نفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، في قرار نوعي، وجود أية علاقة تاريخية بين اليهود والمسجد الأقصى، وبخاصة حائط البراق.

واعتبرت اليونسكو، أن المسجد مكانًا خاصًا بالمسلمين فقط، وذلك بعد تصويت إحدى لجانها على مشروع تقدمت به الجزائر، ومصر، ولبنان، والمغرب، وعمان، وقطر، والسودان.

القرار الذي صوتت لصالحه 24 دولة، وامتنعت 26 عن التصويت، طالب إسرائيل، بالعودة إلى الوضع التاريخي، الذي كان قائمًا حتى سبتمبر (أيلول) ٢٠٠٠، حينما كانت دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية، السلطة الوحيدة المشرفة على شؤون المسجد.

قوة قانونية معنوية لقرار اليونسكو

لم يفاجئ قرار اليونسكو الأمين للعام للهيئة الإسلامية المسيحية في القدس، «حنا عيسي»؛ إذ توقع قبل عشرة أيام من صدور القرار، أن يكون لصالح الفلسطينيين.

وأوضح عيسى، أن أهمية هذا القرار «تنبع من أنه يؤكد على القرارات السابقة التي اعتبرت المسجد الأقصى بما فيه حائط البراق، جزء لا يتجرأ من المسجد الأقصى، وأنهما وقف إسلامي خالص».

وأضاف خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، أن «هذا القرار يؤكد على القرارات السابقة، من حيث الدعم العام الدولي ومن حيث القوة القانونية المعنوية لهذا القرار».

ويشرح عيسى أن القرار لابد أن يتوفر فيه عنصري المديونية والمسؤولية، في آن واحد، والتوصية يتوفر فيها عنصر المديونية دون المسئولية؛ إذ إن قرارات مجلس الأمن التي تصدر باستخدام القوة هي قرارات ملزمة وكذلك قرارات محكمة العدل الدولية ملزمة، أما باقي القرارات التي تصدر عن الهيئات كالجمعية العمومية أو مجلس حقوق الإنسان أو اليونسكو، هذه قرارات عبارة عن توصيات؛ وبالتالي قيمتها معنوية فقط، بحسب ما قال.

في النهاية يعلم عيسى جيدًا أن قرارات اليونسكو ليست إلا «حبر على ورق»، كما يصفها، مُستدركًا «إلا إذا كانت مدعومة بقرار مجلس الأمن، لطرد الاحتلال الإسرائيلي من القدس، واستخدام القوة لتنفيذ ذلك».

استثمار القرار

يؤكد المجلس التنفيذي في القرار على أن «المسجد الأقصى موقعًا إسلاميًا مقدسًا مخصصًا للعبادة للمسلمين، وأن باب الرحمة وطريق باب المغاربة والحائط الغربي للمسجد الأقصى وساحة البراق جميعها أجزاء لا تتجزأ من المسجد الأقصى(الحرم الشريف) ويجب على إسرائيل تمكين الأوقاف الإسلامية الأردنية من صيانتها وإعمارها حسب الوضع التاريخي القائم قبل الاحتلال»، كما أكد على  بطلان جميع إجراءات الاحتلال التي غيرت الواضع القائم في القدس بعد 5 يونيو (حزيران) العام 1967.

ويقول أستاذ دراسات بيت المقدس في إسطنبول «عبد الله معروف» إن هذا القرار لا تنبع أهميته في النقاط الواردة فيه، بل تنحصر في نقطة جوهرية أساسية، وهي حصر القدسية في المسجد الأقصى المبارك وكافة معالمه – بما فيها حائط البراق الشريف – بالمسلمين دون غيرهم.

 

ويضيف لـ«ساسة بوست»، إن «هذا أمر ينبغي على السياسيين والنشطاء استثماره وإن لم يكن له أثر مباشر في الصراع على القدس والمسجد الأقصى المبارك، فهو بالتأكيد يمكن الاستفادة منه باعتبار اليونسكو هي الهيئة الدولية الأعلى المتخصصة بالثقافة والتراث العالمي، أي باختصار؛ لا يصح الاستهانة بهذا القرار ولا يصح كذلك إعطاؤه أكبر من حجمه».

ويؤكد معروف على أنه «على الصعيد الشعبي القرار يعطي غطاءً شرعيًا أمميًا ضمن القانون الدولي لحماية المسجد الأقصى المبارك بكافة الوسائل القانونية المتاحة»، قائلًا: إن القرار «يوجع إسرائيل، لأنه يؤكد على أن العالم غير مقتنع بروايتها الدينية التاريخية المتعلقة بعلاقتها بالمسجد الأقصى المبارك، بالرغم من كل محاولاتها الطويلة للدعاية لهذه الرواية بمختلف الوسائل؛ وهو ما يشكل أزمةً للمشروع الصهيوني لأنه بالدرجة الأولى مشروعٌ إعلامي».

قرار أفضل مما توصل إليه الفلسطينيون مع الإسرائيليون!

يؤكد قرار اليونسكو على أن المسجد الأقصى والأماكن المقدسة هي أراض إسلامية، نافيًا الرواية التاريخية التي تحاول أن تثبت أن هذه الأراضي هي أرض يهودية، وهو قرار يدين جميع عمليات التهويد الجارية في الحرم القدسي، ولكن هل يعتبر قرار اليونسكو إلزامي لإسرائيل؟

 

ويوضح لنا أستاذ العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية (نابلس)، «عمر جعارة»، أن قرارات اليونسكو، لا تعتبر إجبارية التنفيذ؛ لأنها لا تخضع للمادة السابعة أو التاسعة من قوانين هيئة الأمم المتحدة، فكافة هيئات الأمم المتحدة التي لا يوجد فيها حق استخدام الفيتو لدول الخمسة الكبار هي مؤسسات ثقافية تربوية رياضية أكثر منها مؤسسات سياسية تنفيذية.

ومع ذلك يصف جعارة القرار بأنه موقف مشرف من اليونسكو؛ كونه أكد على أن ادعاء الفكر اليهودي بأن هيكليهم تحت المسجد الأقصى هي فكرة مغلوطة تاريخية، مُضيفًا أنه «في انتفاضة البراق العام 1929 شكلت العصبة الدولية لجنة لتحقيق بأحداث الانتفاضة وتوصلت إلى قرار مشابه لقرار اليونسكو الأخير، وأكدت على أن هذا الحائط هو حائط البراق، وليس حائط المبكي والرصيف المقابل له هو وقف إسلامي لأسرة أبو مدين الفلسطينية».

ويقول جعارة لـ«ساسة بوست»، إنه «أينما ذهبت اللجان الدولية حتى لو كانت هيئة الأمم المتحدة فقراراتها للحقوق التاريخية للفلسطينيين أفضل بكثير مما توصلت إليه القيادة الوطنية الفلسطينية مع الإسرائيليين، أتذكر في احدي البرامج التلفزيونية قيل لأحمد قريع: هل تعلم أن وعد بلفور أفضل وأحفظ للحقوق الفلسطينية من اتفاق أوسلو؛ وذلك لأن اتفاقية أوسلو اعترفت بيهودية مواقع دينية في الضفة الغربية، واليونسكو اليوم لا تعترف بأقدس مقدسات اليهود وهو الهيكل، وبذلك أصبحت اليونسكو متقدمة جدًا على القيادة الفلسطينية».

إسرائيل تعلق كل نشاط مهني مع اليونسكو

لم يكتف قرار اليونسكو باعتبار المسجد الأقصى إسلاميًا، بل أدين أيضًا «الاعتداءات الإسرائيلية والتدابير غير القانونية التي يتعرض لها العاملون في دائرة الأوقاف الإسلامية، والتي تحد من تمتع المسلمين بحرية العبادة ومن إمكانية وصولهم إلى المسجد الأقصى»، واستنكر القرار الاقتحامات المتواصلة للمسجد «من قبل متطرفي اليمين الإسرائيلي والقوات النظامية الإسرائيلية«.

 

 

في اليوم الثاني لصدور القرار، علقت إسرائيل كل نشاط مهني مع اليونسكو، وقال وزير التربية والتعليم الإسرائيلي «نفتالي بينيت»، إنه «وفقًا لهذا التصويت ستتوقف فورًا كل مشاركة ونشاط  للجنة الإسرائيلية مع المنظمة الدولية، ولن تجري أية لقاءات أو مقابلات، ولن يجري أي تعاون فني مع منظمة تقدم الدعم للإرهاب».

من جهته، شبه رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو نفى اليونسكو علاقة اليهود بحائط البراق، كـ«نفي صلة الصين بسور الصين العظيم والعلاقة بين مصر والأهرامات»، وقال، حسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، إن «اليونسكو اتخذت مرة أخرى قرارًا ينطوي على الهذيان حول عدم وجود صلة بين اليهود وحائط البراق».

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد