“مزقوهم إربا، نغصوا عليهم عيشهم وعما قريب تصلكم طلائع الدولة الإسلامية” *أبو بكر البغدادي متحدثًا عن السعودية.

لم تكن السعودية بمعزل عن تهديدات داعش منذ إعلان قيام دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام في يونيو 2014، حيث وجه أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية الدعوة لأنصاره بعد أيام قليلة من إعلان دولة الخلافة لشن هجمات على السعودية واصفًا إياها “برأس الأفعى”، ومن ثم لا يمكن اعتبار حادث الرياض والذي قام فيه أحد عناصر داعش باستهداف دورية للشرطة السعودية وقتل جنديين سوى تنفيذ لتلك الإستراتيجية، ويؤكد ذلك ما حدث في وقت لاحق من إعلان السلطات السعودية أنها قامت بتفكيك خلية لتنظيم داعش تضم 93 شخصًا كانوا يخططون لتنفيذ عدة هجمات في السعودية من بينها تفجير السفارة الأمريكية بالسعودية وذلك في أمس الثلاثاء، وهو ما يثير مخاوف متصاعدة من أن تنجح داعش في تنفيذ مخططها باختراق المملكة والسيطرة على أقاليمها في إطار سعيها لتمدد إقليمي انطلاقا من سوريا والعراق.

فيديو أبو بكر البغدادي يتوعد بوصول جيشه إلى السعودية 

https://www.youtube.com/watch?v=FqVBlBnlS_s

محفزات انتشار داعش في السعودية:

وفقًا لأبحاث عديدة، يرتبط انتشار داعش في أي دولة عادة بوجود العديد من المشكلات والاختلالات الاجتماعية والثقافية في تلك الدولة، وهو الأمر الذي ينطبق على كافة الدول المستهدفة من قبل داعش، إلا أن الأمر يزداد حدة في حالة المملكة العربية السعودية خاصةً مع رغبة النظام السعودي في عدم إعلان تلك المشاكل والاستمرار في إنكارها، ويعد من أهمها:

1- ضعف الحراك الجيلي:

على الرغم من أن نسبة الشباب تمثل 67% من عدد المواطنين السعوديين، وتحتل السعودية بهذا الرقم المرتبة الثالثة عالميًا من حيث نسبة السكان دون 29 عامًا وذلك وفقًا لدراسة تم تقديمها إلى منتدى جدة للموارد البشرية في نوفمبر 2014، إلا أن الشباب السعودي يعاني من حالة تهميش بالمقارنة بالأكبر سنًا، فعلى سبيل المثال بلغت نسبة الوظائف التي يحتلها مواطنون يزيد عمرهم عن 45 عامًا ما يعادل 55% من إجمالي العاملين في السعودية، فيما تصل نسبة الشباب دون 30 عامًا 2% من إجمالي العاملين في السعودية، وذلك حسب تحليل أجرته وحدة التحليل الاقتصادية في جريدة الاقتصادي.

ولا يقتصر الأمر على الوظائف العامة بل يمتد ليشمل الأسرة الحاكمة والوظائف القيادية أيضًا، وهو ما دفع مجلة التايم الأمريكية إلى التصريح بأن “النظام السعودي يعاني من الشيخوخة”، وعلى الرغم من أن الوزارة السعودية الحالية قد وُصفتْ بأنها أصغر حكومة في تاريخ المملكة، إلا أن تلك الحكومة لم تضم سوى ثلاثة وزراء في الثلاثينات، كما قدر متوسط عمر وزراء تلك الوزارة بحوالي 55 عامًا.

2- المناطق الفقيرة والمهمشة:

على خلاف الصورة النمطية التي يعتقدها غالبية الناس بانخفاض نسب الفقراء أو انعدامهم في المملكة العربية السعودية، تكشف مراجعة التقارير الخاصة بمكافحة الفقر العربية السعودية عن عدم صحة هذا الاعتقاد، ويلاحظ أن المملكة العربية السعودية تتجنب تحديد نسبة الفقر لديها، وبناءً على آخر تقرير إحصائي لوزارة الشئون الاجتماعية لأعداد من يحصلون على معاشات الضمان والمساعدات وصل إجمالي مبلغ الضمان والمساعدات نحو 19,6 مليار ريال، موزعة على 1,46 مليون حالة، وحالة هنا يقصد بها أسرة ومن ثم فإن عدد الأفراد الفقراء يتجاوز هذا الرقم بكثير.

https://twitter.com/Liberalih/status/389355962420957184

وهو ما دفع عددًا من الشباب السعودي في أبريل 2014 إلى استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، وموقع اليوتيوب للتعبير عن الاحتجاج من الأوضاع الاقتصادية السيئة، وتدني رواتبهم، والمطالبة بحل أزمة السكن، مشيرين إلى أن 60% من الأراضي يمتلكها أمراء العائلة الحاكمة، ويعد الفيديو التالي واحدًا من أشهر مقاطع اليوتيوب لتلك السلسلة من الاحتجاجات، وهو احتجاج “عبد العزيز الدوسري” الذي يوجه حديثه إلى الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز موضحًا سوء الأحوال المعيشية، حيث يعلن أنه يتقاضى ما يقدر بمبلغ 500 دولار فقط من الدولة، كما يرجع الدوسري أسباب التفجيرات والموجات الاحتجاجية بسبب تهميش بعض المناطق.

فيديو احتجاج أحد المواطنين السعوديين على سوء الأحوال المعيشية

https://www.youtube.com/watch?v=SmuGHRFiXq8

3- الفكر الوهابي “المتشدد”:

ينتشر الفكر الوهابي “المتشدد” في المملكة العربية السعودية وعلى خلاف تلك الادعاءات التي تزعم انخفاض نسب التشدد الديني في السعودية، تكشف مراجعة العديد من الممارسات سواء على المستوى الرسمي أو غير الرسمي استمرار التشدد الديني، فعلى سبيل المثال رصدت جريدة الديلي تليجراف البريطانية في تقرير نشرته في فبراير الماضي عودة رجال الشرطة الدينية من جديد في أسواق جدة والرياض، ومصادرة عباءات نسائية ملونة.

ويتزامن ذلك مع وصول الملك سلمان إلى السلطة، والذي يعرف بقربه من المؤسسة الدينية السعودية المحافظة، وقد قام الملك سلمان بإدخال ثلاثة أفراد من قبيلة الشيخ التي ينحدر أصلها إلى “محمد بن عبد الوهاب” إلى حكومته، كما عين الشيخ “سعد بن ناصر الشثري” مستشارًا له والذي كان الملك “عبد الله” قد خفض رتبته بعد معارضته للاختلاط في الدراسات العليا بجامعة أبحاث الدراسات العليا.

مؤشرات انتشار داعش في السعودية:

على الرغم من صعوبة تحديد خريطة واضحة لأماكن تواجد داعش في المملكة العربية السعودية، وتحديد عدد وطبيعة المنتمين إليه وخلفياتهم في ظل إصرار الداخلية السعودية أن داعش لم تستطع إلا ضم عدد قليل من السعوديين، وأن تواجدها بالمملكة السعودية محدود، إلا أن هناك عددًا من المؤشرات توضح مدى انتشار داعش في المملكة العربية السعودية:

1- عمليات “إرهابية”:

نفذت داعش خلال 24 أسبوعًا خمس عمليات إرهابية في السعودية، أسفرت عن مقتل 7 من رجال الأمن، و8 من المدنيين، وبدأت أولى هذه العمليات في نوفمبر 2014 حيث تم تنفيذ هجوم على قرية “الدالوة” بمحافظة الأحساء شرقي المملكة أثناء احتفال الشيعة بيوم العاشوراء، وهي العملية التي أسفرت عن قتل 7 مدنيين، وكشفت وزارة الداخلية السعودية وجود عدد من الوثائق الإلكترونية تثبت وجود اتصالات بين المتورطين في هذه العملية وتنظيم داعش في العراق.

كذلك تم إطلاق النار على أحد المواطنين الدانمركيين المقيمين في السعودية يدعى “توماس هوبنر” في الرياض في 22 نوفمبر الماضي، ونشر مجموعة من أنصار الدولة الإسلامية تسجيلًا مصورًا حمل عنوان “أول الغيث” يظهر فيه عملية إطلاق النار على “هوبنر”، فيما تعرضت إحدى الدوريات الأمنية لهجوم من داعش بمحاذاة مركز سويف التابع لجديدة عرعر في 5 يناير 2015، وهو الأمر الذي أسفر عن قتل ثلاثة من رجال الأمن، بينهم قائد حرس الحدود الشمالية.

وتكرر الهجوم على قوات الأمن السعودية في 29 مارس 2015 حيث تعرض رجلا أمن لإطلاق نار من سيارة مجهولة في غرب الرياض، بينما يعد حادث الرياض هو الحادث الأبرز والذي تم فيه قتل شرطيين سعوديين في 8 أبريل الجاري، وأعلنت الشرطة السعودية في 24 أبريل أن الإرهابي الذي نفذ الهجوم قد تلقى تعليمات من تنظيم داعش سوريا لتنفيذ هذا الهجوم.

الهجوم “الإرهابي” شرق الرياض من تصوير الجناة أنفسهم

https://www.youtube.com/watch?v=JYITnRrq808

2- استقطاب الشباب:

كشفت دراسة أجراها فريق بحثي من جامعة الملك سعود بعنوان “القوى الخفية لداعش في الإعلام الجديد” عن أن تنظيم داعش يستخدم غرف الدردشة ومواقع التواصل الاجتماعي لاستقطاب الشباب السعودي، وفي مؤتمر لوزارة الداخلية السعودية تم الكشف عن أن المتهم في قضية الرياض الأخيرة “يزيد أبو نيان” البالغ من العمر 23 عامًا تم تجنيده عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد وصل عدد الشباب السعوديين المنضمين إلى داعش من يناير 2014 حتى يناير 2015 إلى ما يقدر بحوالي 2500 سعودي، لتحتل بذلك السعودية المركز الأول مقارنة بباقي دول الخليج، حيث انضم من العراق 247 مواطنًا، فيما انضم من الكويت 71 مواطنًا، ووصل عدد المنضمين من الإمارات إلى 15 مواطنًا، كذلك انضم من قطر 15 مواطنًا، وانضم من البحرين 12 مواطنًا، وذلك حسب تقرير صادر من المركز الدولي للتطرف والعنف السياسي (ICSR).

3- إستراتيجيات خاصة للأطفال والنساء:

تتنوع الإستراتيجيات التي تستخدمها داعش لجذب النساء والأطفال وضمهم إلى صفوفها، حيث تقوم باستخدام الأناشيد الدينية وتصوير مقاطع مختلفة ووضعها على اليوتيوب بهدف تحسين الصورة الذهنية لداعش لدى الأطفال، ولعل من أشهر من هذه المقاطع تلك التي قام بأدائها المنشد السعودي “ماهر مشعل الشويب”، والتي ذكر فيها نصًا “نحن غير متعطشين للدماء، ومحبون للترفيه”، كما حرصت داعش على ألا تنحصر عمليات استقطاب الأطفال على العالم الافتراضي فتم استخدام ذات الأسلوب في الخطاب الذي يقوم على تحسين الصورة الذهنية للجهاد لدى الأطفال، ولكن على أرض الواقع، وقد أعلنت السعودية في أغسطس الماضي عن القبض على 8 مواطنين ينتشرون في محافظة تمير لتجنيد الأطفال في داعش.

كما تم انتقاد أوضاع المرأة في المملكة العربية السعودية وذلك عن طريق أحد المنشورات التي تروجها “كتيبة الخنساء” لحث النساء للانضمام إلى داعش، وقد أوضحت دراسة أجراها موقع “حملة سكينة” في فبراير 2015 أن 53,26% من أسباب انضمام النساء السعوديات لداعش اجتماعية، 32,4% أسباب فكرية، 16,33% أسباب عاطفية، وأعطى تنظيم داعش النساء السعوديات المنضمات إليه مهمة الإعلان والترويج الإعلامي عنه.

تجنيد النساء السعوديات عن طريق تويتر

احتمالات تمدد داعش في السعودية:

تتصاعد المخاوف من أن تتجه داعش إلى تنفيذ مخططها الذي سبق الإعلان عنه باقتطاع أجزاء كاملة من المملكة العربية السعودية مثلما حدث في العراق وسوريا، إلا أن عمليات داعش في السعودية لازالت عمليات فردية وقد تم القبض على غالبية المتورطين بها ولم تصل إلى درجة العمليات التي تحدث في العراق وسوريا، ولا تزال القوات الأمنية السعودية قادرة على التصدي لخطر داعش، خاصةً مع تلقيها تدريبات خاصة للتصدي لهذا الخطر، وبمراجعة الأوضاع الإقليمية يتضح أن وصول داعش إلى السعودية يعني خطرًا متزايدًا على باقي دول الخليج وهو ما قد يدفعها إلى التدخل في حالة تزايد الوجود الداعشي بالمملكة العربية السعودية، ومن ثم يمكن القول أن عمليات داعش على السعودية لن تتوقف خلال الفترة القادمة مع استمرار تجنيد المزيد من السعوديين، إلا أنها سوف تستمر كعمليات محدودة النطاق.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد