في 21 فبراير (شباط) الماضي أعلن صندوق النقد الدولي عن خططه لإدراج التمويل الإسلامي رسميًا ضمن إطاره الرقابي، وفي نفس اليوم أصدرت مجموعة البنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية أول تقرير عالمي عن التمويل الإسلامي، فيما بدا اهتمامًا مُفاجئًا بالقطاع الذي يشهد نموًا متسارعًا.

وأوضح المجلس التنفيذي لصندوق النقد اعتماد مجموعة مقترحات حول الدور الذي ينبغي أن يقوم به التمويل الإسلامي في المستقبل القريب، مشيرًا إلى تنامي طلب المساعدة الفنية من الجهات الرقابية الوطنية، إذ بات قطاع التمويل الإسلامي مكونًا أساسيًا في الصيرفية العالمية.

ويُشكّل التمويل الإسلامي حوالي 15% من النظام المصرفي في كل من إيران والسعودية والكويت وقطر وماليزيا والإمارات، وهو أيضا سوق واعدة في البحرين وتركيا وبريطانيا وسنغافورة. لذا أكّد صندوق النقد على رغبته في تشجيع «مزيد من الاتساق بين الدول في تطبيق قواعد التمويل الإسلامي»، كاشفًا عن نيته وضع مذكرة إرشادية عن الأنشطة المصرفية الإسلامية، كما أنه سيعتمد معيارًا للوائح التمويل الإسلامي في 2018، كان قد أصدره مجلس الخدمات المالية الإسلامية في ماليزيا.

لماذا كل هذا الاهتمام بالتمويل الإسلامي؟

حمل تقرير البنكين الدولي والإسلامي للتنمية، الأول من نوعه، جانبًا مضيئًا آخر في صناعة التمويل الإسلامي، وهو مساهمته في الحد من التفاوت في مستويات الدخل بالعالم، إذ قدم التقرير عرضًا عامًا عن اتجاهات التمويل الإسلامي، وبعض التوصيات بإجراءات تدخلية على صعيد السياسات للاستفادة من التمويل الإسلامي بغية تشجيع الرخاء المشترك.

وأوضح التقرير أن التمويل الإسلامي يدعو إلى المساواة والتوزيع العادل للدخل والثروة، فهو مرتبط بالاقتصاد الحقيقي ارتباطًا وثيقًا، وهو ما يمكن أن يعزز زيادة استقرار القطاع المالي العالمي، بالإضافة إلى إمكانياته في القدرة على جذب أناسٍ مستبعدين منه حاليًا لأسباب ثقافية أو دينية، وكذلك هو أكثر أمنًا من التمويل التقليدي، إذ يشارك في تحمل المخاطر بضمان الأصول، ويسند الملكية المباشرة إلى الأفراد في القطاع الحقيقي من الاقتصاد.

ربما تكون هذه أسباب الاهتمام الملحوظ من جانب المؤسسات المالية الدولية، إلا أن ضياء الناروز، أستاذ الاقتصاد ونائب مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، رصد خلال حديثه لـ«ساسة بوست» عددًا من مظاهر الاهتمام العالمي بالتمويل الإسلامي، أبرزها إقدام عدد من البنوك الأوروبية والأمريكية الكبيرة مثل «سيتي بانك» و«إتش إس بي سي»، بفتح فروع للصيرفة الإسلامية، فضلًا عن أنّ ثمّة 38 مليار دولار أمريكي في صورة صكوك مُدرجة في بورصة لندن، صادرة عن شركات وبنوك مقرها في الشرق الأوسط.

«وهناك المزيد من مظاهر الاهتمام بالتمويل الإسلامي في مختلف دول العالم، إضافة إلى ذلك، فإن الأزمة المالية العالمية التي هزت الاقتصاد العالمي في 2008، جعلت هذا الاهتمام يزداد أكثر وأكثر»، يقول الناروز.

وإجابةً على سؤال: لماذا كل هذا الاهتمام بالتمويل الإسلامي؟ أكّد الناروز على أنّ التمويل الإسلامي «جدير بهذا الاهتمام وأكثر»، وفيما يرى، فذلك بسبب «ما يمتلكه من أدوات وصيغ تمويلية متعددة ومتنوعة ومتوافقة مع الشريعة الإسلامية، وتفعيل هذه الأدوات والصيغ يحقق أهداف الفقراء والأغنياء، ويعمل على علاج ما يعانيه النظام المالي العالمي من أزمات ناتجة عن الممارسات المالية الربوية»، بحسب الناروز.

وعلى مُستوى آخر أكثر مُباشرةً، فإن الاهتمام العالمي وبخاصة الغربي بالتمويل الإسلامي؛ نابع من الاستفادة من السيولة الكبيرة المتوافرة في الدول العربية والإسلامية المُصدّرة للنفط، وبخاصة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أو المتوافرة لدى الجاليات الإسلامية الكبيرة في أوروبا وأمريكا الشمالية، وهي سيولة تبحث عن قنوات شرعية تتفق مع مبادئ التمويل الإسلامي.

وعليه فإن صناعة التمويل الإسلامي بالنسبة للدول الغربية بمثابة مُنتج له زبائنه وسوقه وهو عدد المسلمين حول العالم، أي أكثر من ملياري نسمة، وبالتالي ووفقًا للناروز فإن «اهتمام حكومات الدول الغربية بالتمويل الإسلامي ورغبتها الشديدة في الولوج إلى هذه الصناعة، يأتي ضمن حرصها على جذب رؤوس أموال المسلمين، واستثمارها في مشروعات تنموية وطنية تعود بالفائدة على بلادها».

من جهة أُخرى، ثمة من يرى أن ما يحدث الآن في قطاع التمويل الإسلامي، هو تطبيق لنظرية كينز «للطلب الكلي الفعّال»، والتي تنص على أنّه عند دخول النظام الاقتصادي حالة ركود، فإن هذا يعني انكماش حجم الاستثمار، وبما أن العالم يُعاني ركودًا كبيرًا، فإن «إنعاش الاقتصاد يتحقق بالدرجة الأولى بتخفيض سعر الفائدة إلى أقل مُعدّل ممكن»، أو كما ترى زينب صالح الأشوح، رئيس قسم الاقتصاد بكلية التجارة في جامعة الأزهر بالقاهرة.

ووفقًا لزينب الأشوح، فقد ذكر كينز أن أفضل حل لتحسين الاستثمار في هذه الحالة، بتخفيض الفوائد الائتمانية على الاستثمار إلى الصفر، وعليه اتجهت دول غربية لمواجهة الأزمة المالية إلى تخفيض أسعار الفائدة.

اقرأ أيضًا: عن الرجل الذي أنقذ الاقتصاد العالمي مرتين: الآن وقبل 80 عامًا

رأي آخر يرى في الاهتمام بالتمويل الإسلامي، سعيًا من داخل عالم المال للبحث عن بدائل للأدوات التقليدية للاستثمار من قروض وسندات، والتي لعبت دورًا كبيرًا في اندلاع الأزمات المالية، ومن أصحاب هذا الرأي عادل عيد أستاذ الاقتصاد الإسلامي والأستاذ المساعد بجامعة الأمير سطام بن عبد العزيز، حتى إنّه يرى في أدوات الاستثمار الإسلامية «الملاذ والملجأ الأخير للعالم»، مُستشهدًا في ذلك بـ«نجاة المؤسسات المالية الإسلامية من آثار الأزمات المالية العالمية» على حد قوله.

الرقابة واللوائح.. تحديات أمام نمو التمويل الإسلامي

يقدر النقد الدولي أصول التمويل الإسلامي بأكثر من تريليوني دولار في أنحاء العالم منها حوالي 1.3 تريليون دولار في حوزة بنوك تجارية إسلامية، إذ يرى الصندوق أن هناك تقدمًا كبيرًا في تطوير المعايير الاحترازية بالقطاع لكن ما زالت هناك فجوات بمجالات مثل التأمين على الودائع وإدارة السيولة.

ورغم اختلاف مضمون تقريري البنك والنقد الدوليين، إلا أنهما اتفقا على أن الرقابة واللوائح هما أهم المخاطر التي تواجه نمو التمويل الإسلامي في السنوات القادمة، كذلك أكد تقرير البنك الدولي أن صناعة التمويل الإسلامي تحتاج للتوسع خارج نطاق المعاملات البنكية التي تشكل نحو 70% من معاملاته حاليًا.

اللوائح التنظيمية والشق الرقابي، قد يأتيان من خلال توفير مناخ تنظيمي وإشرافي ملائم يتصدى لمخاطر النظام المالي بين البلدان المختلفة، وطرح منتجات وخدمات مبتكرة للمشاركة في تحمل المخاطر، إذ إن أسواق التمويل الإسلامي ما زالت حديثة العهد نسبيًا، إلا أنها يمكن أن توفر الفرص لبناء الأصول.

هذه الجوانب أكد عليها عادل حميد أستاذ الاقتصاد وصاحب كتاب «النظرية النقدية والمصرفية الإسلامية (دراسة مقارنة)»، إذ يرى أن الجانب الرقابي هو الضمانة لاستمرار وازدهار القطاع عالميًا، مؤكدًا أن خطط النقد الدولي تدعم ازدهار الصناعة، مُضيفًا في حديثه لـ«ساسة بوست» أنّ «الإمارات وقطر والسعودية وماليزيا والبحرين وسنغافورة وبريطانيا، يتنافسون على الريادة بالقطاع الذي تشير كل التوقعات إلى أنه سيكون واعدًا، فهناك نحو 500 مصرف إسلامي بالعالم لهم 350 فرعًا، كما أن المصارف تشكل النسبة الأكبر من صناعة التمويل الإسلامي في 73 دولة».

ولا يعتقد حميد في تأخر خطط النقد الدولي، إذ إنّ بعض الدول الإسلامية ليس فيها تمويل إسلامي حتى الآن، فضلًا عن أنّ التوجه العالمي للتمويل الاسلامي ينطلق من جانب مادي وربحي، بعيدًا عن أية جوانب اُخرى يضعها المسلمون في اعتبارهم. «الأداء غير المنضبط لبعض المصارف ومحاولة تقليد البنوك التقليدية في أحيان أخرى وعدم مواكبة تطوير المنتجات، أخطر ما يواجه القطاع»، بحسب عادل حميد.

هذا وتُعد نشأة بعض المصارف دون أن يكون لديها كوادر قيادية من داخلها، بمثابة التحدي الذي قد يتطلب إعادة النظر في معايير الاختيار السائدة. كما أنّه لا يُمكن تغافل أن نجاح التمويل الإسلامي سيظل مرهونًا بالدعم الخارجي من قبل المؤسسات الحكومية، وعلى رأسها البنوك المركزية.

توحيد المعايير والقلق من الهجين

تقول وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية إن توحيد المعايير يعزز التكامل في قطاع التمويل الإسلامي عالميًا، إذ ذكرت أن عدم توحيد المعايير أدى إلى المزيد من التعقيدات في إجراءات إصدار الأدوات المالية في سوق التمويل الإسلامي (لا سيما الصكوك)، وحالت دون دخول بعض المُصدرين للسوق.

وهي نفس النقطة التي تحدث عنها النقد الدولي، قائلًا إن أدوات الهجين مثل المرابحة وهي ترتيب واسع الانتشار يقوم على التكلفة زائد الربح لأن مثل هذه الأدوات غالبًا ما تحاكي القروض التقليدية مما يعرض البنوك الإسلامية لمخاطر في السيولة والسوق وحتى سعر الفائدة، كل هذه الأمور تعد أهم بواعث القلق الرئيسية، بحسب الصندوق.

فيما ترى ستاندرد آند بورز أن المخاطر ذات الصلة بفهم عدم الامتثال لأحكام الشريعة الإسلامية، يمكن أن يكون لها تأثير سلبي كبير على استقرار القطاع أو على المُصدرين، وهو ما أكد عليه محمد دمق، الرئيس العالمي للتمويل الإسلامي في الوكالة من حيث إن «غياب توحيد المواصفات في تفسير الأحكام الشرعية، هو السبب وراء التشتت الحالي في القطاع».

وتُعدّ الأداة الأشهر عالميًا للتمويل الإسلامي هي الصكوك الإسلامية تليها المرابحة والإجارة المنتهية بالتمليك وغيرها من أدوات القطاع، إلا أن تجهيز البنية التحتية لإصدارات الصكوك يحتاج إلى الالتفات لتحديات مهمة أولها البيئة القانونية ومدى قدرتها على استيعاب الإصدارات وتنظيمها قانونيًا.

وعن المخاطر، قال عادل عيد إن «الاستثمار التقليدي يتضمن مخاطر أعلى من الاستثمار الإسلامي»، لذلك فكفة التمويل الإسلامي أرجح في الوقت الحالي.

القطاع الأكثر تطورًا ونضجًا

توقعت دراسة صادرة عن مركز الهدى للصيرفة والاقتصاد الإسلامي في دبي، أن يصل حجم الأصول المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية إلى 2.7 تريليون دولار، بنهاية 2017، ليحقق سوق التمويل الإسلامي نموًا نسبته تصل إلى 15% هذا العام، في حين سيصل الحجم الإجمالي للتمويل الإسلامي إلى ثلاثة تريليونات دولار بحلول 2020.

الدراسة أكدت أن التمويل الإسلامي هو القطاع الأكثر تطورًا ونضجًا بين القطاعات الأخرى، والتي تمثل الركائز الرئيسة للاقتصاد الإسلامي العالمي، والذي يُقاس أداؤه ونموه على نطاق واسع بالاعتماد على قيمة الأصول المالية الإسلامية.

زبير موغال، الرئيس التنفيذي لمركز الهدى للصيرفة والاقتصاد الإسلامي، قال إن إجمالي مساهمة الإمارات والسعودية وقطر والكويت والبحرين وإندونيسيا وماليزيا وتركيا وباكستان، يصل إلى 82% من إجمالي سوق الصيرفة الإسلامية في العالم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد