عدة خطوات بدأت حركة الجهاد الإسلامي في غزة تتخذها، سرحت موظفين تابعين لمؤسساتها، أغلقت وسائل إعلام تابعة لها، لم تصرف رواتب لموظفيها منذ ثلاثة شهور، كل ذلك وأكثر نجم عن توقف الدعم الإيراني للحركة، المغذي المالي الأساسي لها.

ولكن ما السبب الذي أدى إلى وقف هذا الدعم؟ هذا هو التساؤل الأول الذي يطرحه تقرير “ساسة بوست” التالي:

ما السبب وراء وقف الدعم الإيراني لحركة الجهاد؟

مما لا شك فيه أن أعباء إيران الغارقة في نزاعات سوريا واليمن والبحرين والعراق ازدادت، لذا قد يعد ذلك سببًا رئيسًا يفسر تراجع الدعم لحركة الجهاد بسبب استنزاف مصادرها المالية في تلك النزاعات، الكاتب أكرم عطا الله لا ينكر ذلك، ويقول: “الأمر مرتبط على ما يبدو بزيادة أحمال إيران في الإقليم فهي تخوض حرب استنزاف في سوريا وخصوم أصدقائها هناك يدفعون بالمليارات للقوى التي يدعمونها، وإيران تدفع بالمقابل بل وتحمل أيضًا الاقتصاد السوري، وفي اليمن فتحت نفس القوى المعادية لها حربًا جديدة”.

سبب آخر ليس ببعيد، وهو انزعاج طهران من سياسة الحياد التي تتبعها القيادة السياسية للجهاد الإسلامي تجاه عدد من القضايا الإقليمية على رأسها اليمن، ورفض الحركة الاقتراب أكثر من التكييف السياسي الإيراني له، فقد ذكرت مصادر أن سبب هذه الخلافات هو طلب إيراني من الجهاد – نفت ذلك الحركة- إصدار بيان واضح بشأن الأزمة في اليمن تدعم من خلاله الحوثيين وترفض الهجوم السعودي– الخليجي وهو ما رفضته حركة الجهاد وأكدت على مواقفها بالتزام الحياد.

فرغم أن حركة الجهاد حافظت على علاقاتها مع طهران إثر الأزمة السورية بإظهار موقف داعم للنظام السوري وإيران، وقفت الجهاد في الأزمة اليمنية على الحياد ونفت تصريحات نسبتها إذاعة إيرانية لأحد قادتها بتأييد «الحوثيين» وأكدت بشدة عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد عربي.

ويبدو السبب الثالث الذي ذكره قادة الجهاد على استحياء أمام الضغوطات الإعلامية ضعيفًا، فقد أرجعوا سبب ذلك إلى عدم إيجاد طريقة لإدخال الأموال إلى غزة، رغم أنه قبل أربعة أشهر من الأزمة كانت الأموال باستمرار يتم صرفها للحركة وتصرف رواتب عناصرها بداية كل شهر بشكل منتظم.

كيف أثر انقطاع الدعم على وضع حركة الجهاد؟

تسبب قطع تمويل الحركة من إيران في أزمة مالية خانقة أدت إلى اتباع سياسة تقشف عالية المستوى للتغلب على الأزمة، لقد بدأت حركة الجهاد الإسلامي بمرحلة “فلترة” للموظفين والمؤسسات التابعة لها، فمنذ ثلاثة شهور لم تصرف رواتب الموظفين فيها، بينما توقفت الكثير من المؤسسات التي تتبع للحركة عن تقديم خدماتها وباتت مهددة بالإغلاق.

لقد اضطرت الحركة إلى وقف بث قناة “فلسطين اليوم” التابعة لها والتي تدار من خارج الأراضي الفلسطينية، وسرّحت العديد من الموظفين العاملين في القناة في مكاتبها في رام الله، كما تشهد الجمعيات الخيرية لديهم شللًا تامًا في أعمالها، وهي مهددة بالإغلاق وتقليص ميزانيات مخصصة لنشاطات وفعاليات تقيمها الحركة، فيما تراكمت الديون بشكل كبير عليها مؤخرًا.

بل من المحتمل أن تمس قدرة مؤسسات الحركة على الصمود أكثر، مع صعوبة توفير بدائل مالية من داخل قطاع غزة، لذا طالب قياديو الحركة، عناصرهم: “بالصبر وبالدعاء حتى حدوث انفراجة في الأزمة الحالية الخانقة”.

لماذا تدعم إيران الجهاد الإسلامي؟

لا يخفى دعم إيران لحركة الجهاد الإسلامي، فقادة التنظيم لا يكفون عن الإشادة بهذا الدعم الآتي من إيران، والذي يأتي في إطار خدمة المقاومة والقضية والمشروع الوطني الفلسطيني، حسب ما يصرحون مؤكدين على أنه دعم غير مشروط يأتي في إطار دعم الشعب في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

لقد اعتمدت حركة الجهاد اعتمادًا كليًّا على إيران، وحال ذلك دون إنشاء مؤسسات اقتصادية تضمن تمويلها، لذا أصبحت رهنية للدعم الخارجي خاصة الإيراني، يقول الكاتب أكرم عطا الله: “نمت وترعرعت حركة الجهاد تحت الظلال الإيرانية، فأن ينحسر هذا المال فجأة هذا يعني قطع شريان الحياة عنها”، أما الكاتب المختص في شؤون الحركات الإسلامية أسامة شحادة فيؤكد أن إستراتيجية إيران تقوم على الإغراء بالمال للحركات السنية، ثم احتضان من يتشرب عقيدتها الشيعية، ثم رعايته حتى يستقل بكيان جديد، وهذا يفتح المجال أكثر للضغط على الجماعة الأم لتنصاع أكثر لمطالب إيران، وإلا فالحرمان من الدعم والعقوبة والتشهير.

ويؤكد شحادة على أن هذه إستراتيجية ثابتة لإيران: “فهي ليست جمعية خيرية توزع الصدقات والهبات، بل هي نظام طغيان ودولة شمولية ديكتاتورية تتوسل بالدعم لشراء الذمم والولاءات وتنفيذ أجندتها الطائفية والعدوانية في المنطقة”.

هل تمكنت إيران من إيجاد بديل عن الجهاد الإسلامي؟

في هذا الوقت التي تعاني فيه حركة الجهاد الإسلامي من انقطاع الدعم الإيراني، أعلن عن تأسيس ما سمي بـ”حركة الصابرين”، هذه الحركة يتزعمها القيادي السابق في الجناح العسكري للجهاد هشام سالم، وتقول مصادر إن الحركة تتلقى أموالًا من إيران وتصرف رواتب عناصرها بانتظام، ويقال إنها أكثر ولاءً وتبعيةً والتزامًا بسياسة ورؤى طهران في المنطقة.

حركة الجهاد الإسلامي اعترضت بشدة على ما أسمته تشكيل جيب تنظيمي موازٍ للحركة ومنفصل عنها هو “حركة الصابرين”، وقالت إن هناك دعمًا إيرانيًّا خفيًّا لمجموعات مفصولة منها.

يقول المختص بشئون الحركات الإسلامية أسامة شحادة: “إن إيران استخدمت تلك الإستراتيجية مع حركة أمل الشيعية فأخرجت منها حركة أمل الإسلامية، التي تحولت لحزب الله، وحين لم ينسجم صبحي الطفيلي أول أمين عام للحزب مع التعليمات الإيرانية تخلصت منه بعباس الموسوي ثم حسن نصر الله التابع الوفي للمرشد الإيراني”، وحصل هذا أيضًا حسب شحادة مع الجماعة الإسلامية في لبنان، فقد استدعت إيران/ حزب الله د. فتحي يكن الرئيس السابق للجماعة لتأسيس جبهة العمل الإسلامي لتكون ذراعًا سنيًّا لحزب الله اللبناني، وذلك بعد أن قضت على قوات فجر المقاومة والتابعة للجماعة، حتى ينفرد حزب الله بالمقاومة ويتجمل بجبهة العمل الإسلامي السنية.

هل ستستأنف إيران دعمها لحركة الجهاد الإسلامي؟

تراهن حركة الجهاد التي وعدت عناصرها بتأمين دعم عسكري على الأقل في هذه الفترة، على تجاوز الأزمة عبر عودة الدعم الإيراني في أي وقت، وتؤكد مصادر في الحركة أنه:”في أي لحظة ممكن أن تنفرج الأزمة الحالية مع طهران ويتجدد الدعم الإيراني للحركة“، فإيران ستستأنف دعمها لأنها غير معنية بالقطيعة التامة مع جميع الفصائل الفلسطينية.

الآن يحاول حزب الله اللبناني الذي استعان به أمين حركة الجهاد شلح التوسط بين إيران والحركة من أجل حل الأزمة، يشار إلى أنه ليست المرة الأولى التي تعاني فيها الجهاد من أزمة مالية خانقة، فقد عانت الحركة في عام 2009 من أزمة مالية طالت لخمسة أشهر قيادات الحركة ومكاتبها التنظيمية والجماهيرية والإعلامية وجناحها المسلح.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد