ترجمة وتحرير الخليج الجديد

حققت «الدولة الإسلامية» مؤخرا عدة انتصارات كبيرة في سوريا والعراق. وخلال الأسبوع الماضي دفع المسلحون القوات الحكومية العراقية خارج أجزاء كبيرة من مدينة الرمادي، عاصمة محافظة الانبار. وتركز المجموعة الآن هجماتها على الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة بين الرمادي والفلوجة. وفي سوريا، حققت «الدولة الإسلامية» أيضا مكاسب في محافظة حمص، حول بلدة تدمر الواقعة على مفترق طرق استراتيجي، والمعروف أيضا باسم تدمر، وقامت بقطع خطوط الإمداد الأساسية إلى القوات الحكومية المتمركزة في دير الزور في الشمال الشرقي. وكانت هناك أيضا هجمات أقل نجاحا على مواقع حكومية في قاعدة كويرس الجوية ومحافظة دير الزور، والتي أظهرت قدرة الجماعة على شن هجمات متعددة الجوانب على منطقة كبيرة.

وتسلط أحدث موجة من الهجمات الناجحة الضوء على التهديد المستمر الذي تمثله هذه المنظمة المسلحة ليس فقط لبغداد ودمشق، ولكن أيضا إلى الجماعات المتمردة المشابهة والميليشيات. وسوف تعزز الانتصارات الأخيرة بدورها «الدولة الإسلامية» بتدفقات الأسلحة والإمدادات والمجندين. ومع ذلك، فإن هذه المكاسب تخفي مشاكل هيكلية يجب على «الدولة الإسلامية» التغلب عليها، في الوقت الذي تشتد فيها معارك المعارضين بدرجة هائلة في بلدين مختلفين.

تحليل

الانتصارات المتواصلة في العراق وكذلك سوريا ضرورية لبقاء «الدولة الإسلامية» لعدد من الأسباب. أولا: هيكل المجموعة يتطلب منها إيصال معنى واحد مهم وثابت وهو أن تقدمها لن يتوقف ولن يرحم من يقابله، وأن المعارضين لا يمكنهم أن يوقفوا توسعها الإقليمي. هذه الرواية هي التي سوف تحافظ على التدفق المستمر من المجندين الأجانب الذين تعتمد عليهم المجموعة بشكل كبير. وفي الوقت نفسه، فإن «الدولة الإسلامية» تدرك أنها قد تكون عرضة للتراجع وخسارة ما كسبت خلال حرب الاستنزاف، وهذا راجع إلى الإمدادات الاستراتيجية اللازمة للصمود طويلا في وجه أعدائها. الحفاظ على يدها الطولى فوق معارضيها وكذلك الحفاظ على قوة الدفع الحقيقية أمر بالغ الأهمية. وذلك فقط من خلال استمرار «الدولة الإسلامية» في بسط سيطرتها على الأراضي، والحصول على الأسلحة والإمدادات من الأعداء، وبالتالي الحفاظ على جذبها لمجندين جدد.

سقوط الرمادي هو مثال جيد على نوع من الانتصار الرمزي الذي تسعى له «الدولة الإسلامية». وشهدت المدينة نزاعا شديدا عليها منذ أوائل عام 2014، والتراجع الأخير للجيش النظامي يفيدها كثيرا، ليس فقط من حيث تحقيق موقف سهل الدفاع عنه، ولكن أيضا بسبب المواد التي خلفها تراجع القوات الحكومية. وتتفوق «الدولة الإسلامية» في البحث عن المؤن وتطويعها لأغراض الأسلحة والإمدادات. ولكن الأهم من المكاسب التكتيكية أو اللوجستية، هو النصر الذي يعزز من الآلة الدعائية للتنظيم.

ومع ذلك، فإنه من الناحية العملية قد لا يدوم التقدم طويلا، حيث إن بغداد تخطط بالفعل لعودة سريعة. وقد أعدت الحكومة العراقية قواتها الخاصة، التي تدعمها مليشيات الشيعية، في قاعدة الحبانية العسكرية ومناطق تجمع أخرى على أطراف الرمادي. ويواجه كلا الجانبين الآن صعوبة كبيرة في التنسيق معا بما يكفي لتحقيق انتصارات تكتيكية متعاقبة لضمان سيطرة حاسمة على الإقليم.

حرب على جبهتين

وتقاتل بغداد و«الدولة الإسلامية »على جبهتين في اثنين من وديان الأنهار الرئيسية في العراق؛ ودجلة والفرات. فمنذ سيطرة الحكومة على مدينة وادي دجلة في تكريت من «الدولة الإسلامية»، لم يكن هناك أي علاقة عكسية بين النجاحات على كل جبهة. وكانت بيجي على نهر دجلة ومدينة الرمادي على الفرات المعارك الخاصة الرئيسية. وفي كل مرة تنشر بغداد قوة وتحقق النجاح في معركة واحدة، تتحول الجبهة الأخرى ضدهم. وتنبع هذه المعضلة من مشكلة القدرة الكلية، بغداد ببساطة لم يكن لديها ما يكفي من القوات لتتحرك وتسيطر على الأراضي على كلا الجبهتين، وخصوصا في المناطق التي يهيمن عليها السنة حيث تحاول الحكومة إظهار قوتها.

ولدى بغداد عدة خيارات لزيادة قوة وفاعلية وجاهزية قواتها للسيطرة على هذه المناطق السنية، كل هذه الخيارات لها عوائقها الخاصة الرئيسية. أحد هذه الخيارات هو نشر المليشيات الشيعية. وحتى هذه اللحظة، فإن الحكومة تحفظت في استخدام هذه المليشيات إلى حد ما لأنها تخشى إثارة صراع طائفي أعمق. ومع ذلك، فإنه مع سقوط الرمادي في يد «الدولة الإسلامية»، فقد اضطرت بغداد إلى الالتزام باستخدام المقاتلين الشيعة إلى درجة معينة. ولا يحتم القرار رد فعل سني معاد، ولكن يزيد من مخاطر مثل هذه النتيجة.

وبين كل هذه القوى، لا يزال ولاء الطائفة السنية الكبيرة ومقاتليها من القبائل غير واضح المعالم حتى الآن. وإذا انحاز المجتمع إلى بغداد وأصبحت الحكومة مستعدة لتمكينهم، فيمكن للدولة الإسلامية أن تعاني انتكاسات سريعة. عملت «الدولة الإسلامية» بصعوبة للحفاظ على دعم السنة في العراق، أو على الأقل تجنب استفزازهم. ومن دون نوع من التحول، سوف يستمر الصراع في العراق في استنزاف القوى البشرية والمعدات على كلا الجانبين.

على مستوى بلدين

خوض الصراع على جبهات متعددة عبر بلدين زاد من صعوبة الأمور للغاية على «الدولة الإسلامية» على مدى الأشهر القليلة الماضية. وعانت المجموعة خسائر كبيرة في تكريت، والتي كان تتويجا لأول انعكاس إقليمي ضد التنظيم منذ سيطرته على الموصل في يونيو/حزيران 2014. وفي الوقت نفسه، بدأ عدد من النكسات الأخرى يقوض الوضع الاستراتيجي والدعائي للمجموعة. وشملت هذه بداية الحملة الجوية لقوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة، فضلا عن المعارك الضارية الطاحنة حول عين العرب والحسكة ودير الزور وغيرها. وفشلت «الدولة الإسلامية» أيضا في الاستيلاء على أراض جديدة كبيرة في سوريا، في الوقت الذي حققت فيه الجماعة المتمردة «جيش الفتح» انتصارات كبيرة. وفي الواقع؛ فإن «الدولة الإسلامية» تحتاج إلى استعادة زمام المبادرة والحفاظ على نفسها من أجل مواصلة الطريق وتحقيق انتصارات كبيرة.

وتعطي سلسلة هجمات «الدولة الإسلامية» انطباع أوليا أن لديها إمدادات غير محدودة من المقاتلين. فقد تمكنت المجموعة من خوض معارك ضارية على جبهات متعددة في آن واحد، في حين تعاني مع الضربات الجوية المستمرة من التحالف. ورغم ذلك، فإن هذا الانطباع غير صحيح. حتى مع هذه المكاسب الأخيرة، تراجع موقف «الدولة الاسلامية» بشكل ملحوظ. وتظهر المجموعة علامات على تزايد اليأس، يظهر ذلك جليا في زيادة استخدامها للأطفال في سوريا خلال الشهرين الماضيين.

إن أوضح مؤشر على ضعف «الدولة الإسلامية» هو سوريا. فقد فقدت الدولة الإسلامية تكريت لصالح القوات العراقية لكنها ظلت قوية في العراق، حتى تمكنت من تسريع الهجمات في كل من بيجي والأنبار. ومع ذلك، فإن هذه القوة جاءت من نقل أعداد كبيرة من القوات من سوريا إلى العراق. وقبل شهرين، نشر قادة «الدولة الاسلامية» وثائق تدعوا مقاتليها في سوريا بالتطوع لتعزيز إخوانهم في محافظتي الأنبار وصلاح الدين في العراق. وتبع ذلك انخفاض ملحوظ في وجود «الدولة الإسلامية» في كل من حلب والرقة. وسمح هذا الضعف لوحدات حماية الشعب الكردي وحلفاء الجيش السوري الحر بالتقدم في محافظة حلب الشرقية وإلى الرقة. وفي الأسبوع الماضي، تقدمت قوات «الجبهة الإسلامية» المتمردة في شمال مدينة حلب إلى منطقة «الدولة الإسلامية» سابقا، ولم تواجه سوى بقليل من مقاومة تذكر، جاء معظمها في شكل عبوات ناسفة.

لا يزال التهديد الفعلي قائم

قدرة «الدولة الإسلامية» على القيام بعمليات عسكرية وفي أماكن متفرقة تؤكد مرونة الحركة. وتمكنت الحركة من تسجيل انتصارات على الرغم من القتال على جبهات متعددة بكمية محدودة من المقاتلين. وتعززت المكاسب التي تحققت في العراق بما تم على أرض الواقع في سوريا، ونجحت «الدولة الإسلامية» في الاستفادة من الفرصة القوية التي سنحت لها محافظة إدلب السورية في الوقت الذي حقق فيه المتمردون مكاسب على حساب القوات الموالية للحكومة. فمن جهة، هددت هذه الانتصارات للمتمردين في إدلب بجذب المجندين الأجانب المحتملين بعيدا عن «الدولة الإسلامية» إلى جماعات مثل جبهة النصرة. ومع ذلك؛ تقر «الدولة الإسلامية» بأن هجوم المتمردين جذب القوات الحكومية بعيدا عن جبهات القتال ضد «الدولة الإسلامية». وعلى وجه التحديد، جذبت دمشق قوات النمر وصقور الصحراء  وعناصر من اللواء الجمهوري 106 من مناطق حمص، مما مكن «الدولة الإسلامية» من إطلاق هجومها ضد تدمُر في محافظة حمص. وكانت هذا التقدم أكبر وأنجح تقدم قامت به الدولة الإسلامية في الآونة الأخيرة في سوريا.

أحدث جولة من الهجمات تدل على أن «الدولة الإسلامية» لا تزال تشكل تهديدا حقيقيا لمعارضيها. الآن، يمكن لأي انتصارات جديدة أن تؤخر سقوطها فقط. ويمكن للدولة الإسلامية أن تحصل على أسلحة جديدة وإمدادات ومجندين، ولكنها ستظل معرضة للخطر. شريطة أن العديد من أعدائها يمكنهم الحفاظ على إرادتهم وتماسكهم. سوف تستمر «الدولة الإسلامية» سوف تستمر في الضعف مع مرور الوقت، ما يقود إلى هزيمة حتمية في نهاية الأمر.

المصدر | ستراتفور

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد