واحد من أهم المظاهر التي تفقد دولة الاحتلال الإسرائيلي الشعور بكيانها وبأنها دولة “يهودية” على أرض الآباء والأجداد والميعاد هي الحركة الإسلامية التي تنغص على هذا الكيان – بالقول والفعل- كل ما يتعلق بيهوديته.

لقد شكلت هذه الحركة “شوكة غليظة” في حلق “إسرائيل” دفعتها أحيانًا للتعامل بطرق تبدو غريبة نوعًا ما، كأن يزرع جهاز “الشاباك” فيها أجهزة تصنت داخل قاعة الاجتماعات في مكتب رئيس الحركة الإسلامية، أو أن يسعى لمحاولة إثبات أنها حركة “خارجة عن القانون” ليس لها رخصة عمل!!

تعمل هذه الحركة على إحباط مخططات الاحتلال للنيل من المسجد الأقصى، وتحرض “بدو النقب” على عدم الالتحاق بجيش الاحتلال، وتقدم كل شيء للعرب من أجل الاستغناء عن مؤسسات الاحتلال الخدمية، كما أنها حركة تنشد “غزة منتصرة” على مسامع جيش الاحتلال وهم عائدون نازفون من عدوانهم على غزة، وهي الحركة التي تنظف مساجد ومقابر المسلمين المهجرة منذ أكثر من 60 عامًا لتقول للاحتلال إن وجودكم طارئ على هذه الأرض.

فلنتعرف أكثر على كل ما يتعلق بالحركة الإسلامية داخل الأراضي المحتلة منذ عام 1948 في تقرير “ساسة بوست” التالي.

كيف تأسست الحركة الإسلامية في دولة الاحتلال الإسرائيلي ؟

في بداية السبعينات وتحديدًا في عام 1972، أراد شيخ يعيش في “كفر قاسم” تأسيس حركة دينية تؤدي مهام دعوية في أراضي 48 وتمنع انصهار الشباب الفلسطيني في دولة الاحتلال التي عكفت على “أسرلة” كل شيء، هذا الشيخ هو محمد نمر درويش الذي لم يتوقع أن تقدم هذه الحركة في النهاية خطًّا سياسيًّا قوميًّا معارضًا لقيام دولة الاحتلال الإسرائيلي كدولة يهودية.

لم يسلم الشيخ درويش من الاحتلال الذي أصدر عام 1981 حُكمًا ضده بالسجن أربع سنوات بتهمة العلاقة مع تنظيم أسرة الجهاد المسلح السري الإسلامي، ومع هذا واصل الشباب العربي العمل في الحركة الإسلامية ككيان متماسك، فأسسوا العشرات من الجمعيات والهيئات الخدمية لفلسطينيي 48.

وفي عام 1996، تسبب موقف أعضاء الحركة الإسلامية من تأييد ومعارضة المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية في أول انقسام داخلي، كان الجناح الأول الأكبر والمعارض هو جناح الشيخ رائد صلاح، وسمي (الحركة الإسلامية- الفرع الشمالي)، وأنشأ هذا الفرع عشرات المؤسسات الخدمية والتثقيفية، وتبنت شعار “المجتمع العصامي”، وتجاوزت اهتماماتها مجتمع أراضي 48 إلى إغاثة ومساندة الفلسطينيين في الضفة وغزة، ونشطت في تبني قضاياهم وحاجاتهم بما يتعارض مع السياسات الإسرائيلية القائمة.

أما الجناح الثاني فهو جناح أصغر من الأول ويضم الشيوخ عبد الله نمر درويش مؤسس الحركة الأول، والشيخ إبراهيم صرصور وغيرهما، ويؤيد هذا الجناح المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية وله أعضاء في البرلمان الإسرائيلي، وتتبنى ما تطلق عليه “مشروع المقاومة المدني” وتتجنب التصادم الحاد مع السلطات الإسرائيلية وترى في المشاركة الانتخابية سبيلًا ممكنًا لتحصيل حقوق الأقلية العربية.

ما هي الأيديولوجيا التي تتبناها الحركة الإسلامية؟

تتبني الحركة الإسلامية فكرًا منبثقًا من فكر الإخوان المسلمين؛ وتؤمن بأن الإسلام هو الحل لمشكلات الجماعات البشرية والأفراد، وترسي الحركة أيديولوجية “المجتمع العصامي” التي تدعو إلى إقامة مجتمع عصامي لديه القدرة على الاكتفاء ذاتيًّا على جميع الأصعدة والمستويات، وذلك لكي يتمكن من مواجهة تبعات سياسة التمييز العنصري التي تمارسها إسرائيل ضد فلسطينيي 48.

وتؤمن الحركة “بأفضلية الحل الإسلامي للقضية الفلسطينية عن طريق إقامة حكومة إسلامية على أرض فلسطين ينعم تحت حكمها المرتكز على شريعة الله اليهود والنصارى والمسلمون”، ويشير الدكتور إبراهيم أبو جابر صاحب دراسة “المقدّسات والأوقاف في منظور الحركة الإسلامية” أن الحركة الإسلامية تنطلق في تعاطيها مع الاحتلال الإسرائيلي من مبدأ أن فلسطين أرض مقدسة بالكامل وموقوفة إسلاميًّا.

ومع هذا يدرك قادة الحركة الإسلامية أن هناك إمكانية – حسب القيادي فيها عاطف الخطيب- لأن يكون هناك حل وسط مع المنظمة (منظمة التحرير الفلسطينية) يجرى من خلاله تحرير أي بقعة من فلسطين وإقامة السيادة الفلسطينية عليها، ويقول المؤسس نمر درويش: “إنهم يقبلون بالحل السياسي الذي يتم التوصل إليه عن طريق التفاوض بين القيادة الشرعية للشعب الفلسطيني ودولة “إسرائيل”، إنهم يقبلون بإقامة دولة فلسطينية على أي جزء من فلسطين، حتى لو كانت هذه الدولة في مدينة واحدة”.

لماذا تمثل الحركة الإسلامية تهديدًا على أمن “إسرائيل”؟

تؤمن دولة الاحتلال أن جهود الحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة تعمل على تعزيز ما تسميه بـ”التوجهات الانفصالية لفلسطينيي 48″، وذلك من خلال تدشينها لشبكة من المؤسسات الاجتماعية والتعليمية والدينية والثقافية بمعزل عن مؤسسات دولة الاحتلال، ويعتقد صناع القرار في دولة الاحتلال أن الدور البارز للحركة الإسلامية يكمن في تعزيز التوجهات الانفصالية، على اعتبار أنها تشرب الفلسطينيين قيم الإسلام التي ستقود حتمًا إلى موقف عدائي من الدولة، وبالتالي يولد رغبة جامحة للانفصال عنها.

وترى دولة الاحتلال أن من نتائج ذلك إقناع معظم الشباب البدو بالنقب بالتوقف عن التجنيد في صفوف جيش الاحتلال، فبعد أن كان عدد الشباب البدوي الذي يؤدي الخدمة العسكرية 3600 شاب مطلع الثمانينات من القرن الماضي، انخفض ليصل إجمالي الذين يخدمون في الجيش من البدو 390 شابًا.

كما يمكننا قراءة أسباب أخرى أدت إلى تأزم العلاقة بين الحركة الإسلامية ودولة الاحتلال، ومنها تواجد بنية صلبة للحركة في منطقتي المثلث والجليل، حيث بدا التخوف الإسرائيلي كبيـرًا من أن تكون المنطقة مثيرة للقلاقل الأمنية، أو تشكل بنية مـساعدة للمقاومة الفلسطينية في الضفة وغزة، ورغم الإخفاق في إثبات توجهها نحو “عسكرة النضال”، فقد اعتبر التحـريض ضدها كافيًا لإيجاد جيل فلسطيني مرتبط بالمقاومة، وهو ما عبر عنه “كـارمي غيلـون” رئـيس المخابرات الإسرائيلية الأسبق بقوله: “يجب ضربهم حتى لو لم يكن لهم علاقة مباشـرة بالعمـل العسكري.

من جهة أخرى لا تستهين السلطات الإسرائيلية بالجهد الخيري والاجتماعي الذي مارسته الحركة فـي دعـم وكفالة الأيتام وأبناء الشهداء والأسر الفقيرة في الضفة والقطاع، معتمدة علـى التبرعـات التـي حصلت عليها من فلسطينيي الـ48، وقيامها أيضًا بشق الطرق، ومد خطوط المياه، ودهان المدارس والروضات، بالإضافة لتنظيف وصيانة العديد من القرى المهجرة ومقابر النقب.

كيف رفعت الحركة الإسلامية راية الدفاع عن المقدسات وحق العودة في “إسرائيل”؟

“وجودنا في هذه الأرض وجود رباني سماوي، المؤسسة الإسرائيلية تظن أن وجودنا هنا وجود طارئ، متناسين أو متجاهلين أن وجودهم الطارئ هو وجودهم”، هكذا خاطب الشيخ كمال خطيب الإسرائيليين في إحدى المناسبات الخاصة بالنكبة، هذا الحركة لم تقف البتة عند الشعارات والخطابات بل كانت أحد أبرز المؤسسات التي عملت من أجل إقرار حق العودة والحفاظ على المقدسات الإسلامية، بل إن المؤسسة الأمنية “الإسرائيلية” تعتبر أن حمل الحركة الإسلامية راية الدفاع عن المقدسات الإسلامية في القدس وتحديدًا إشرافها على حملة “الأقصى في خطر” أحد أخطر مصادر التحريض غير المباشر على “الإرهاب”.

وترى دولة الاحتلال أن الذي يفاقم خطورة التحريض الصادر عن قادة الحركة الإسلامية وكوادرها هو حقيقة سيطرة الحركة على معظم المساجد في أراضي 48، فعدد المساجد التي يديرها نشطاء الحركة الإسلامية يفوق عدد المساجد التي تمولها وزارة الأديان في دولة الاحتلال – تضاعف عدد المساجد من 80 مسجدًا عام 1988 إلى 453 مسجدًا حاليًا – كما أن 41 % من أئمة المساجد يتلقون رواتبهم من الحركة الإسلامية.

وترى المحافل الصهيونية الرسمية أن تبني الحركة الإسلامية لقضية المسجد الأقصى للحملة ضد المشروعات الصهيونية الهادفة لتهويد الأقصى يسهم في إحباط جهود دولة الاحتلال في إملاء التسويات التي تخدم مصالحها، وقد عبر عن ذلك بشكل واضح المستشرق الإسرائيلي “لئيف أُرغاد” عندما قال إنه حتى لو كانت الدول العربية صادقة وجدية في طموحها إلى إنهاء النزاع العربي الإسرائيلي، فإن مواقف وجهود الحركة الإسلامية في إسرائيل تجعل هذا الأمر بالغ الصعوبة، حيث إن هذه الحركة تفرض على الرأي العام العربي أجندة.

كيف تحارب دولة الاحتلال الحركة الإسلامية؟

تعكف الأجهزة الأمنية في دولة الاحتلال بين الحين والآخر على مداهمة مؤسسات الحركة الإسلامية على أمل أن تعثر على مواد تشكل دليلًا على تجاوز الحركة للقانون “الإسرائيلي”، وتحديدًا قرائن تربط بشكل قوي بين الحركة وجهات “عدو” مثل حركة حماس، وفعليًّا أقدمت سلطات الاحتلال على اعتقال الشيخ “رائد صلاح” عدة مرات بحجة التواصل مع “أعداء الدولة”، وعكفت دائمًا على اعتقال قادتها الآخرين أمثال الشيخ كمال الخطيب، بل لم تتردد المؤسسة الأمنية في دولة الاحتلال بمحاولة تصفية الشيخ رائد جسديًّا، فقد اعترف شاب يهودي بأن ضابطًا في جهاز “الشاباك” قد طلب منه تصفية الشيخ.

ويشكل أمر نزع الشرعية القانونية عن عمل الحركة الإسلامية جهدًا كبيرًا داخل أورقة الحكومة الإسرائيلية، فقد حاولت أكثر من مرة تمرير مشروع قانون في الكنيست تعتبر بموجبه الحركة الإسلامية حركة غير قانونية يحظر نشاطها بحكم القانون، كما حاولت دولة الاحتلال اللعب على وتر إغراء قادة الحركة بالتوصل لتفاهمات سياسية معهم، يتم بناءً عليها الالتزام بتحول الحركة عن الأجندة السياسية التي تعكف عليها حاليًّا لا سيما فيما يتعلق بتركيزها على قضية القدس والمسجد الأقصى، وذلك مقابل منح مؤسساتها هامشًا كبيرًا في حرية الحركة.

هل الصدام بين الحركة الإسلامية وحكومة الاحتلال الإسرائيلي حتمي؟

في أكثر من مرة، حاول الإسرائيليون إخراج الحركة الإسلامية برئاسة الشيخ رائد صلاح عن دائرة القانون واعتبارها “منظمة إرهابية”، آخر تلك المحاولات كانت مباشرة ومعلنة من قبل رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي اعترف مؤخرًا بتشكيل لجنة وزارية خاصة تنشط منذ أشهر لرصد تحركات ونشاطات الفعاليات السياسية بالداخل الفلسطيني التي تعتبرها تل أبيب “عناصر متطرفة”.

ويري المحللون أن جهد حكومة الاحتلال في هذا النطاق يأتي ضمن حظر العديد من الأنظمة العربية للحركات الإسلامية، أي في سياق الظروف السياسية الإقليمية، وتنسجم مع استهداف المشروع الإسلامي وحظر حركة الإخوان بمصر من قبل عبد الفتاح السيسي، واعتبارها “منظمة إرهابية” من قبل السعودية والإمارات، فمن “غير المعقول استمرار السماح للحركة الإسلامية العمل بحرية في إسرائيل”، كما يقول وزير المواصلات “يسرائيل كاتس”.

لقد استغل نتنياهو جوقة التحريض على الإسلاميين من بعض الأنظمة العربية، ورأى في ذلك فرصة مواتية لتوجيه سهامه نحو الحركة الإسلامية، ويحاول الباحث فرج نعيم قراءة تأثيرات صعود اليمين بقيادة نتنياهو على الحركة الإسلامية، فيستبعد في ورقته “اليهودية وصعود اليمين: صدام مرتقب مع الإسلاميين”؛ أن يتم التوصل إلى أي حلول مع حكومة يرأسها نتنياهو، ويقول الكاتب: “يبدو أن الصدام بين الحركة الإسلامية ومشروعها، و”إسرائيل” وسياساتها أمر حتمي، لكن المرجح في ضوء تباين وجهات النظر الأمنية الإسرائيلية تجاه الحركة هـو بقـاء القبـضة الحديدية في حدودها، مع إمكانية استمرارها في ضوء صعود اليمين الإسرائيلي خلال الانتخابات الأخيرة، مما يرجح أن تبقى العلاقة في هذا الإطار، مع فرضية أن تكون مرشحة للتطور نحـو سيناريو أسوأ بفعل عدة عوامل، خارجية وداخلية”.

المصادر

s