1_DSC_0037

صبي ويغوريّ يبكي في اجتماع حاشد بمدينة كالغاري- كندا؛ للاحتجاج على قمع الحزب الشيوعي في شينجيانج
(جيري وو/ ايبوك تايمز)

 

هناك صراع متزايد بين الأقلية المسلمة في الصين وحكومة البلاد، يزداد وضوحًا في إقليم شينجيانج؛ حيث يمثل المسلمون الويغور أكبر أقلية عرقية، تؤكد على هويتها الثقافية الإسلامية، وتعتبر وجود الصين في المنطقة استعمارًا، وعلى الجانب الآخر، تعتبر الصين تأكيد الهوية الإسلامية في شينجيانج تهديدًا لأمنها القومي، ويستند القلق الصيني إلى الموقع الجغرافي للإقليم، وتقاسمه الحدود مع خمس دول مسلمة (باكستان، أفغانستان، كازاخستان، قيرغيزستان، تركمانستان) والتي قادت في الماضي دعمًا نشِطًا أو ضمنيًّا للنشاط المسلح الإسلامي الأصوليّ.

جذور المشكلة في شينجيانج

يدَّعي الويغور نسَبًا إلى المجموعة العرقية التركية، التي تمثل السكان الأصليين في إقليم شينجيانج، ورغم أن الصين مارست بعض التأثير على المنطقة منذ القرن العاشر، إلا أن سلطتها ترسخت في القرن الـ18 تحت حكم سلالة تشينج، وبعد صراع بين الجماعات الإسلامية والإمبراطورية الصينية، ضُمَّت شينجيانج رسميًّا إلى الأقاليم الصينية عام 1884، وحتى بعد الإطاحة بسلالة تشينج في 1911، استمرت شينجيانج كجزء من الصين، وفي 1937، أعلن مسلمو شينجيانج استقلال جمهورية تركستان الشرقية للكازاخ والويغور، لكن في 1949، ضُمَّت شينجيانج مرة أخرى إلى الصين عندما أحكمت قوات الحزب الشيوعي الصيني CCP وجيش التحرير الشعبي PLA سيطرتها على الإقليم.

ويعارض النظام الشيوعي الصيني بشدة قومية الأقليات العرقية، وبالتالي ضيَّق الخناق على الدين، وتميزت الثورة الثقافية (1966-1976) بتبني حملة للهيمنة الثقافية على معتقدات الأقليات الدينية وممارساتهم الثقافية، ورغم نشوب حالات من العنف بين المجموعات المسلمة في شينجيانج وجيش التحرير الشعبي، إلا أن الصين لم تنتبه بجدية إلى الاضطرابات السائدة في الإقليم إلا في تسعينيات القرن الماضي، كان هذا هو الوقت الذي تفكك فيه الاتحاد الاتحاد السوفياتي السابق، وكانت الصين تخطط لفتح شينجيانج على آسيا الوسطى لتحقيق مكاسب اقتصادية أفضل. بيدَ أن هذا أيضًا أدى إلى إعادة الاتصال بين السكان الويغور في آسيا الوسطى ونظرائهم في شينجيانج، ونشأت في الخارج مجموعات ويغوريَّة أبرزها حركة تحرير تركستان الشرقية الانفصالية، التي تأسست في تركيا أواخر التسعينيات، ومؤتمر الويغور العالمي، الذي أنشئ في ألمانيا عام 2004.

حملة القمع الصينية في شينجيانج وتصاعد العنف

شهد العام 1996، أول حملة صينية قاسية في شينجيانج، وكانت جزءًا من حملة “الضرب بشدة” التي استهدفت الجماعات الانفصالية في التبت ومنغوليا الداخلية أيضًا، وفي أعقاب هجمات 11/9 الإرهابية، بدأت الحكومة الصينية في تصوير الانفصاليين الويغور بأنهم من مؤيدي القاعدة، وبصرف النظر عن قمع الدولة المباشر، سعت الصين لتقويض نفوذ الويغور في المنطقة؛ عبر تشجيع الهجرة الجماعية للهان الصينيين، أكبر عرقية في البلاد؛ ما أدى إلى زيادة تدريجية في نسبة السكان الهان الصينيين في المنطقة، حتى أصبحوا يمثلون الآن قرابة 40% من سكان شينجيانج، في مقابل 45% من الويغور.

في عام 2009، نشبت أعمال عنف، في ردٍ فوري على مقتل عاملَيْن من الويغور خلال اشتباكات مع العمال الصينيين من الهان. وفي أوروموتشي، عاصمة إقليم شينجيانج، أُبلِغ عن مقتل قرابة 200 شخص، وبدورها زعمت الحكومة الصينية أن معظم القتلى من جماعات الهان الصينية، لكن جماعة الويغور نفت ذلك. كما اتهمت الصين مؤتمر الويغور العالمي بلعب دور في تأجيج أعمال الشغب. في وقت لاحق من ذاك العام، وقعت سلسلة هجمات بالحقن ضد الهان الصينيين، وفي 2010، صدم عضو من أقلية الويغور مجموعة من رجال الشرطة والحراس شبه العسكريين في أكسو بسيارة مملوءة بالمتفجرات، ما أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة 15 آخرين، وفي عام 2011 شهدت هوتان أعمال عنف حينما شنت مجموعة ويغورية انفصالية هجومًا على ضباط شرطة، خلَّف قتلى وإصابات شديدة. وفي عام 2013، تكررت أعمال الشغب والقتل في إقليم شينجيانج.

قضية الويغور والدبلوماسية الصينية في آسيا الوسطى

سعت الصين لمواجهة اضطرابات شينجيانج من خلال إستراتيجية مزدوجة؛ مكونة من: (1) التنمية الاقتصادية و(2) المناورات الدبلوماسية، عبر إرساء الأمن والتعاون مع جيرانها في آسيا الوسطى. وشكلت حملة “التطوير الغربي الكبير” GWD – التي تهدف إلى جعل شينجيانج قاعدة اقتصادية هامة – أساس هذا النهج، لا سيما وأن موارد النفط والغاز في شينجيانج كبيرة، وتشكل 12.7% و14% من الموارد الوطنية، كما يتمتع الإقليم بالقدرة على الصعود كمصدر رئيسي لإمدادات الطاقة إلى الدول المجاورة في آسيا الوسطى.

على الجبهة الدبلوماسية، أحرزت الصين نجاحًا في احتواء مسألة الانفصال ضمن إطار شنغهاي- 5 (S-5)، ومنظمة شنغهاي للتعاون SCO، التي خلَفتها وتأسست في عام 2001، وكان أحد أوائل أعمال المنظمة هو اعتماد “عهد شنغهاي لقمع الإرهاب والانفصال والتطرف الديني”، الذي يهدف إلى تأسيس مجتمع قوي استجابة للتهديد الواضح الذي يمثله الإسلام الأصولي على هذه الدول، وهي العوامل التي جعلت الموقف الصيني يحظى بتأييد جيرانها في آسيا الوسطى.

رد المجتمع الدولي

كان الانقسام هو السمة المميزة للاستجابة الدولية على الصراع الصيني؛ فبينما كان ينظر البعض إلى الصين باعتبارها ضحية التشدد الويغوريّ، كان البعض الآخر يرى أن الصين ترتكب أعمال عنف في المجتمع الويغوريَّ، فمن جانبها أعربت جماعات حقوق الإنسان الغربية عن قلقها إزاء الإجراءات القمعية الصينية، مستخدمةً الإرهاب كذريعة لانتهاكات حقوق الإنسان، وفي الدورة الـ12 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، التي عُقدت في سبتمبر 2009، انتقد الاتحاد الأوروبي حملة القمع الصينية ضد احتجاجات الويغور، معتبرًا أن هذا القمع مُحصّلةً للحرمان من حرية التعبير والحق في التجمع السلمي، وكان رد الصين أن وصفت الاحتجاجات بأنها جرائم عنف يرتكبها الانفصاليون، وفي وقت لاحق من عام 2009، انتقدت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، نافي بيلاي، استخدام الصين وسائل عنيفة في إقليم شينجيانج، وردت الصين مرة أخرى بالإشارة إلى أن هذا التصريح من المفوضة السامية يرقى لمستوى توجيه أصابع الاتهام إلى دولة ذات سيادة.

لكن باكستان اتخذت موقفًا رسميًّا مؤيدًا لحليفتها الصين، وبموجب معاهدة تسليم المجرمين الموقعة في عام 2003،  تم تبادل سجناء بين البلدين، وأعلنت الولايات المتحدة بعض تشكيلات الويغور مجموعات إرهابية، لكنها رفضت إعادة الويغور الصينيين المعتقلين في أفغانستان إلى الصين.

الرد الصيني على نزاع شينجيانج والتحديات المقبلة

سعى الصينيون إلى إطلاق برنامج للتنمية الاقتصادية في إقليم شينجيانج الغني بالموارد، إيمانًا منهم بأن النمو الاقتصادي سوف يؤدي إلى تخفيف وطأة معاناة السكان هناك، وبالتالي تقليل تأييد الأقليات للأصولية الإسلامية. بيدَ أن هناك بعض التحديات المرتبطة بهذا النهج:

أولاً: سوق التنمية الاقتصادية تؤدي حتمًا إلى هجرة حضرية، وقد لا يجني الجميع فوائد التنمية.

ثانيًا: مع مزيد من التنمية، وتحسن مستوى المعيشة، من المرجح أن تتعزز الهوية العرقية.

حتى الآن، عجزت الحكومة الصينية عن التعامل مع القضايا الدينية، وما لم تبذل جهودًا جدِّية لتعزيز الاندماج والترابط الثقافي  بين الجماعات العرقية المختلفة، سوف يستمر الصراع في التصاعد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد