عادت شهادات الإيزيديات التي قام تنظيم “داعش” باسترقاقهنّ للظهور مجددًا على صفحات الصحف الغربية مطلع الشهر الجاري، لتكشف طرفًا من المأساة الإنسانية التي طالت مئات النساء المنتميات للأقلية اليزيديّة، واللواتي تم احتجازهنّ من قبل التنظيم منذ أغسطس 2014 وبقي مصير أغلبهنّ مجهولًا حتى اللحظة.

فكيف أعاد تنظيم “داعش” مبدأ الاسترقاق في القرن الواحد والعشرين؟ وأيّ معاملةٍ لقيتها هذه النساء والفتيات في ظلّ “الخلافة الإسلامية” التي يريدها التنظيم؟

الفتوى الرسميّة بتوزيع النساء الإيزيديّات بصفتهنّ «غنائم حرب»

بعد أن حاصر تنظيم “داعش” الآلاف من التابعين للطائفة الإيزيديّة في شمال غرب العراق ومن ثم استطاع اجتياح المنطقة والاستيلاء عليها كاملًا في أغسطس 2014، تواردت الإشاعات عن كون التنظيم قامَ باسترقاق مئات النساء ونقل بعضهنّ بشاحنات من العراق إلى سوريا لبيعهنّ كسبايا،بالإضافة إلى قرع المنظمات الإنسانية والحقوقية ناقوس الخطر بشأن توزيع النساء الإيزيديات على مقاتلي داعش، فيما يعتبر انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان المتفق عليها دوليًا.

لكن المناصرين للتنظيم كانوا ينفون هذه الأخبار بصفتها مجرد أخبار لا أساس لها من الصحة تهدف إلى “تشويه” صورة التنظيم، مؤكدين أن التنظيم لا يمكن أن يفعل شيئًا مماثلًا.

التبرير الشرعي على صفحات «دابق»

قام تنظيم “داعش” بنشر مقال تحت عنوان “إحياء الرقّ قبل قيام الساعة”، يبيّن فيه الحكم الشرعي المتعلّق بالتعامل مع الطائفة الإيزيدية، ونُشرَ في أكتوبر 2014 على صفحات مجلة “دابق” التابعة للتنظيم والصادرة باللغة الإنجليزية.

يتحدث كاتب المقال في البداية عن كون المسلمين سيُسألون يوم القيامة عن بقاء هذه الطائفة “المشركة”بين ظهرانيهم حتى يومنا هذا، وذلك رغم مرور 1400 عام على نزول الآية القرآنية الخامسة في سورة التوبة والقائلة بالقضاء على المشركين.

ومن ثم يعرّج على “البحث الشرعي” الذي حصل داخل التنظيم حين شارفوا على “غزو” منطقة سنجار الواقعة في “ولاية نينوى”،وتركزت نقطة البحث فيما إذا كان على التنظيم أن يعامل الطائفة اليزيدية بصفتها طائفة “مرتدّة” عن الإسلام أم “مُشرِكة”، ويبيّن أن البحث خلُصَ إلى كونها طائفة “تعبد الشياطين”، ومشركة يُطبّق عليها ما يطبّق على المشركين.

وبناءً على هذا، وفي الوقت الذي”يتمتع”فيه الأسرى المسيحيون واليهود بفرصة دفع الجزية أو الدخول في الإسلام، لا تمنح الفرصة نفسها لليزيديين الذين يعتبرون مشركين ويتم معاملتهم كالرقيق فور وقوعهم في الأسر، وبذلك يكون الحكم الذي طُبق بشأنهم حسب المجلة:

تقسيم نساء اليزيديين وأطفالهم وفقا للشريعة الإسلامية بين مقاتلي الدولة الإسلامية الذين شاركوا في عمليات سنجار، على أن يُرسَل خُمس المستعبدين إلى سلطات الدولة الإسلامية.

إعادة إحياء أحكام الشريعة

يتحدث الكاتب عن الخلاف الفقهي بشأن استعباد نساء “الجماعات المرتدّة”، من قبيل الطائفة العلوية والدرزية والإسماعيلية وغيرها، مؤكدًا أن تنظيم “داعش” باستعباده الواسع للمشركين يقوم بإعادة إحياء أحكام الشريعة بعد أن تم التخلّي عن تطبيقها من المسلمين لمدة طويلة في التاريخ.

ويختم مقاله بالتنويه إلى أن التوقّف عن “الاستعباد” هو أحد أسباب انتشار الفاحشة والفتن بين شباب المسلمين.

 امرأة إيزيدية، في جنوبيّ كركوك.

 

شهادة مراهقة يزيدية،17 عامًا، حامل بأحد أطفال مقاتلي داعش

تمكنت هذه المراهقة اليزيدية وفتيات أخريات من الفرار من قبضة تنظيم “داعش” في أبريل الماضي، وذلك بعد مواجهات جرت بين قوات البيشمركة الكرديّة وتنظيم داعش شمالي “سنجار” في العراق، ما أدى إلى مصرع المقاتل “الداعشي”الذي كان يأسرها مع حراسه.

وكشفت هذه المراهقة البالغة من العمر 17 عامًا الأسبوع الماضي تفاصيل ما تعرّضت له منذ أن تم أسرها من قبل قوات “داعش” في أغسطس الماضي، هي وأختها البالغة من العمر 10 سنين، حيث تم نقلهنّ من سنجار إلى الرقة، عاصمة “تنظيم داعش”، ليتمّ هناك فحصها مع عشرات الفتيات والنسوة الأخريات للتأكد من عذريتهنّ.

تم إدخالها مع العذراوات الأخريات إلى غرفة يتواجد فيها أربعون رجلًا ليختاروا منهنّ، فيما يبدو مزادًا من نوع خاص، وهناك اعتبرت أنها ربما تكون محظوظة لأنها “لم تكن جميلة بقدر الأخريات”، لكن في ظرف 10 دقائق كان قد تم شراؤها هي وأختها الصغيرة 10 سنين وفتاتين آخرتين، من قبلِ مقاتلٍ داعشيّ من أصل شيشاني.

كانت آخر مرة أرى والدتي فيها يوم أن تمّ بيعي أنا وأختي، لن أنسى وجهها أبدًا حين بدأت بالبكاء وشدّ شعرها وهم يأخذونا.

الحياة اليومية.. استعباد وتعذيب

تقول المراهقة اليزيدية تلك أن هذا المقاتل الشيشاني كان يعرّيهن يوميًا صباحًا، ويقوم بـ”شمّهن” ليقرّر أيّ واحدة منهنّ سيقوم بممارسة الجنس معها، فيما يحصل الحرّاس على ما تبقى، وتُعتبر الفتاة التي اختارها المقاتل الرئيسي محظوظة لكونها ستتعرض لضربٍ أقل.

وكانت الفتيات – حسب شهادتها – يقمنَ بإعداد الطعام والتنظيف وفعل أيّ شيء يطلبه المقاتلون منهم، بالإضافة إلى الرقص والغناء في بعض الأحيان، إطاعة لأوامرهم.

كانوا يجبرونني على تلاوة أشياء من القرآن الكريم أثناء ما يفعلونه بي، وإلا فإنهم يقومون بجَلدي.

وتقول هذه المراهقة أنها أرادت قتل نفسها بعد أشهر العذاب التي تعرَضت لها، ولم يكن هناك أيّ أمل من المقاومة، وفي المرة الوحيدة التي حاولت أن تقاوم فيها قام أحد الحرّاس بسكب الماء الحار المغليّ على فخذيها.

يُعتقد الآن أن الفتاة حامل في الشهر الثالث بطفل أحد أولئك المقاتلين، وهي لا تعلم أين توجد والدتها وأختها، ووالدها توفّي، خاتمةً شهادتها بقولها:

ماذا لديّ لأعيش لأجله؟ أحاولُ أن أنسى، لكن.. كلما أغمضت عينيّ أراهم أمامي، أريدُ قتلَ نفسي.

 امرأة يزيدية قرب “دهوك” شماليّ بغداد، بمناسبة رأس السنة الإيزيديّة/ شهر أبريل.

 

التعذيب والاغتصاب الجماعي والاعتداء على صغيرات.. شهادات سابقة

لا تختلف كثيرا شهادة المراهقة الإيزيدية أعلاه مع ما سبقها من شهادات فردية لنساء وفتيات إيزيديات تمكنّ من الفرار من قبضة “داعش” خلال الأشهر الماضية،حيث تتكرر شهادات الاغتصاب الجماعي وعلامات الوحشية والاستعباد.

تتحدث إحدى النساء الإيزيديات المتواجدة الآن في مخيم للاجئين ب”كردستان” بعد أن كانت مُحتجزة لدى داعش، أنهم عزلوهنّ في البداية عن العالم الخارجي، ولكنهم بعد فترة من الزمن أعادوا لهن هواتفهن، وسط تغيّر مفاجئ بالإستراتيجية، حيث طلبوا من الفتيات أن يهاتفنَ أهاليهنّ وأقاربهنّ ويخبرهنّ بالتفصيل ما يفعلنه معهنّ، ليكون الأذى عليهنّ أشد، مؤكدة أنهم يظنون أنه لا يُمكن قهرهم، لكنهم ليسوا إلا رجالًا “بلا قلوب”.

وفي شهادةٍ نشرتها صحيفة “لاريبوبليكا” الإيطالية تتحدث إحدى الإيزيديات أن النساء الإيزيديات كنّ مجمّعات في الطابق العلوي، ضمن عدّة غرف، ويتم اغتصابهن 3 مرات يوميًا من قبل جماعات مختلفة، وأنه كان بينهنّ طفلات لم يبلغن الثالثة عشر من العمر حتى.

وأكّدت أن عمليات الجَلد لم توفّر حتى الصغيرات، وأن بعضهنّ فقدن القدرة على النطق، كما أنها وصاحباتها طلبت من السجّانين أن يطلقوا النار عليهنّ ويقتلوهن، لكن السجانين يخبروهنّ أنهن مهمات لهم لأنهم “غنائم حرب” وأنهنّ مثل “الماعز الذي يُشترى من السوق”.

أشعرُ بالخجل مما حصلَ معي، هناك جزء داخلي يريدُ أن يموت فقط، لكن هنالك جزءًا آخر فيّ ما يزال يرجو أن أنجو وأقدرُ على معانقة والديّ مرة أخرى.

وتقول هذه المرأة اليزيديّة أنّ بعض هذه الرجال مجرد مقاتلين شباب من جنسيات عربية، فيما كان الآخرون أكبر عمرًا، وقد سمِعت أن هناك محتجزات مسيحيات عربيات لدى تنظيم “داعش”، لكنها حيث كانت لم يكن هناك إلا فتيات من طائفتها “الإيزيدية”، واللواتي يتمّ إخبارهنّ باستمرار بأنهن “كافرات” لأنهنّ لا ينتمينَ للإسلام.

وترد في الروايات الأخرى تفاصيل أخرى من الانتهاكات الجسدية والتعذيب من قبل الضرب، والصدمات الكهربائية، والحرمان من الطعام، والاغتصاب المتنوّع بـ”القرعة”، بالإضافة إلى التعذيب الشديد والقاسي إثر اكتشاف مقاتلي داعش أيّ محاولة للانتحار من قبل الفتيات.

 طفلة إيزيدية من نازحيّ سنجار شمال العراق.

 

لا تنتهي مأساة الإيزيديات بالنجاة من «داعش»

في الواقع مأساة من نوع آخر تبدأ بتحرّر الفتيات الإيزيديات من “داعش” وعودتهنّ إلى واقعهن أو أوساطهنّ التي تعتبر مُحافظة، حيث لا تقبل بعض العائلات نهائيًا بتواجد فتاة متعرضة للاغتصاب بينهم، وقد لحقتها “وصمة العار” هذه، وفي حالات خاصة بعضهنّ مهددات بالقتل من قبل أقاربهنّ في حال تم التأكد من أن مقاتلي “داعش” قد قاموا باغتصابهن و”تلويث” شرفهن.

يقول الطبيب المسؤول عن علاج الناجين في دهوك أن هناك ما لا يقل عن 70 لـ 105 من الناجيات اللواتي تعامل معهنّ قد تعرضن للاغتصاب أثناء احتجازهن كرهائن من قبل تلك الجماعة المتطرفة، فيما تتحدث منظمة “هيومان رايتس ووتش” عن العديدات من الضحايا الإيزيديات اللواتي تكافحنَ من أجل الوصول إلى المساعدة النفسيّة والمشورة والاختبارات الطبيّة لفحص الأمراض المنقولة بالاتصال الجنسي، بالإضافة إلى وسائل الإجهاض الآمن.

ومما يزيد من المعاناة النفسية للناجيات أنهن يتعاملن مع فقدان العشرات من أقاربهنّ، والذين تم قتلهم أو أسرهم من قبل قوات “داعش”، بالإضافة إلى حالة اللجوء غير المستقرّة التي يعيشونها بعيدًا عن بيوتهم.

 نساء إيزيديات أمام مركز طبي شماليّ كركوك.

 

وتؤكد المسؤولة عن حقوق المرأة في منظمة هيومن رايس ووتش عن ضرورة العلاج النفسي للإيزيديات الناجيات:

“ارتكبت قوات “داعش” الاغتصاب الممنهج والاعتداء الجنسي وغيرها من الجرائم المروّعة ضد الفتيات والنساء الإيزيديات، من كانت منهنّ محظوظة بما فيه الكفاية لتهرب تحتاج لأن تخضع لعلاج خاص من الصدمة التي لا يمكن تصورها، مما تعرّضت له”.

وفي تقرير بعنوان “الهروب من الجحيم” الصادر من منظمة العفو الدولية ويقع في 18 صفحة، تؤكد المنظمة أنه حتى الأطفال الإيزيديين يتم استرقاقهم وبيعهم لمقاتلي داعش أو إعطاؤهم كـ”هدايا”.

وتؤكد كبيرة مستشاري الأزمات في منظمة العفو، دوناتيلا روفيرا، في التقرير أن “العديد من اللواتي وقعن ضحية عمليات استعباد جنسية، يبلغن من العمر 14 عاما أو 15، وحتى أقل من ذلك”.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد