هل تتحول احتفالات رأس العام الجديد 2017 إلى مأتم؟ ذلك ما تخشاه العديد من المدن الأوروبية؛ بعدما بات متشددون يصرون على تعكير صفو احتفالات «الكريسماس» خلال السنوات الأخيرة؛ معتبرينها تقليدًا يستوجب محاربته في «بلاد الإسلام وبلاد الكفر».

وكما كان متوقعًا، لم يفوت «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) فرصة قدوم السنة الجديدة للتهديد بتنفيذ عمليات مسلحة. ففي تسجيل نشرته «قناة الناشر» الداعمة له، دعا أنصاره ومتعاطفيه في أوروبا إلى تنفيذ هجمات في أماكن الاحتفالات والتجمعات والأسواق والمسارح ودور السينما والمراكز التجارية وحتى المستشفيات، متوعدًا بتحويل غناء المحتفلين وتصفيقهم إلى بكاء وعويل.

اعتداءات بحلول احتفالات السنة الجديدة

لعل ألمانيا، هي الدولة الأوروبية الأكثر ارتيابًا من احتفالات السنة الميلادية؛ بسبب الوقائع المؤسفة المرتبطة بها، فبعدما شهدت احتفالات رأس السنة الماضية أحداث تحرش جماعي لمئات الألمانيات بمدن عدة، جاءت هجمات برلين الأخيرة، لتقض مضجع الألمانيين من أعياد الكريسماس في هذه السنة.

وكان سوق عيد الميلاد قرب كنيسة الذكرى بالعاصمة الألمانية قد تعرض إلى اعتداء، نفذه ـ وفق تحقيقات الشرطة الألمانية ـ التونسي «أنيس العامري»، بواسطة حافلة عملاقة اختطفها، ودهس بها جموع الزوار في السوق؛ ما أسفر عن مقتل 12 شخصًا، وإصابة 50 آخرين، مُخلفًا الحادث حالة من الصدمة لدى الرأي العام الألماني.

في نفس السياق، أحبطت سلطات عدد من البلدان الأوروبية ودول أخرى محاولات لتنفيذ هجمات «إرهابية» مع اقتراب العام الجديد، إذ اعتقلت شرطة مكافحة الإرهاب الأسترالية خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) شخصًا قالت إنه «متشدد إسلامي»، كان يعمل على تنفيذ هجمات في ملبورن بمناسبة الاحتفالات الميلادية، كما ألقت القبض على شخص من مدينة سيدني هدد باستهداف احتفالات السنة الجديدة في مدونته الإلكترونية.

كما أحبطت السلطات البريطانية عمليات مسلحة، قبل حادث الدهس في برلين بقليل، معتقلةً الخلية المسؤولة المكونة من أربعة أشخاص، والتي كانت تسعى لاستهداف أماكن تسوق، كما ذكرت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، فيما اعتقلت القوات الخاصة بمدينة فوشل في النمسا لاجئًا مغربيًا، عمره 25 سنة؛ للاشتباه بنيته تنفيذ اعتداءات خلال أعياد نهاية السنة.

وفي إندونيسيا، أكبر دولة مسلمة من حيث عدد السكان، صرحت الشرطة بقتلها ثلاثة أشخاص موالين لـ«تنظيم الدولة»، واعتقال آخرين، كانوا يعدون لشن هجمات متفرقة خلال رأس السنة الجديدة.

ترقب أمني حذر في المدن الأوروبية

تعيش المدن الأوروبية حالة استنفار أمني بمناسبة رأس الجديدة، تحسبًا لاعتداءات محتملة، حيث شددت سلطاتها الإجراءات الأمنية، ورفعت من مستوى انتشارها، بهدف تأمين احتفالات رأس السنة الجديدة.

وفي مدينة كولونيا الألمانية المعروفة بحادث التحرش الجماعي من قبل مهاجرين عرب العام الماضي، تضاعف أعداد رجال الأمن بها إلى عشرة أضعاف مقارنة مع السنة الماضية، وجندت وحدة خاصة للتدخل السريع، كما نشرت في شوارعها حواجز إسمنتية، أما في برلين فقلصت حركة التجوال بها، وحُظر على الوافدين إلى ساحات الاحتفال إدخال الحقائب والأكياس.

وفي بلجيكا، التي ألغت احتفالات رأس السنة في 2015، بعدما شهدت هجمات مسلحة خلفت عشرات القتلى والجرحى، فتستعد هذا العام بتأهب أمني عال، خشية تعرضها لاعتداءات مرة أخرى.

وتماشيًا مع حالة الطوارئ التي تعرفها فرنسا منذ مدة، يستعد ألفا رجل أمن لتأمين احتفالات الكريسماس بساحة باريس، المرتقب أن تجذب 600 ألف زائر محتفل، وسط إجراءات أمنية مشددة.

وعززت كل من النمسا وبريطانيا تواجدها الأمني؛ لضمان سلامة حشود المحتفلين برأس السنة الجديدة، فيما رفعت كندا من حذرها الأمني، ونشرت حراسًا تولوا تفتيش الداخلين إلى السوق، في إجراء غير مألوف في هذا البلد الذي قلما استهدفته يد «الإرهاب».

وكانت الخارجية الأمريكية منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قد حذرت مواطنيها الذين يعتزمون الذهاب إلى أوروبا من خطر متزايد لوقوع هجمات مسلحة، أثناء فترة أعياد الميلاد ورأس السنة القريبة، متوقعة أن «ينفذ المتعاطفون مع التنظيمات الإرهابية والمقيمون في أوروبا الحاملين لأيديولوجية متطرفة عملياتهم عبر تكتيكات مختلفة، باستخدام الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، لضرب أهداف رسمية وشخصية على حد سواء».

وذهب في نفس الطريق، مكتب الشرطة الأوروبية (يوروبول)، الذي نشر تقريرًا بداية ديسمبر (كانون الأول)، يحذر فيه من «أن تنظيم الدولة يخطط حاليًا لشن هجمات جديدة على الأراضي الأوروبية بحلول السنة الجديدة»، مرجحًا أن تكون فرنسا وبلجيكا وألمانيا وهولندا الهدف الأكثر احتمالًا للتعرض للهجمات.

يتوقع التقرير أيضًا أن تكون هذه الاعتداءات من فعل شبكات «إرهابية منظمة»، كما يمكنها أن تكون على شكل عمليات ذئاب منفردة، تستخدم المتفجرات أو الأسلحة الآلية أو السكاكين أو الفؤوس أو المناجل أو السيارات المتفجرة.

ماذا عن أعياد الميلاد في الشرق الأوسط؟

في كل عام مع حلول احتفالات الكريسماس، يزداد الخطر على الأقليات المسيحية تحديدًا بالشرق الأوسط، من قبل المجموعات التكفيرية وذوي العقليات المتطرفة من جموع العامة.

ففي مصر، هزَّ الكنيسة البطرسية بالعباسية انفجار ضخم بواسطة عبوة ناسفة، خلّف وراءه 25 قتيلًا، و50 مصابًا، أغلبهم نساء وأطفال كانوا يؤدون الصلاة وسط الكاتدرائية.

أما مسيحيو العراق، فقد أوشكوا على الانقراض جراء الاغتيالات والتفجيرات المتتالية، التي تستهدف كنائسهم وبلداتهم من طرف التنظيمات المسلحة المتشددة، حيث حذرت صحيفة «لوبس» الفرنسية من أن «تنظيم الدولة كان يخطط لإبادة الأقليات المسيحية في محافظة نينوى (مركزها الموصل)». وقتل مسلحون ثلاثة نازحين في بغداد قبل يومين من رأس السنة الجديدة.

هذا ويستعد المسيحيون المتبقون في مدينة برطلة وقوش شمال العراق، علاوة على منطقة منبج السورية، للاحتفال بعيد السنة الميلادية الجديدة لأول مرة منذ أن استولى عليهم «تنظيم الدولة» سنة 2013، بعد أن تم تحرير هذه المناطق خلال 2016.

ويظهر أن تزايد الاعتداءات، التي يشنها المتشددون في كل عام، بدأ يغير بشكل جذري أجواء الاحتفالات برأس السنة الجديدة، حتى في البلدان الأوروبية، حيث صار الخوف والتوجس يعكر صفو هذه الاحتفالات، كما غدت السياسات الأمنية المعززة تقلص حريات المواطنين، ما ينبئ بافتقاد نمط الحياة الهادئة خلال وقتنا الراهن.

عرض التعليقات
تحميل المزيد