تعتبر باكستان الإسلام دينها الرسمي، إذ تحتوي البلاد على ثاني أكبر عدد للمسلمين في العالم بإجمالي 212 مليون مسلم، بعد إندونيسيا (بإجمالي 231 مليون)، وينتمي غالبية الباكستانيين (85% – 90%) إلى المذهب السني مقابل 10-15% ينتمون إلى الشيعة، مع وجود أقليات مسلمة ضئيلة مثل القرآنيين.

وتعد باكستان من الدول القليلة في العالم التي نشأت باسم الإسلام؛ إذ جاءت فكرة وجود دولة باكستان واستقلالها عن الهند لتكون دولة للمسلمين، وهي الفكرة التي حظيت بتأييد شعبي ساحق بين المسلمين الهنود، خاصة أولئك الموجودين في مقاطعات الهند البريطانية حيث كان المسلمون أقلية.

فبعد استقلال الهند عن بريطانيا عام 1947، ونتيجة سنوات من الصراعات والانقسامات في شبه الجزيرة الهندية، أصر محمد علي جناح، رئيس اتحاد مسلمي الهند آنذاك، على تأسيسه دولة خاصة بالمسلمين دون غيرهم.

وبعد مفاوضات شاقة اتفق الطرفان على استقلال منطقة شمال غرب وشرق الهند تحت اسم جمهورية باكستان الإسلامية، لتندلع أعمال عنف دموية بين الهندوس والمسلمين تسببت في وفاة نحو مليون شخص، ونزوح الملايين من إحدى الدولتين إلى الأخرى أو إلى دولة أخرى، ومن هنا، يتضح مدى خطورة الدور الذي يلعبه الدين الإسلامي في باكستان على كافة الأصعدة، لذلك كان علينا أن نجيب عن هذا السؤال: كيف وصل الإسلام إلى باكستان؟

بلاد السند.. والإسلام

عند الحديث عن باكستان، فنحن نتحدث عن البقعة الجغرافية التي تمثل بلاد السند ذات الخصوصية الفريدة في التاريخ الإسلامي، لكن باكستان الحالية تضم أربعة أقاليم، ثالثها من حيث المساحة هو إقليم السند الذي تبلغ مساحته حوالي 141 ألف كيلومتر مربع.

في مركز إقليم السند يوجد سهل خصيب حول نهر يسمى نهر الأندوس، وهو النهر الذي يعتقد أن اسم بلاد السند مستمد منه، إذ كان يطلق عليه سابقًا اسم نهر السند، وعاصمة الإقليم حاليًا هي كراتشي، والتي تمثل مركزًا تجاريًا مهمًا وإحدى أبرز المدن المأهولة بالسكان في العالم؛ إذ تضم 40 مليون نسمة.

Embed from Getty Images

انفصال باكستان عن الهند

لكن بلاد السند التي عرفها المسلمون في بداية الدولة الإسلامية، لم يقتصر على إقليم السند الباكستاني الحالي، بل كانت تضم ثلاثة من أقاليم باكستان المعاصرة، هي السند، والبنجاب، والحدود الشمالية الغربية لباكستان. بينما إقليم السند الحالي لا يشمل سوى أراضي وادي نهر السند السفلى،

وتمتد سهول وادي السند من كشمير شمالًا إلى بحر العرب جنوبًا، وهي من أخصب بقاع العالم، وفيها قامت حضارة عظيمة قبل حوالي 4500 سنة، وقد انتشرت في بلاد السند العديد من المعتقدات الدينية قبل الفتح الإسلامي، فاتبع السكان الهندوسية، والبوذية، والجاينية، والمجوسية، إلى جانب معتقدات محلية أُخرى، فيما كانت الهندوسية الديانة الأوسع انتشارًا، وكان أغلب سكان الحضر من الهندوس، كما شاع في السند أيضًا المذهب البراهمي الذي ينص على وجود إله أَعلى.

الفتح الإسلامي لبلاد السند

عند الحديث عن الحملات العسكرية التي قام بها المسلمون لفتح بلاد السند، فإننا نتحدث عن سلسلة من الحملات استمرت خلال عصري الخلافة الراشدة ودولة الأمويين، ففي البداية كانت غزوات المسلمين أقرب إلى اختبار للبلاد وأهلها عبر إرسال سرايا عسكرية تستكشف الناس والأحوال.

وفي تلك الفترة لم يتحقق أي فتح دائم، وتميزت هذه الغزوات بأنها كانت برية، إذ لم يلجأ المسلمون لركوب البحر نحو بلاد السند التي تطل على المحيط الهندي، إذ كان الخليفة عمر بن الخطاب يمنع المسلمين حينها من ركوب البحر لما فيه من مخاطر، والأمر نفسه تعلق ببلاد ما وراء النهرين (بلاد الهند) التي كانت الرغبة قائمة لفتحها، لكن لم يكن هناك نية لاستخدام أسطول بحري.

وقد بدأت أولى محاولات الغزو لبلاد السند والهند في أيام عمر بن الخطاب، فبعدما تولى عثمان بن أبي العاص الثقفي حكم البحرين وعمان عام 636، أرسل أخاه الحكم في سرية إلى مدينة تانة، شمال مومباي، ثم إلى مدينة بروص، بهروش الهندية حاليًا، كما أرسل أخاه المغيرة في سرية إلى الديبل، وهي مدينة كراتشي في يومنا هذا، كانت هذه الحملات الثلاث عبارة عن غارات استطلاعية بقوات خفيفة محمولة بحرًا، وهو ما اعترض عليه الخليفة عمر بن الخطاب، والذي أصدر قرارًا بوقفها.

وفي عهد علي بن أبي طالب جرت محاولة أخرى بقيادة الحارث بن مرة العبدي، الذي انتصر في البداية، لكنه لم يستمر بسبب قلة عدد المقاتلين وبعدهم عن قواعدهم، حتى قتل عدد كبير منهم في إحدى المناطق، قبل أن يسمعوا بمقتل الخليفة علي، فعاد البقية. وفي عهد الدولة الأموية، استمرت الغزوات التي ظلت تأخذ النمط الاستطلاعي أو محاولة إتمام فتوحات محدودة.

أما عن الفتوحات الدائمة لبلاد السند، فقد بدأت عام 708م، بعد عامين من بدء فتوحات بلاد ما وراء النهرين، وبدأت القصة كالآتي: في عام 694 ميلادية، عُين الحجاج بن يوسف الثقفي واليًا عامًّا على العراق والولايات الشرقية التابعة للدولة الأموية في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان.

وعَيّن الحجاج عمه القاسم واليًا على مدينة البصرة، وهو الذي له ابن يسمى محمد الذي نشأ في المدينة وسط القادة، ثم انتقل إلى مدينة واسط التي صارت معسكرًا لجند الحجاج الذين يعتمد عليهم في الحروب، ليتعلم الجندية حتى أصبح من القادة وهو لم يتجاوز بعد 17 عامًا من العمر.

محمد بن القاسم الثقفي.. فاتح السند

توجد عدة روايات متداولة في المراجع الإسلامية حول فتح بلاد السند،  أبرزها تقول إن الحجاج أمر بفتح السند بعد قيام قراصنة من منطقة تابعة لبلاد السند بمهاجمة قافلة تابعة لملك سرنديب (سريلانكا) تحمل هدايا وأرامل ويتامى من توفي من التجار المسلمين الذين بقوا وتزوجوا في سرنديب. قتل القراصنة البعض وأسروا الآخرين، وخلال الهجوم صرخت امرأة تستنجد بالحجاج، فوصلت القصة له عبر بعض من تمكنوا الهرب.

فيما تقول رواية أخرى إن ما جرت مهاجمته كانت قافلة تابعة للخليفة عبد الملك بن مروان كان قد بعثها لشراء غلمان وجواري من هناك، وتقول بعض الروايات إن أولئك القراصنة هاجموا سفن بحارة مسلمين تحمل حجاجًا قادمين من جزيرتي محلديب وسرنديب.

وبغض النظر عن الروايات، فإن ما حدث هو أن الحجاج أعد جيشًا للفتح، لكن قائد الجيش قُتل، فأرسل آخر فقُتل، فاستشاط الحجاج غضبًا وتعهد أنه لابد أن يفتح بلاد السند، فاختار محمد بن القاسم الثقفي لقيادة جيشه المكون من 20 ألف مقاتل، وفي عام 708م بدأ محمد بن القاسم الزحف على مدينة تلو الأخرى حتى وصل إلى الديبل (كراتشي) لينتصر ويفتح المدينة بعد معركة مصيرية عام 711م، قتل فيها ملك السند.

وبعد سقوط الديبل، عاصمة السند، استمر ابن القاسم في زحفه ليفتح باقي المناطق والمدن وصولًا إلى إقليم البنجاب، حتى خضعت له كلها وانتهت حملته عام 715م، وبذلك قامت أول دولة إسلامية في بلاد السند والبنجاب (باكستان الحالية).

وبعدما توسعت فتوحات محمد بن القاسم، راجع الحجاج نفقات الحملة، ليجد أن الحسابات زادت بمقدار 60 مليون درهم، ولاحقًا وصل إلى ابن القاسم خبر وفاة الحجاج عام 713م، واستمرت فتوحات ابن القاسم، وبينما كان ينتقل من فتح إلى فتح، جاءه خبر وفاة الخليفة الوليد بن عبد الملك، وتولية سليمان بن عبد الملك خليفة للمسلمين.

كان سليمان بن عبد الملك بمثابة عدو للحجاج وأُسرته، وقد قام الخليفة الجديد بتولية يزيد بن أبي كبشة السكسكي أميرًا للسند، وعزل محمد بن القاسم، قام ابن أبي كبشة بالقبض على بن القاسم وحمله إلى العراق مقيدًا.

السند تحت حكم المسلمين

تغير الحال كثيرًا بعد غياب محمد بن القاسم، إذ لم يستطع الولاة من بعده الحفاظ على ما فتحه، فعندما تولى عمر بن عبد العزيز خلافة المسلمين، دعا حكام مناطق السند للدخول في الإسلام. وبالفعل، دخل جميع حكام السند إلى الإسلام، لكن رغم هذا، حارب هؤلاء الحكام المسلمين العرب حتى تمكنوا من إخراجهم من مناطق السند العليا والوسطى، ولم يبق للمسلمين العرب سوى أجزاء قليلة في مناطق السند السفلى.

وكان السبب وراء قيام هذه الانشقاقات هو متابعة الحكام المحليين للنزاعات الداخلية التي نشبت في دار الخلافة في العاصمة دمشق وارتباطهم بأطرافها، والتي أفضت في النهاية إلى انهيار الدولة الأُمويَّة وقيام الدولة العباسية، وفي العصر العباسي عادت كامل السند تحت سيطرة السلطة المركزية في بغداد من جديد، واستمر الولاة العباسيون على السند حتى عام 855م.

Embed from Getty Images

المسلمون يؤدون الصلاة في باكستان

كان عمر بن عبد العزيز الحباري آخر ولاة الدولة العباسية على السند، إذ أعلن استقلاله وتأسيس دولة مستقلّة له، حكمت السند حتَّى جاء قضت عليها الدولة الغزنوية عام 1026، ليرتبط تاريخ بلاد السند بعد ذلك بمدينة غزنة، عاصمة الدولة الغزنوية، وفي النهاية، جاء المغول وأدخلوا بلاد السند تحت حكمهم.

لكن انضمام السكان إلى الإسلام استمر منذ فتوحات محمد بن القاسم، وما بعدها، حتى أصبح حوالي 97% من سكان المناطق التي تشكل باكستان حاليًا مسلمون، كما أصبح محمد بن القاسم رمزًا وطنيًا لباكستان والبطل القومي هناك، فقد وصفه زعيم باكستان ومؤسسها محمد علي جناح بأنه «الباكستاني الأول» الذي وضع لبنة باكستان بمجرد وطئه أرض السند، وقد أطلق اسمه على عدد من المعالم والمواقع المهمة في باكستان مثل «ميناء قاسم»، الواقع في مدينة كراتشي، وهو ثاني أكبر موانئ البلاد.

تاريخ

منذ سنة واحدة
صورته على العملة.. تعرف إلى محمد علي جناح مؤسس دولة باكستان

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد