بدأ تواجد تنظيم «الدولةالإسلامية» في ليبيا منذ 19 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2014، حينما فرض سيطرته على مدينة درنة شرق البلاد

لم يزل مستقبل الوضع في ليبيا غير واضح المعالم؛ أمام الانقسام السياسي الحاد الذي تعانيه الأطراف الليبية، وضعف الإدارة والفساد المستشري، علاوة على تزايد وجود «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) في مناطق عدة من ليبيا؛ ما يصنع قلقًا دوليًا من تحول ليبيا إلى دولة مصدرة للعنف.

«تنظيم الدولة» يتمدد في ليبيا

في الوقت الذي يتلقى فيه تنظيم الدولة الإسلامية ضربات موجعة، في كل من العراق وسوريا، من قبل الجيش العراقي وطائرات التحالف الدولي، لم يزل التنظيم قادرًا على التمدد في ليبيا، مستثمرًا الفوضى التي تعيشها البلاد.

بدأ تواجد «تنظيم الدولة» في ليبيا منذ 19 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2014، حينما فرض سيطرته على مدينة درنة شرق البلاد، ورفع رايته فوق أبنيتها الحكومية، وحوّل ملاعبها الرياضية إلى معسكرات تدريب للوافدين الجدد؛ لتبدأ بعد ذلك خلاياه بالتمدد بالمدن المجاورة؛ إذ سيطر على مدينة «سرت»، مسقط رأس الرئيس الليبي الراحل «معمر القذافي»، في فبراير (شباط) من العام الماضي، وطلب التنظيم من سكانها مبايعة زعيمه «أبي بكر البغدادي»، وذلك بعد أن استولى على الإذاعات الخاصة هناك، كما توغلت عناصره في مدن «صبراتة، ومصراتة، وبنغازي»، ومناطق أخرى من ليبيا.

من جانب آخر، حذّر تقرير وصف بـ«السري»، قدمه الأمين العام للأمم المتحدة، «بان كيمون»، إلى مجلس الأمن، بداية هذا الأسبوع، من أن تصبح ليبيا معقلًا «لتنظيم الدولة»؛ لاستقطاب، من أسماهم التقرير، «متطرفي البلدان المجاورة»، أو نقطة لانطلاق خلاياه المتجهة لمهاجمة أمن دول شمال إفريقيا.

وذكر التقرير أن هنالك ما بين ألفي وخمسة آلاف عنصر تابعين لـ«تنظيم الدولة»، ينحدرون من «ليبيا، وتونس، والجزائر، ومصر، ومالي، والمغرب، وموريتانيا»، بالإضافة إلى «سرت، وطرابلس، ودرنةز، وبعضهم عاد إلى بلده الأصلي؛ بنية تنفيذ هجمات.

نبه الأمين بان كيمون أيضًا إلى أن الجماعات الجهادية في شمال إفريقيا، مثل «قاعدة المغرب الإسلامي» و«جماعة أنصار بيت المقدس» و«جماعة أنصار الدين الإسلامية المالية»، تتنقل بسهولة من وإلى ليبيا؛ حيث محطتها لتأمين الإمدادات التي تحتاجها، من سلاح وأموال وعناصر مدربة؛ لمباشرة عمليات مسلحة خارج ليبيا.

وفي ذات السياق، قال وزير الخارجية الأمريكي، «جون كيري»، عقب اجتماع للتحالف الدولي في واشنطن، بأن تنظيم الدولة الإسلامية «لا يفضي سوى إلى الموت والدمار ليس إلا، وأنه يسعى لأن يكون تنظيمًا عالميًا وسيبقى خطيرًا»، مضيفًا بأنهم عازمون على محاربة التنظيم، فيما تواصل الخارجية الأمريكية جهودها لتنسيق العمل بين المغرب وتونس والجزائر؛ من أجل مكافحة العنف الديني.

تدخلات غربية في ليبيا

مر خمس سنوات على التدخل العسكري الغربي المباشر بليبيا، والذي حسم المعركة مع نظام القذافي لصالح الثوار، ولم يزل هناك اليوم حديث عن تحركات أجنبية ذات طابع عسكري في ليبيا، تستهدف «تنظيم الدولة» هناك.

في هذا الصدد، قال قائد سلاح الجو في القوات الليبية الموالية للبرلمان المعترف به في شرق البلاد، «شرق الجروشي»، إن «مجموعات من العسكريين الفرنسيين والأمريكيين والبريطانيين تعمل في ليبيا، على مراقبة تحركات تنظيم الدولة الإسلامية».

وذكر أن هناك حوالي عشرين جنديًا في قاعدة «بنينا» ببنغازي، تقضي مهمتهم مراقبة تحركات «تنظيم الدولة» وكيفية تخزينه للذخائر، نافيًا أن تكون هناك قوات أجنبية تقاتل نيابة عن القوات الليبية.

وكان الرئيس الفرنسي، «فرانسوا أولاند»، قد أعلن مقتل ثلاثة جنود فرنسيين في حادث تحطم مروحية في الشرق الليبي خلال مهمة استطلاع، فيما قالت مصادر ليبية إن المروحية أسقطتها نيران «ميليشيا إسلامية».

وعقب مقتل العسكريين الثلاثة، شنت فرنسا غارات جوية، استهدفت مواقع لتنظيم «الدولة الإسلامية» وأسفرت عن مقتل 16 مسلحا على الأقل، وفق ما نقلته وكالة «أسوشيتد بريس»، ويعد هذا أول إعلان لفرنسا عن تواجدها العسكري في ليبيا.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=byDWWCyQv3c” width=”800″ height=”450″ ]

من جهة أخرى، اتهمت حكومة الوفاق الوطني الليبية، في بيان نشرته على «فيس بوك»، فرنسا بـ«انتهاك أراضيها»، بعد إعلان باريس مقتل ثلاثة جنود فرنسيين بليبيا، كما خرجت مظاهرات بمدن ليبية تندد بالتدخل العسكري الفرنسي، وقالت الحكومة الليبية، المؤيدة من قبل مجلس الأمن «إننا نرحب بأي مساعدة أو مساندة تقدم لنا من الدول الشقيقة والصديقة في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، ما دام ذلك في إطار التنسيق معانا».

واعتبر الدبلوماسي الفرنسي السابق، «باتريك حاييم زاده»، حسب ما ذكرت الوكالة الفرنسية للأنباء، مقاربة فرنسا في التعامل مع الوضع في ليبيا متسمة بـ«التناقض والانفصامية»، بسبب تأييد حكومة الوفاق الوطني، وفي نفس الوقت دعم قوات «حفتر»، مضيفًا «في ليبيا كلما زادت التدخلات والدعم للفاعلين المحليين، كلما تعقدت الأمور أكثر وابتعدنا عن الحل».

وكانت تقارير إعلامية متواترة، خلال الشهور الأخيرة، تفيد بتواجد قوات خاصة أمريكية وبريطانية وروسية وفرنسية، تعمل في ليبيا على تتبع تحركات «تنظيم الدولة»، وراج أن بعضها يقدم خدمات استشارية وعسكرية لحفتر.

هذا وتثير ليبيا قلقًا غربيًا من أن تصبح معقلًا للجماعات الجهادية، ومنطلقًا لآلاف المهاجرين المتوجهين إلى أوروبا.

حكومة هشة

على الصعيد السياسي، انتقلت حكومة الوفاق الوطني الليبية، المدعومة من قبل الأمم المتحدة، إلى العاصمة طرابلس لمباشرة عملها هناك، وسط أجواء أمنية غير مستتبة.


وكانت الأطراف الليبية، قد توصلت بعد مفاوضات ماراثونية شاقة برعاية أممية إلى تشكيل حكومة وفاق وطني في 15 فبراير (شباط) من العام الجاري، مكونة من 13 حقيبة وزارية وخمس وزراء دولة. ولم يصادق مجلس النواب الليبي بعد على حكومة الوفاق الوطني، إلا أن المجلس الرئاسي أصدر تفويضا للوزراء بممارسة مهامهم الممنوحة.

ولا يبدو أن حكومة الوفاق تتمتع بقدرة على السيطرة على الدولة الليبية وإدارة شؤونها بفعالية، كما يظهر في خروج الكثير من الميليشيات والمجموعات المسلحة عن سلطتها، بالإضافة إلى أنها لا تحظى بقبول كامل الأطراف السياسية المتواجدة بليبيا، ناهيك عن أنها لا تسيطر، سوى على مناطق محدودة في التراب الليبي.

ومن ثمة تبقى الحكومة الليبية مهددة بالتشظي في أي وقت، حسب العديد من المراقبين، بالنظر إلى الانشقاقات السياسية الحادة بين القوى الليبية، وعدم قدرتها على الاستفراد بالسلاح، وتزايد حضور الجماعات الجهادية.

وقد بدأت القوات الموالية للحكومة الليبية منذ شهرين، عملية سمتها «البنيان المرصوص» من أجل تحرير مدينة سرت من سيطرة «تنظيم الدولة»، إلا أنه لا يبدو أن العملية نجحت حتى الآن، في ظل فعاليتها المحدودة وحظر الأسلحة المفروض على ليبيا من قبل مجلس الأمن.

وترى الدول الكبرى أن دعم حكومة الوفاق الوطني هي أفضل وسيلة لتوحيد الأطراف السياسية والعسكرية الليبية في مواجهة نفوذ «تنظيم الدولة» في البلد، وكذا لتحقيق شيئًا من الاستقرار في ليبيا الغنية بالنفط.

عرض التعليقات
تحميل المزيد