على الورق فقط.. لماذا لم تنشط الصيرفة الإسلامية في الجزائر حتى الآن؟

منذ حوالي 10 أشهر على البدء الفعلي لسماح بنك الجزائر المركزي للبنوك العاملة في البلاد بإطلاق خدمات الصيرفة الإسلامية في الجزائر، وذلك بعد الإعلان عن هذه الخطوة قبل عام من الآن، لكن حتى هذه اللحظة لم يعلن أي بنك في البلاد عن إطلاق منتجات الصيرفة الإسلامية، بالرغم من تلقي المركزي لنحو ستة طلبات من البنوك لفتح نوافذ تتعامل بنظام الصيرفة الإسلامية، فلماذا لم تنشط الصيرفة الإسلامية في الجزائر حتى الآن وما هي العوائق؟

من الصعب أن ندرك إجابة على هذا السؤال ونفهم أبعاد المشكلة إذا لم نفهم طبيعة القطاع المصرفي في الجزائر؛ إذ يمكن القول إن هذا القطاع له طبيعة خاصة تختلف عن غيره في دول المنطقة، لذلك سنفرد مساحة في البداية للتعرف أكثر على القطاع المصرفي في الجزائر.

بلومبيرج: شرح الصيرفة الإسلامية وصعودها في العالم

نحو فهم لطبيعة القطاع المصرفي الجزائري

يقول تقرير صادر عن اتحاد المصارف العربية في سبتمبر (أيلول) الماضي: إن عدد المصارف العاملة في الجزائر بنهاية شهر مارس (آذار) 2014، سجل نحو 20 مصرفًا، بينهم ستة مصارف حكومية، بالإضافة إلى 14 مصرفًا خاصًا، موزعة بين: محلية، وعربية، وأجنبية، بينما يبلغ مجمل الفروع الداخلية لهذه المصارف نحو ألف و328 فرعًا.

وتتوزع المصارف في البلاد إلى 17 مصرفًا تجاريًا، وثلاثة مصارف إسلامية، سبعة منهم ملكية محلية و13 مصرفًا أجنبيًا، إلا أن الحكومة تسيطر على الحصة الأكبر من النشاط المصرفي بنسبة تصل إلى حوالي 80% من موجودات القطاع المصرفي، و85% من القروض و90% من الودائع.

ووفق بحث حديث نشر مؤخرًا على موقع جامعة «قاصدي مرباح» الجزائرية، خلص إلى أن المنظومة المصرفية والمعايير المعمول بها في القطاع لا تتماشى مع المعطيات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، مشيرًا إلى أن القطاع المصرفي يواجه تحديات كبيرة نتيجة انتشار واحتدام المنافسة التي يصعب بالإمكانيات الحالية مواكبتها.

البحث المنشور بعنوان «تحديث القطاع المصرفي في الجزائر.. الإستراتيجية والسياسة المصرفية»، شدد على ضرورة تحديث وتطوير الخدمات المصرفية وإعادة تعديل في إستراتيجيات البنوك وأساليب عملها، إذ أكد أن البنوك الجزائرية تعيش أزمة تنظيم، خاصة فيما يخص البنوك العمومية التي تنفذ توجهات الدولة بصفتها المالكة، وتعمل في البلاد بوصفها بنوكًا تجارية كذلك.

إضافة إلى ذلك يتسم التشريع البنكي في الجزائر بانعدام الانسجام بين النصوص والتناقض أحيانًا ووجود ثغرات قانونية، ينتج عنها صعوبات في تحليل المشاكل القانونية للبنوك، و تضع هذه القواعد التنظيمية البنوك في قلب تناقضات الدولة التي تلعب دور المساهم الوحيد والدائن والمدين والفاعل الاقتصادي في آن واحد.

على الجانب الأخر، تقول بقبق ليلى أسمهان، الأستاذة بكلية اﻟﻌﻠﻮم اﻻﻗﺘﺼﺎدﻳﺔ بجامعة «قاصدي مرباح»، خلال بحث لها حول إصلاحات النظام المصرفي الجزائري، إن كل محاولات الإصلاح المصرفي تقريبًا ظلت حبرًا على ورق أكثر منها تطبيقًا فعليًا في الواقع، وذلك بسبب التطبيق السيئ لهذه التحديثات وما انجر عنها من فوضى عارمة في الاقتصاد.

لكن لا يمكن إنكار ما حققه القطاع أيضًا من تطور كبير خلال السنوات القليلة الماضية، إلا أنه لا يزال أمامه الكثير من العمل، بحسب اتحاد المصارف العربية، فحتى الآن لا يشكل القطاع المصرفي الجزائري سوى نسبة 4.9% فقط من القطاع المصرفي العربي، بالرغم من أن الاقتصاد الجزائري يشكل نسبة 8.4% من الاقتصاد العربي.

الصيرفة الإسلامية في الجزائر.. قبل يناير 2019 وبعده

كان من المفترض أن يكون العام الحالي الذي يقترب من نهايته هو عام الصيرفة الإسلامية في الجزائر، لكن هذا لم يحدث، وقبل العام الجاري فإن الجزائر كان يعمل بها ثلاثة مؤسسات مالية إسلامية عربية وهي: بنك البركة الجزائري، الذي تأسس سنة 1990، وهو أول مؤسسة مصرفية تعمل وفق مبادئ الشريعة الإسلامية في الجزائر.

بالإضافة إلى المؤسسة العربية المصرفية التي تأسست عام 1998، ثم بنك السلام الذي دخل السوق المصرفية الجزائرية عام 2008، هذا هو كل التطور الذي حدث في الصيرفة الإسلامية بالجزائر على مدار العقود الثلاثة الماضية، إلا أن 2019 كان من المفترض أن يكون بمثابة البداية لازدهار هذا النوع من المنتجات المصرفية.

في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، أصدر بنك الجزائر قواعد لممارسة العمليات المصرفية المتعلقة بـ«الصيرفة التشاركية»، إذ لم يسمها القانون الإسلامية بشكل صريح، إلا أن القانون حدد أشكال العمليات المصرفية المتعلقة بتلقي الأموال وتوظيفها وعمليات التمويل والاستثمار التي لا يترتب عنها تحصيل أو تسديد فوائد، مثل (المرابحة، المشاركة، المضاربة، الإجارة، الاستصناع، السلم، الودائع في حسابات الاستثمار)، لكن الغريب أن هذه المنتجات تخضع للقواعد العامة المتعلقة بالشروط البنكية المطبقة على العمليات المصرفية.

هكذا أصبح «التمويل الإسلامي» حلًا لإنعاش الاقتصاد العالمي

ووفق الأرقام المتوفرة، ففي عام 2013 بلغ حجم الأصول الإسلامية في الجزائر أكثر من 3 مليار دولار، أي حوالي 2.4% من إجمالي الأصول المصرفية، ولكن في ذلك الوقت كانت المصارف التي تعمل وفق الشريعة الإسلامية في الجزائر تشهد وتيرة نمو أسرع من البنوك التقليدية، لكن لم يكن مسموحًا للبنوك التجارية حتى بداية 2019 بإطلاق خدمات الصيرفة الإسلامية في الجزائر.

وقبل العام الجاري تمثلت خدمات الصيرفة الإسلامية في الجزائر، في تمويلات لشراء عقارات، وسيارات ومواد استهلاكية فضلًا عن تمويل مشاريع استثمارية صغيرة بمبالغ محدودة، إلا أن التشريع الجديد ضم سبع صيغ للصيرفة الإسلامية، كما ذكرنا.

لماذا أقرت الجزائر الصيرفة الإسلامية؟

في سبتمبر 2017، خرج رئيس الوزراء الجزائري آن ذلك، أحمد أويحي، ليقول إن بلاده ستعتمد الصيرفة والخدمات المالية الإسلامية، مشيرًا وفق خطة حكومتها التي كان يعرضها على البرلمان الجزائري، إلى أن هذه الخطوة تهدف إلى استقطاب كتل مالية من السوق الموازية إلى البنوك، والذي قدر حجمها في ذلك الوقت بنحو 26 مليار دولار، إلا أن بعض التقديرات غير الرسمية تتحدث عن 40 إلى 60 مليار دولار.

وبالرغم من أن أويحي، أعلن عن إدراج الصيرفة الإسلامية في ستة بنوك حكومية في 2017، إلا لأن العملية لم تترجم على أرض الواقع لأسباب لم تفصح عنها الحكومة، لكن جاء التفعيل الرسمي في بداية 2019.

كانت تلك هي أصل فكرة اعتماد الصيرفة الإسلامية في الجزائر بالأساس، ما يعني أن القرار ليس مصرفيًا ولا يهدف إلى تطوير القطاع وتنويع المنتجات المصرفية، وبحسب ما يقول فارس مسدور، الخبير في الاقتصاد الإسلامي وأستاذ الاقتصاد بجامعة الجزائر، لصحيفة «العربي الجديد» فإن «الصيرفة الإسلامية في الجزائر فرضتها الظروف المالية ولم تأت عن قناعة سياسية».

ويرى متابعون أن لجوء الجزائر للصيرفة الإسلامية لم يأت عن قناعة تامة بهذا النوع، حيث تعتبره الحكومة حلًا مؤقتًا قد يزول بزوال أسبابه، لذلك لم تنشط الصيرفة الإسلامية في الجزائر حتى الآن.

ما هي عوائق عمل المصارف الإسلامية في الجزائر؟

مما سبق يمكن استنتاج أسباب تعطّل إطلاق نوافذ إسلامية لمصارف الجزائر، إذ إن العوائق تتوزع ما بين هو تنظيمي وقانوني، بالإضافة إلى طبيعة القطاع المصرفي والمشاكل التي يعاني منها، لكن يرى الخبراء أن أكبر عائق أمام انتشار الصيرفة الإسلامية في الجزائر، هو غياب الإطار القانوني المنظم لها، فقانون «القرض والنقد» كما ذكرنًا لم يعترف صراحة بوجود الصيرفة الإسلامية، فحتى الآن تسمى «الصيرفة التشاركية»، لذلك لا توجد هيئة دينية رسمية سواء داخل بنك الجزائر المركزي أو خارجه، وهذا الأمر يجعل من الخطوة إجمالًا خطوة شكلية فقط.

ووجود هيئة شرعية موحدة، لكي تكون مرجع أساسي في الفتوى، هو سمة أساسية معلومة من هوية المصارف الإسلامية وتميزها عن غيرها من البنوك التقليدية، وعدم وجود مثل هذه الهيئة يجعل هذا النوع من المعاملات لا يحظى بالثقة بين الجمهور.

وبحسب ما يقول عبد الرحمن عية، أستاذ الاقتصاد بجامعة الجزائر، لوكالة «الأناضول» فإن إنجاح هذا النوع من المنتجات المصرفية، يجب أن يرافقه تهيئة جملة من الظروف وحينها سينجح على الأقل في استقطاب نصف الكتلة الموازية المستهدفه، وأول خطوة هي تسميتها صراحة «بالصيرفة الإسلامية».

 

على الجانب الآخر، يقول أحمد هوامي، مستشار أحد البنوك الإسلامية الناشطة في الجزائر، إن جذور الخلل تعود إلى عام 1962، عندما تم إنشاء البنك المركزي الجزائري، وإقرار قانون القرض والنقد (قانون ينظم عمل المصارف)، تحت الإدارة الفرنسية.

وأشار هوامي، حسبما نقلت عنه مصادر إعلامية، إلى أن القوانين الجزائرية المعمول بها في هذا الشأن مستنسخة من النظام المصرفي الفرنسي، الذي تغير في عهد وزيرة المالية والشؤون الاقتصادية الفرنسية السابقة كريستين لاجارد؛ إذ سمح بإنشاء بنوك إسلامية، لكنه لم يتغير في الجزائر.

يشار إلى أن مئات البنوك الإسلامية تنتشر حول العالم ويقترب حجم أصولها من 2 تريليون دولار، وتنمو بمعدل 15 إلى 25% سنويًا، وهو أعلى معدل نمو بين البنك في العالم على الإطلاق، وبحسب وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية، فقد بلغ حجم الأصول «المتوافقة مع الشريعة» 2.1 تريليون دولار بنهاية العام 2016.

وبحسب ما نقل اتحاد المصارف العربية، عن تقرير التنافسية العالمية للمصارف الإسلامية لعام 2016، فقد قارب عدد عملاء المصارف الإسلامية حول العالم 100 مليون عميل، ومع ذلك لا تزال 75% من قاعدة العملاء المحتملة للتمويل الإسلامي غير مستغلة ولا يزال القطاع يتمتع بسعة كبيرة يمكن أن تستوعب المزيد من المتعاملين، وهو ما يجعل الجزائر أمام فرصة كبيرة تنتظر الاستغلال.

هل بدأت قطر في تبني الاقتصاد الإسلامي؟

اقتصاد الجزائرالجزائرالصيرفة الإسلاميةالقطاع المصرفيالمصارف الإسلاميةبنك الجزائر المركزي

المصادر