ظهرت أكشاك الفلافل والمقاهي لتلبية احتياجات السائقين على مشارف حقل العمر، أكبر حقول النفط شرق سوريا، على طول 6 كيلومترات تنتظر شاحنات دورها لملء نفط خام ومن السائقين من ترك شاحنته لأكثر من شهر دون حراسة في انتظار دورهم تحت بصر طائرات حربية تحلق فوقهم.

يقع ريف دير الزور حيث حقل “كونكو” للغاز ثاني أكبر حقل في الشرق الأوسط تحت سلطة “الدولة الإسلامية” الآن، والقريب من مطار دير الزور العسكري، وحقل العمر للنفط والغاز والذي يصل إنتاجه إلى 30 ألف برميل يوميًّا، وتنتج “الدولة الإسلامية” في سوريا ما يصل إلى 150 ألف برميل يوميًا من حقول في دير الزور والبوكمال بأثمان بخسة ويصل أغلبه في النهاية للنظام السوري عبر وسطاء يتاجرون فيه.

بالإضافة إلى ما تبيعه للمواطنين داخل سوريا، تستخدم الدولة الإسلامية كميات من النفط الخام الذي تنتجه وتقوم بتصفيته لاستخدامه في إنتاج المازوت والبنزين الذي تستخدمه الآليات الثقيلة، وتوفير أكثر من 1200 ميجاوات من الطاقة الكهربائية للمسلحين، ويمنحها مصدرًا لتمويل المزيد من عملياتها وشراء سلاح وتجنيد المزيد من المسلحين في صفوفها.

تملك الدولة الإسلامية هدفًا منذ ظهرت في سوريا 2013 وهو إقامة “دولة نفطية” وهو الضامن لبقائهم وتمويل طموحهم بإنشاء الخلافة، في تحقيق أجرته Financial Times” عن النفط كوقود للجماعات “المتطرفة” قال السكان المحليون إن المسلحين يؤمّنون نحو 253 حقل، من بينها 161 حقلًا عاملًا. ويدير هذه الحقول 275 مهندسًا و1107 من العمال وتحتوي على احتياطي يقدر بـ20 مليار برميل من النفط على أقل تقدير يأتي لها المهندسون للحفر وشحن النفط إلى السوق، “هم مستعدون دائمًا، لديهم مسؤولون عن الجانب المالي وفنيون مهرة لعمليات التعبئة والتخزين ومهندسون مدربون”، وقال شيخ من بلده الحويجة قرب كركوك: “إنهم جلبوا مئات الشاحنات إلى كركوك والموصل وبدأوا باستخراج النفط وتصديره بمعدل 150 شاحنة تمتلئ يوميًّا قيمة ما تحمله الواحدة 10 آلاف دولار”.

شبكة عالمية مثل تنظيم القاعدة تعتمد بالأساس على التبرعات من الجهات الراعية الغنية لكن الدولة الإسلامية استمدت قوتها المالية من مكانتها كمنتج ومحتكر لسلعة أساسية مستهلكة بكميات كبيرة في جميع أنحاء المنطقة التي تسيطر عليها حتى دون أن تكون قادرة على التصدير لخارج حدودها فلديها سوق يكفيها داخل سوريا والعراق والمناطق التي يسيطر عليها المتمردون شمال سوريا من أجل بقاء المستشفيات والمتاجر والجرارات وآلات سحب الضحايا من تحت الأنقاض والدمار الذي تشارك بنفسها في صناعته.

“في أي لحظة تقرر الدولة الإسلامية خفض حصتنا من الوقود ستتوقف حياتنا تمامًا” يقول أحد تجار النفط الذي يأتي من حلب تحت سيطرة المتمردين كل أسبوع.

حتى اليوم فالدولة الإسلامية محظوظة بالنفط، والقصف السوري لم يستهدف حقول النفط حتى الآن مقابل أمريكا التي تستهدفه أحيانًا، من جانب آخر ربما يسيطر المستهلكون على مصدر آخر للنفط بعيدًا عن الشراء من الدولة الإسلامية ويمثل هذا ورقة ضغط؟ ربما، فالجميع حول الدولة الإسلامية يتوقف حياته على النفط.

خطة الدولة الإسلامية للضغط على الدول المجاورة حتى يقدموا يد التعاون

بحسب تقرير صادر عن المركز العالمي للدراسات التنموية ومقره العاصمة البريطانية لندن، فإن المسلحين يسعون للسيطرة على النقاط الحدودية مع دول الجوار وبخاصة الأردن لاستخدامها كأوراق ضغط على تلك الحكومات والحد من التبادل التجاري النفطي الذي كان يخدم تلك الدول ومن انضم منها للتحالف الدولي الذي تقوده أمريكا ضد الدولة الإسلامية، حيث بلغت الصادرات الأردنية إلى العراق العام الماضي قرابة 1.6 مليار دولار في حين أن الأردن تستورد قرابة 20 ألف برميل من النفط يوميًّا. نفس الأمر بالنسبة لتركيا التي تصدر للعراق نحو 12 مليار دولار وهو ما سيؤثر على الاقتصاد التركي على المدى البعيد إلا إذا لم تستسلم الدول المجاورة – المهددة – للتعامل مع الدولة الإسلامية وجعلها العالم دولة معزولة ومحاصرة وتفويت الفرصة على الدولة “الحديثة” أن تصبح بديلًا للعراق.

هل تصبح الدولة الإسلامية دولة نفطية «بديلة» للعراق؟

الصراع بين الحكومة والدولة الإسلامية يهدد صناعة النفط بالعراق وقدرة الدولة على الوفاء بوعد زيادة صادراتها بسبب الأحداث الأمنية، فالعديد من المشاريع النفطية المستقبلية بالعراق مهددة.

كان من المقرر أن تشهد المناطق الغربية بالعراق مد أنبوب نفطي للأردن يصدر ما بين 2- 2.5 مليون برميل نفط يوميًّا، نفس المنطقة تشهد الآن عمليات عسكرية مستمرة بين الحكومة والدولة الإسلامية وهو ما يؤخر إنجاز الأنبوب، كما ربط إقليم كردستان منطقة إيفانا في حقول نفط كركوك مع حقول خورمالة ومن ثم بالأنبوب المستقل عن بغداد والذي يصل إلى جيهان في تركيا، مما يجعل إمكانية زيادة الصادرات من شمال العراق مشكلة حقيقية لبغداد.

أصبح جنوب العراق خطرًا حيث انتشار الصراع قد يجبر الشركات النفطية الأجنبية على المغادرة. فقد سحبت “إكسون موبيل” الأمريكية موظفيها الأجانب من حقل غرب القرنة 1. أما بريطانيا فقد أعربت شركاتها النفطية مثل “بريتيش بيتروليوم” و”رويال دتش شل” عن قلقها من التدهور الأمني الحاصل وتأثيره على سلامة البنى التحتية للنفط والعاملين في تلك الشركات.

لتكمل العراق دورها في قطاع النفط تحتاج لاستثمارات تقدر بـ175 مليار دولار في حين أن الخسائر التي تكبدها هذا القطاع بسبب العمليات العسكرية والنزاع النفطي مع إقليم كردستان تفوق 4 مليارات دولار خلال النصف الأول من عام 2015 فقط.

العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة “أوبك” بعد المملكة العربية السعودية، ستكون مضطرة لاستيراد 600 ألف برميل من المشتقات النفطية مع استمرار إغلاق مصفى بيجي وتحمل تكلفة ذلك لجانب المعارك التي تخوضها يوميًّا والتي زادت من 7 ملايين دولار منذ بداية الأزمة في الأنبار إلى ما لا يقل عن 50 مليون دولار يوميًا بعد اتساع رقعة الصراع لتشمل الموصل وصلاح الدين وسامراء.

على الجانب الآخر ما تزال الدولة الإسلامية تواصل جني ما يصل إلى 50 مليون دولار شهريًا من بيع النفط الخام من حقول خاضعة لسيطرتها، في إطار صناعة أخفقت الغارات الأمريكية لمدة عام في وقفها حتى الآن، في ظل وجود أموال لإصلاح البنية التحتية والدعم السخي الذي يضمن ولاء المقاتلين مما مكن التنظيم من الصمود حتى الآن.

وفق مسؤول أمريكي بارز على معرفة مباشرة بقطاع النفط لدى التنظيم في تصريح لوكالة “أسوشيتد برس”، فإن تنظيم الدولة الإسلامية تمكن من جلب معدات وخبراء تكنولوجيا للمحافظة على سير الصناعة، مضيفًا أن إدارة الدولة الإسلامية للنفط “دقيقة بشكل متزايد” بجانب انخفاض سعر برميل النفط لديها.

التعاون بين «الأسد» و«الدولة الإسلامية» من أجل الكهرباء بات معلنا «ومخيفا»

هما يتقاتلان بالفعل على الأرض لكن لا مانع من صفقات سرية، الامر لا بد منه في سوريا بعدما سيطرت الدولة الإسلامية على 95% من النفط السوري، فبات مهندسو النفط الحكوميون يعملون تحت حماية الدولة الإسلامية وحقول تحت سيطرتها في إحدى الصفقات المشتركة مع نظام الأسد وحيث قتلت الدولة الإسلامية الجنود وعلقت رؤسهم.

يتقاتل الطرفان إلا أنهما يتفقان في تقاسم حقول الغاز بسبب حاجة الطرف السوري للكهرباء بعدما تبقى للنظام ثلاث محطات للكهرباء مقابل 8 سيطرت عليها الدولة الإسلامية.

اعترفت وزارة النفط والموارد الطبيعية السورية بأن بعض موظفيها يعملون تحت حماية الدولة الإسلامية وكان معظم من ترسلهم الحكومة للعمل من “السنة”، وأكد العاملون بالحقول أن الاتفاق قائم على أساس أن تدفع الحكومة السورية أجور ومعيشة العاملين في الحقول، فيما يقوم التنظيم بتوفير الغاز لتوليد الكهرباء. وفي النهاية يقتسم الجانبان الكهرباء، فالعاملون في حقل توينان للغاز القريب من حلب، يقومون بإرسال الغاز المنتج إلى محطة توليد كهرباء حلب، التي تنتج نحو 120 ميغاوات. ويقوم نظام الأسد والتنظيم باقتسام الكهرباء المنتجة، حيث تأخذ حكومة دمشق 120 ميغاوات، فيما يأخذ تنظيم الدولة الإسلامية 50 ميغاوات
ويتوسط لهذه الصفقات رجل الأعمال السوري جورج حسواني المالك لشركة “هيسكو” والمتعاون مع الدولة الإسلامية ونظام الأسد ويدفع للدولة الإسلامية من أجل حماية معداته.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد