن «داعش» قد قامت باستغلال آليات الأمان في المنصة من أجل تدشين قنوات جديدة في فترة وجيزة، وفي 22 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الحالي، عاود تيليجرام هجماته ضد التنظيم للمرة الثالثة، فأصدرت وكالة «يوروبول» بيانًا صحافيًا يشير إلى أن جزءًا كبيرًا من العناصر الرئيسية لـ«تنظيم الدولة» قد جرى إبعادهم عن المنصة.

تلى ذلك بيان آخر أصدرته منصة «تيليجرام» نفسها، يشير إلى محو ما يقرب من 2096 حسابًا تابعين للتنظيم قد جرى رصدهم يوم 22 نوفمبر، إضافةً إلى 2959 في اليوم التالي. وقد استهدفت حملة الإزالة هذه المرة الحسابات الرئيسية لعناصر «وكالة ناشر الإخبارية»، وهي الجهة المعنية بنشرِ أخبار التنظيم. وبين ليلة وضحاها، من 21 إلى 22 نوفمبر، اختفت عشرات القنوات والمجموعات المسؤولة عن توزيع محتوى «تنظيم الدولة»؛ إذ جرى حذف حسابات مسؤوليها.

كانت تلك الحملة الممنهجة لتطهير المنصات الاجتماعية من كل ما يمت بصلة لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، حافزًا لهجرة أنصار التنظيم من منصتهم المفضلة تيليجرام، واستبدالها بتطبيق تام تام، الذي يستخدم خوارزميات أمان مشابهة، ليصبح بذلك المنصة التي ينشر من خلالها التنظيم أخباره، عبر وكالة أنباء خاصة، هي «وكالة ناشر للأنباء»، والتي دشنت قناتها الخاصة على النطبيق الجديد في 29 نوفمبر؛ وذلك بعد أسبوع من تضييق الخناق عليهم. 

وعلى الرغم أن التنظيم سرعان ما انتقل إلى التطبيق الجديد؛ إلا أن هناك بعض الأصوات التي دعت التنظيم لتدشين منصته الخاصة. وفي رسالة مشفرة، حذرت «مجموعة قريش الإعلامية» المؤيدة للتنظيم من أن ما تقوم به منصة تيليجرام، قد يؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية؛ إذ سيضطر التنظيم في النهاية إلى خلق منصاته الخاصة، والتي سيكون من المستحيل على المجتمع الدولي تعقبها.

هل «تام تام» هو أداة في يد المخابرات الروسية؟

في إبريل (نيسان) 2018، قامت السلطات الروسية بحجب خدمة رسائل تيليجرام، وذلك بعد رفض القائمين على المنصة الامتثال لأمر محكمة يتيح للأمن الروسي الوصول لرسائل المستخدمين المشفرة. قبل الحجب بأيام قليلة، كانت إعلانات المنصة الجديدة تام تام قد بدأت في الظهور على العديد من قنوات التيليجرام، وانتشر الترويج لها في الصحف، قائلين أن هذا التطبيق الجديد هو «نسخة كاملة» من تيليجرام. مما كان يعني أنه التطبيق الشعبي الجديد الذي يمكن أن يحل محل التيليجرام في روسيا.

(تقرير عن حجب روسيا لمنصة تيليجرام)

يشير موقع الأخبار الروسي «Meduza»، إلى أن تصميم تام تام قد أتى مقاربًا لما عليه التيليجرام، حتى في اختيار الاسم والاختصار، فـتيليجرام يعرف باختصاره «t.me»، في حين يختصر تام تام إلى «tt.me». وفي نفس اليوم الذي اتخذت فيه المحكمة قرارًا بحجب منصة التيليجرام داخل روسيا، اشترت تام تام إعلانات كاملة الصفحات في الصحف الروسية المطبوعة، مثل: «فيدوموستي» و«كوميرسانت». وحتى الآن انتقلت كل من وكالة التحقيقات الفيدرالية الروسية ومحكمة بطرسبرج والمكتب الصحفي الروسي إلى المنصة الجديدة، مما جعل بعض التكهنات تشير إلى أن المخابرات الروسية، تسيطر تمامًا على المنصة.

وقد ارتفع عدد المستخدمين لـ تام تام إلى عشرة أضعاف بعد حجب التيليجرام، في الوقت ذاته، نفى «الكرملين» -مجلس الشيوخ الروسي- أي علاقة قد تجمع بين المخابرات الروسية، والتطبيق الجديد. 

هجوم لندن بريدج.. عودة قوية لـ«داعش»

بعد يوم واحد، من انتقال أنصار تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى المنصة الجديدة، وتدشين قناتهم الخاصة «وكالة الناشر للأنباء»، أعلن التنظيم يوم 30 نوفمبر، من خلال هذا المنفذ الإعلامي مسؤوليته عن «هجوم لندن بريدج».

كان المسؤول عن تنفيذ الهجوم هو عثمان خان، البالغ من العُمر 28 عامًا؛ والذي قتل برصاص الشرطة بعدما نجح بعض المواطنين في القبض عليه وتقييده. وذلك بعدما قام بطعن اثنين من المارة على جسر لندن حتى الموت هما: «جاك ميريت» 25 عامًا، و«ساسكيا جونز» 23 عامًا، وجرح ثلاثة آخرين، فيما عُرف إعلاميًا باسم «هجوم لندن بريدج الإرهابي».

كان الهجوم هو النبأ الأول للتنظيم على المنصة الجديدة، والتي تعمل بالأساس بوصفها تطبيق مراسلة خاص، إلا أنها تتيح لمستخدميها عبر القنوات العامة، بث رسائلهم لجمهورٍ غير محدود؛ وقد جاء هذا الإعلان بمثابة صدمة للمجتمع الدولي، والذي أعلن في مؤتمر 25 نوفمبر الفائت، إن «داعش» لم يعد لها مكان على الإنترنت؛ فاستيقظ الجميع يوم 30 نوفمبر على 1200 رسالة موجهة من التنظيم عبر 100 قناة تابعة للتطبيق الروسي الجديد.

 

المصادر

تحميل المزيد