حذَّرت وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورنس بارلي، من عودة تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى الظهور في سوريا والعراق، وقالت، إنَّ التنظيمَ خسرَ الجغرافيا لكنه لم يخسرِ التحرك، بحسب تعبيرها، في حين كشفت وزارةُ الدفاعِ البريطانية عن شن مقاتلاتِها الحربيةِ غاراتٍ جويةً على مواقعَ لـ«تنظيم الدولة» في سوريا والعراق، موضحةً أن الضرباتِ جاءت لمنعه من التحرك وشنِّ الهجمات.

إذا كان عام 2019، هو عام إعلان القضاء على «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) في سوريا بعد خسارته معقله الأخير شرقي البلاد في بلدة الباغوز بريف دير الزور، فإن عام 2020 شهد عودة نشاط التنظيم وخلاياه المتفرقة، موجِّهًا ضربات للنظام السوري وحلفائه الروس والإيرانيين في عموم البادية السورية، وبعض مناطق العراق التي تحولت إلى ميدان واسع يتحرك خلاله التنظيم، فهل فعلًا عاد التنظيم مجددًا؟ «ساسة بوست» تحدث مع خبراء في الشأن العسكري، ومسئولين عراقيين وسوريين، للإجابة عن هذا السؤال.

بعد مقتل «البغدادي» وتزعم «المولى».. كيف باتت إستراتيجية التنظيم؟

في 27 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أعلن الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، مقتل زعيم تنظيم «داعش»، في غارة نفذتها القوات الخاصة الأمريكية في بلدة «باريشيا» التابعة لمدينة إدلب في شمال غرب سوريا. كان مقتل «البغدادي» إنجازًا مهمًّا في الحرب ضد التنظيم، ففي سنوات ريعه، استطاع «داعش» أن يبسط السيطرة على مساحات شاسعة من العراق وسوريا، تفوق 100 ألف كيلو متر مربع، وتحكم في مصائر 7 ملايين نسمة.

وبعد ثلاثة أيام من مقتل «البغدادي»، أعلن المتحدث باسم التنظيم «أبو الحسن المهاجر»، تعيين «أبي إبراهيم الهاشمي القرشي» خلفًا للبغدادي، وحول هُوِيَّة الأخير، أوضح الخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية، والضابط السابق في الجيش العراقي، العقيد الركن «حاتم كريم»، أنَّ «عبد الرحمن سعيد المولى، أمير تنظيم «الدولة»، هذا الرجل التركماني الأصل من مدينة «تلعفر»، من مواليد 1976، لديه شهادة بكالوريوس في العلوم الشرعية، أخذ هذه الشهادة من مدينة المَوصِل».

«المولى» كان أبوه خطيبًا وإمامًا لجامع الفرقان في مدينة المَوصِل وكان مفوهًا، ويعد هذا الرجل هو المثل الأعلى بالنسبة لـ«محمد المولى»، وعرف هذا الرجل بأنه متشدد، اعتُقل محمد المولى في سجن «بوكا» في أواخر عام 2007، وهناك تقارير استخباراتية أوردتها صحيفة «واشنطن بوست»، تقول بأنه كان متعاونًا للغاية خلال فترة اعتقاله إذ أدلى بمعلومات خطيرة وسلم أرقام 19 قياديًّا من تنظيم «الدولة»، وأن القيادة الأمريكية اعتقلت الكثير من هؤلاء بناءً على المعلومات التي أدلى بها المولى عند سجنه.

ويشير كريم، إلى أنَّ أبا بكر البغدادي كان يعتمد على المولى في كثير من الملفات، وعينه مشرفًا على عدد من الولايات في العراق في المدَّة السابقة، هو الرجل الذي استقبل البغدادي عند مجيئه إلى المَوصِل»، وكان «المولى» محل ثقة بالنسبة للبغدادي، عندما سقطت مدينة «الباغوز» آخر معاقل التنظيم بسوريا، في مارس (آذار) عام 2019.

وحسب «كريم»، كان تنظيم «الدولة» بحاجة إلى إعادة هيكلية بعض القيادات، خصوصًا بعد مقتل «البغدادي»، وخسارة الكثير من المدن التي سيطر عليها بعد يونيو (حزيران) عام 2014، فاجتمعت القيادات واتفقت على أن يكون «المولى» هو الأمير الجديد للتنظيم، ولم يخل الأمر من بعض الاعتراضات من قبل العناصر الأجنبية داخل التنظيم.

ولكن الغالبية رأت أن هذا الرجل كان أقرب الشخصيات للبغدادي، وبذلك لديه تفاصيل كثيرة واطلاع واسع على شؤون التنظيم، وهو عراقي الأصل، ويمكن له أن يقوم بإعادة «تنظيم الدولة» وإحيائه وبنائه مرة ثانية في العراق.

دولي

منذ شهر
«فتّش عن الغاز».. ما الذي يحدث في موزمبيق الغارقة في الدماء؟

«بعد أن استلم المولى القيادة، كان لا بد له أن يقوم بإعداد هيكل جديد للتنظيم، يتناسب مع قدرات التنظيم الجديدة، لأن تعرضه إلى ضربات كبيرة للغاية، أضعف قدراته العسكرية والبشرية والمادية، لذا أصبح التنظيم مترهلًا حسب الهيكل السابق، فكان لا بد من إعداد هيكل جديد أكثر مرونة، وأكثر انكماشًا من السابق»، طبقًا لحديث كريم.

أعد المولى هيكلًا جديدًا، هذا الهيكل قلص فيه «التنظيم» ولاياته، من 35 إلى 14 ولاية، أما المسألة الثانية فقد كان هناك 14 ديوانًا، فحصرها في خمسة دواوين فقط، تشمل الجند، والمال، والقضاء، والإعلام، وتشمل أمورًا أخرى في التنظيم.

ويضيف الخبير العسكري، أن «التنظيم قلص قدراته العسكرية، فقد كان لديه من عام 2014 إلى عام 2017 ثلاثة جيوش، (جيش الخلافة، وجيش دابق، وجيش العسرة)، في كل جيش من هذه الجيوش 12 ألف مقاتل، وعلى هذا أصبحت هذه الجيوش غير موجودة الآن، بعد أن خسر التنظيم المدن الكبرى في العراق وفي سوريا، وبذلك أعد المولي هيكلًا جديدًا حسب القدرات الجديدة البشرية للتنظيم، لأن الحاضنة الاجتماعية أصبحت قليلة بالنسبة للتنظيم».

وباعتقاد حاتم كريم، فإن التنظيم اعتمد في هيكلته الجديدة على اللامركزية، ومبدأ التمويل الذاتي، يعني أنَّ «هناك تمويلًا ذاتيًّا ليس مثل السابق، كان هناك تمويل متوفر بشكل كبير جدًّا، كان هناك نفط وكانت هناك أمور أخرى يستطيع التنظيم أن يمول نفسه بواسطتها. أصبحت الأمور الآن تدار بمرونة أكثر من السابق، لأن الترهل أصاب التنظيم، وهذا الأمر استفاد منه التنظيم لكي يباشر عملياته الجديدة، سواءً كانت في العراق أو في سوريا».

عناصره تختبئ في العراق وتتمدد في سوريا

وفي حديثه لـ«ساسة بوست»، أفاد «كريم» بأنَّه بعد انحسار رقعة «أرض خلافة» تنظم «الدولة»، وأصبح العراق ولاية واحدة، بعد أن كان عدة ولايات، «قسم التنظيم هذه الولاية إلى 11 قاطعًا، في كل قاطع موجود كتيبة واحدة، الكتيبة تتكون من 350 مقاتلًا إلى 400 مقاتل، وبهذا تكون أعداد التنظيم في العراق من 3500 مقاتل إلى 4 آلاف مقاتل».

علمًا بأن التقارير التي ذكرها ممثل الأمم المتحدة لـ«مكافحة الإرهاب»، فلاديمير فورونكوف، تقول بأنه يوجد أكثر من 10 آلاف مقاتل لتنظيم الدولة ما بين العراق وما بين سوريا. وفي الوقت الحالي، أصبح التنظيم مقسمًا على شكل مفارز، وسرايا، وقواطع، فيقسم القاطع إلى ست سرايا، في كل سرية تقريبًا خمسون مقاتل، بمعنى أن يكون 350 مقاتلًا في كل قاطع من هذه القواطع، هذه السرية أيضًا قسمت إلى مفارز في كل مفرز من هذه المفارز من تسعة إلى عشرة مقاتلين.

وينتشر التنظيم في العراق، حسب «كريم»، في أربع مناطق رئيسية، مثلث محافظة الأنبار، ومحافظة صلاح الدين، ومحافظة نينوى، وهذه المنطقة هي منطقة صحراوية واسعة وكبيرة، تتخللها بعض الوديان مثل وادي حوران، ووادي القذف، والوادي الأبيض.

في هذه المنطقة سلاسل جبلية مثل سلسلة جبال «بادوش»، أو سلسلة جبال «العطشانة»، كما أن في هذه المنطقة توجد بحار «الثرثار»، التي تمتد من جنوب بغداد وصولًا إلى «راوة»، وهذه المنطقة ترتبط مع البادية السورية وترتبط مع البادية السعودية، وهي منطقة صحراوية واسعة، يتمركز التنظيم في هذه المنطقة، علمًا بأنه انطلق منها إبان تشكله عام 2014 من هذه المنطقة.

أما المثلث الثاني هو المثلث الذي يربط محافظة صلاح الدين، مع محافظة كركوك، مع محافظة ديالى، وهذه المنطقة تسمى الآن «مثلث الموت». تتخلل هذه المنطقة أيضًا العديد من الوُدْيَان مثل وادي «الكرحى»، ووادي «أم الخناجر»، وسلسلة جبال «مكحول»، وهي تؤمن سترًا وحماية لتنظيم الدولة بشكل كبير.

ويضيف الخبير العسكري، بأن «هناك بحيرة ديالى، التي تعدُّ أهم مرتكز للتنظيم الآن في هذه المنطقة، وهذه المنطقة منطقة بساتين كثيفة جدًّا، بحيث لا تستطيع القوات الأمنية اقتحامها، وبالتالي يتمركز التنظيم في هذه المنطقة، فهو منظم وقوي وشرس جدًّا».

أما القوة الخفية التي يعتمد عليها التنظيم في الوقت الحالي، فتكمن وفقًا لمعلومات «كريم»، في «الخلايا النائمة»، هذه الخلايا تقوم أولًا بجمع المعلومات، وثانيًا بالتتبع الاستخباراتي، وهي تعد قوة احتياطية للتنظيم، يستطيع التنظيم توظيفها عندما تقتضي الحاجة.

وبالانتقال إلى سوريا، أكَّد لـ«ساسة بوست»، القائد العسكري في «فيلق الشام»، التابع للجيش الوطني السوري المعارض، والمدعوم من تركيا، ميلاد حمود، «أن التنظيم يتمركز في قلب البادية السورية التي تمتد من ريفي حماة وحمص الشرقيين إلى الحدود العراقية، ومن ريفي دير الزور والرقة شمالي سوريا إلى الحدود الأردنية-السورية».

بعد مقتل «البغدادي».. عمليات تنظيم داعش بالأرقام

أوضح المتحدث باسم جهاز مكافحة الإرهاب العراقي، صباح النُّعمان، في حديث مقتضب لـ«ساسة بوست»، أنَّ «الجهاز اتجه بعد المعركة الميدانية، وبعد أن قاتل لمدة ثلاث سنوات تنظيم «داعش»، وتكللت هذه النجاحات بتحرير الموصل، والقضاء عليه، للعمل الاستخباري، أكثر من العمل الميداني، لأن التنظيم الآن هو عبارة عن مجموعة عصابات، ويحاول أن يقوم بعمليات لإشغال القوات الأمنية».

عمليات تنظيم "الدولة" خلال عام 2020

إنفوجراف نشره التنظيم عن العمليات التي قام بها في 2020 بحسبه

وأكدَّ «النعمان»، أن «التنظيم الآن اتجه إلى حرب العصابات، عبر مجموعة من المفارز هنا وهناك، ويبتعد الآن عن المدن ومراكز المدن، ويستغل الظروف القاسية للتضاريس في مناطق، خاصةً مناطق الجبال ويختبئ هناك»، ووفق بيانات تحليلات «حصاد الأجناد» المجمعة من صحيفة تنظيم «الدولة» الأسبوعية «النبأ» في 2020، أعلن التنظيم مسؤوليته عن 3033 عملية، أسفرت عن مقتل وجرح 9555 شخصًا في أنحاء العالم.

وفي الأعداد الـ52 التي نُشرت من يناير (كانون الثاني) وديسمبر (كانون الأول) 2020، قال التنظيم إنه نفذ 182 عملية ضد عملاء استخباراتيين، وقتل وجرح 250 منهم، وتبنَّى تنظيم «الدولة» تنفيذ 593 هجومًا في سوريا خلال عام 2020، أغلبها في شرقي سوريا، وأسفرت عملياته بحسبه عن ألف و327 قتيلًا وجريحًا، 901 منهم من «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية، و407 من قوات النظام السوري، و19 من فصائل المعارضة، تَبَعًا لما ذكره بيان نشرته وكالة «أعماق».

وتركزت معظم الهجمات في محافظة دير الزور، وأعلن التنظيم تبنيه 389 هجومًا هناك، ثم الرقة 59 هجومًا، و38 في حمص، و39 في الحسكة، و36 في حلب، و29 في درعا، وزاد نشاط التنظيم مؤخرًا انطلاقًا من منطقة البادية؛ إذ تبنى، خلال ديسمبر 2020، نحو 50 عملية في سوريا.

هل عاد فعلًا تنظيم «داعش»؟

يرى الخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية، حاتم كريم، أن «تنظيم الدولة» الآن غير قادر على السيطرة على المدن مثلما جرى في عام 2014، ولكنه لا يزال قادرًا على القيام بعمليات تؤدي إلى خسائر كبيرة جدًّا في القوات الأمنية.

وبما أن الأمير الجديد لديه شعبية عند أفراد التنظيم، فيعتقد كريم أن المولى لديه الإمكانية لصياغة مبدأ جديد للعمل بما يتناسب مع المتغيرات التي طرأت على التنظيم بعد مقتل البغدادي. ومن جهته، يرى حمود أنه بعد مقتل البغدادي في قرية باريشا، فإن «المولى عبارة عن أمير لبعض الخلايا النائمة في المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة السورية، وبكامل الأراضي السورية، ولكنه تنظيم بائد». وهذه الخلايا، حسب حمود، «تعتمد على المفخخات، وتعتمد على الاغتيالات، وهناك نشاط بسيط جدًّا لها في البادية السورية، ولكن هذا التنظيم انتهى نهائيًّا».

أما من وجهة نظر أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة أنقرة، والباحث المتخصص في الحركات الإسلامية، عبد الرحمن الحاج، فإن مثل هذه التنظيمات لا تموت، لأن سبب وجودها ما زال قائمًا، فهذه التنظيمات الأيديولوجية نشأت بسبب سياسي واضح هو تهميش العرب السنة، الذين يشكلون أكثرية في المنطقة، وإخضاعهم بالقوة لحكم طائفي في سوريا والعراق بحسبه.

وعدَّ عبد الرحمن الحاج، خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، «داعش» تنظيمًا لم ينته بطبيعة الحال، فقد عاد إلى الصحاري والبوادي، وهي المكان الذي لا يمكن استهدافه فيه، ثم إن «داعش» جهزت نفسها لسيناريو خسارة الأرض، وخططت لإنشاء خلايا موزعة في مناطق رخوة لا يمكن الوصول إليها، ويمكنها الانطلاق منها للتجنيد والعمليات العسكرية، بحسبه.

وحول المستفيد من عودة التنظيم، فيعتبر عبد الرحمن الحاج، أن النظام السوري منتفع من وجوده للتخويف من خطر انهيار الدولة، أما القِوَى الكردية فترغب بوجود التنظيم لاستمرار تدفق الدعم والوجود الأمريكي، ولا أحد غير هؤلاء يريد بقاء «داعش»، بحسبه.

المصادر

تحميل المزيد