بعد تطورات الأوضاع في اليمن، في أعقاب 9 أشهر من العمليات العسكرية ضد الحوثيين، أعلنت السعودية عن تحالف إسلامي عسكري بمُشاركة 35 دولة، بعد انضمام أوغندا رسميًّا للتحالف، في سياقه السياسي يثير التحالف العديد من التساؤلات عن توقيت إعلانه وملابسات ذلك، إضافة إلى أهدافه وآليات عمله وخططه للعمل الميداني.

خلال السطور التالية، تحاول “ساسة بوست” التعرف على السياق السياسي المرتبط بتأسيس هذا التحالف، وما هي أبرز أهدافه، والدلالة وراء اختيار الرياض مركزًا للعمليات، ومركزًا رئيسيًّا للتحالف.

 

الحرب على الإرهاب.. تحسين لصورة المملكة في الغرب

 

 

بعد حملات اتهام طالت “السعودية” من جانب مُعظم وسائل الإعلام الغربي بدعمها للإرهاب والتطرف الديني، وبالتزامن مع تفكك قوات التحالف الذي ينضوي تحت اسم “عاصفة الحزم”، تمخضت فكرة تأسيس تحالف عسكري إسلامي بقيادة المملكة فجر يوم الإثنين، وبمُباركة 35 دولة أبرزهم مصر وتركيا وقطر والإمارات.

تكرار المُبادرات السعودية لمُكافحة الإرهاب يراه البعض محاولة من المملكة تهدف إلى مواجهة الحملة الدولية الغاضبة التي تتهم “الوهابية”، الأيديولوجيا التي تتبناها المملكة العربية السعودية بالمسؤولية عن نشر “التطرف” حول العالم.

محاولة السعودية محاربة الصورة المُنتشرة عنها كداعمة للتطرف الديني، تتكرر في الأوقات التي تشتد فيها هذه النوعية من الأعمال، فبعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، سعى ولي العهد حينذاك الأمير عبد الله، الملك لاحقًا، لتنظيم مؤتمر لمكافحة الإرهاب في الرياض في 2005، ودعا فيه لإقامة مركز لمكافحة الإرهاب يكون مقرّه في الرياض، وتجد هذا الأمر بعد هجمات باريس الأخيرة، وخلال قمة العشرين في أنطاليا التركية، أعاد الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز طرح مقترح إنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب وتحت مظلة الأمم المتحدة كيما يحصل على موافقة الدول الكبرى، وأعلن سلمان عن تبرّع المملكة بمبلغ 110 ملايين دولار دعمًا لتمويل المشروع.

 

التحالف الإسلامي العسكري.. البديل الآمن لقوات «عاصفة الحزم»

 

 

التحالف العسكري الجديد تقوده “السعودية” من خلال تشكيل مركز عمليات مشتركة بالرياض «لتنسيق ودعم العمليات العسكرية لمحاربة الإرهاب، ولتطوير البرامج والآليات اللازمة لدعم تلك الجهود».

تزامن تشكيل هذا التحالف مع عدة انتكاسات عسكرية للتحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، خصوصًا بعد واقعة قيام القوة الصاروخية في الجيش اليمني بتوجيه ضربة صاروخية مركزة ودقيقة لمقر قيادة “التحالف” في باب المندب، والتي أسفرت عن تدمير 3 طائرات أباتشي، وأكثر من 40 آلية عسكرية، و7 عربات، و5 مصفحات مدرعة تتبع شركة بلاك ووتر، وإعطاب منظومتين باتريوت، وتدمير مباني مقر قيادة الغزاة، ومقتل 23 سعوديًّا و9 إماراتيين و7 ضباط مغاربة بينهم قيادات عسكرية برتب كبيرة، منهم قائد القوات الخاصة السعودية العقيد الركن عبد الله السهيان، وقيادات عسكرية إماراتية منها قائد معسكر الغزاة في باب المندب العقيد الإماراتي سلطان بن هويدان، إضافة إلى مصرع قائد كتيبة مرتزقة بلاك ووتر الأمريكية الكولومبي كارلا، وبلغت أعداد قتلى هذه العملية 152 قتيلًا.

وتشمل قائمة الدول المشاركة في التحالف المشكل: السعودية، تركيا، مصر، قطر، لبنان، دولة الإمارات، باكستان، الأردن، البحرين، الكويت، اليمن، تونس، المغرب، السودان، فلسطين، ليبيا، كوت دي فوار، السنغال، بنغلادش، بنين، تشاد، توغو، جيبوتي، سيراليون، الصومال، الغابون، غينيا، جمهورية القمر، المالديف، مالي، ماليزيا، موريتانيا، النيجر، نيجيريا، أوغندا.

 

السعودية.. قاعدة الهرم في التحالف

 

نجاح المملكة العربية السعودية في تشكيل التحالف، وتحديد أولوياته يُبرز الخطوات الحثيثة التي تمضي فيها السعودية لقيادة الشرق الأوسط، خصوصًا أن خطوة تشكيل التحالف تأتي بعد قدرة المملكة على تجميع كافة الفصائل السورية المُسلحة في سوريا بالرياض بما فيهم حركة “أحرار الشام”، وإطلاق بيان مُشترك تحت رعايتها.

يبدو كذلك أن السعودية هي المُتحكم الأول في تحديد البوصلة الداخلية للتحالف العسكري من خلال تحديد ماهية التنظيمات الإرهابية المُخول للتحالف مواجهته، وتصنيف من سيطلق عليه إرهابي ومن لن يُطلق عليه إرهابي. يظهر ذلك بوضوح في نجاح التصميم السعودي على حضور حركة “أحرار الشام” لمؤتمر المُعارضة السورية في الرياض، وتوقيعها على البيان الختامي، ما يجعلها خارج سرب العمليات المحتملة للتحالف.

تصدر الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد مشهد الزعامة في إعلان هذا القرار الملكي، وتوليه مسألة المفاوضات والمُباحثات بين أعضاء التحالف، ما يشير إلى النفوذ الكبير الذي يتمتع به الأمير الشاب مؤخرًا، وبخاصة أنه يشغل منصبي وزير الدفاع ونائب ولي العهد.

 

مناطق عمليات التحالف المُحتملة: سيناء وسوريا والعراق

 

 

وفقًا للمعلن، فإن كُل منطقة عربية تشهد توترًا داخليًّا على أراضيها، وتقع داخل الحيز الجغرافي للدول العربية، فهي مُرشحة لعمليات التحالف دون استثناء دولة عن أخرى.

ومن أبرز المناطق المُرشحة لعمليات التحالف شبه جزيرة سيناء في مصر، والعراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، والصومال، وباكستان، كونها أكثر المناطق التي تشهد عمليات إرهابية.

 

الدول العربية الغائبة عن التحالف: العراق وعمان والجزائر

 

العراق: تقف دولة العراق موقع المُراقب لطبيعة عمليات التحالف المُقبلة من بعيد، لما يُرجعه متحدث الحكومة العراقية إلى عدم وضوح صورة كاملة حول التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب الذي أعلنت عنه السعودية. ورغم الإعلان عن افتتاح السفارة السعودية في العراق مؤخرًا، إلا أن غياب العراق ربما ينظر إليه كأمر طبيعي في ظل الشراكة الأمنية والعسكرية التي تربط بين العراق وإيران، وكذا النظام في سوريا.

عُمان: يربط محللون بين خروج سلطنة “عمان” من التحالف العسكري الإسلامي، وبين حرصها على الحفاظ على علاقات متوازنة نسبيًّا بين السعودية وإيران. حيث تمتد جذور العلاقة التاريخية بين إيران وعمان، إلى أوائل الستينيات، مع دعم الشاه العسكري لمواجهة الثورة في ظفار بين عامي 1962 و1976، في حين كانت بعض الدول العربية تدعم الثوار رسميًّا وتدربهم، وكذلك امتد هذا التعاون إلى تأييد انقلاب السلطان قابوس على والده في عام 1970. انعكست هذه العلاقات على حجم التعاون التجاري والعسكري، وعلى العلاقات الدبلوماسية أيضًا. حيث تقوم “عُمان” بتمثيل المصالح الإيرانية في بعض الدول الغربية التي لا تمتلك إيران فيها أي تمثيل دبلوماسي، كبريطانيا وكندا.

على المستوى الرسمي، بررت سلطنة عمان عدم مشاركتها في التحالف الإسلامي العسكري بأن الدستور العماني يحظر على القوات المسلحة المشاركة في أي تجمعات أمنية خارج نطاق دول مجلس التعاون الخليجي.

الجزائر: تميل الجزائر بشكل عام إلى تقليص مشاركاتها العسكرية الخارجية. ولا يشارك جيشها في تحالفات إقليمية أو دولية كما هو الحال مع العملية عاصفة الحزم. كذا فإن الجيش الجزائري لا يشارك في قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وغالبًا ما ترجع الجزائر رفض مشاركتها في هذه التحالفات إلى الدستور الذي يحظر انخراط الجيش الجزائري في أي مهام قتالية خارج الحدود.

كذلك برز إعلان الحكومة اللبنانية أنه ليس لها علاقة بالتحالف العسكري الإسلامي، رغم وجود اسمه ضمن قائمة الدول المشاركة،  مما يطرح تساؤلات عن الدول الأخرى الممثلة تمثيلًا شرفيًّا، مثل فلسطين نظرًا للظروف الأمنية المُحيطة بها.

 

 

مصر.. هل كانت المشاركة بدوافع اقتصادية؟

 

 

“رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المُسلحة ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء، فإذا كان مجلس النواب غير قائم، يجب أخذ رأي المجلس الأعلى للقوات المُسلحة، وموافقة كُل من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني”. توضح المادة 152 من الدستور المصري السياق الدستوري لمُشاركة مصر في هذا التحالف، الذي يعني موافقتها على المُساهمة العسكرية في معارك التحالف مستقبليًّا.

أما بالنسبة للسياق السياسي، يميل بعض المحللين إلى ربط المشاركة المصرية بحزمة الاتفاقات الاقتصادية التي تم الإعلان عنها مؤخرًا، والتي شملت زيادة الاستثمارات السعودية للسوق المحلية إلى 50 مليار ريال، بما يعادل 8 مليارات دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، وتوفير احتياجات مصر من البترول خلال هذه الفترة.

التمويل والاستمرارية.. أسئلة مصير التحالف

تلوح في الأفق البعيد مجموعة من التساؤلات المرتبطة بمصير هذا التحالف خصوصًا مع تجميد العديد من الاتفاقيات والتحالفات الأخرى في الفترة الأخيرة، مثل مشروع قوة التدخل العربية المشتركة الذي تعطل فيما يبدو بسبب خلافات حول طبيعة القوة ومهامها.

كذلك يتشكك البعض في مصير هذا التحالف الذي يضم العديد من القوي المتناقضة في تحالفاتها كمصر وتركيا وقطر، وغموض أهدافه وآليات عمله وخططه للعمل الميداني، والتعريف الذي سيتبناه بشأن «الإرهاب».

تبدو كذلك مسألة التمويل أحد الأمور المُحددة لمستقبل هذا التحالف على المدى البعيد، خصوصًا مع بروز التباينات في المواقف لأعضائه، وإن كانت السعودية ستكون المنسق الأبرز له والداعم الأكبر ماليًّا فيما يبدو.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد