نقلًا عن الخليج الجديد

في مقال واسع الانتشار على «نيويورك ريفيو أوف بوكس» (موقع شهير لتقارير ومراجعات الكتب)، يعرب مسؤول سابق في حلف الناتو عن يأسه من حل لغز تنظيم «الدولة الإسلامية». ووفقا للمؤلف، لا شيء من انتصارات المخربين يحمل نفس القدر من المفاجأة واللامفهومية (انعدام التفسير) والصعوبة في عكسه مثل صعود تنظيم «الدولة الإسلامية». لم ينجح أي من المحللين أو الديلوماسيين أو ضباط المخابرات أو حتى السياسيين والصحفيين في إنتاج تفسير ثري لمسألة الصعود المفاجيء للحركة.

وبينما يعكس هذا المقال المزاج السائد بين الدبلوماسيين السابقين، فإن علماء السياسة يبدون أقل حيرة بكثير. وقد أكد كثير من العلماء بالفعل على أهمية دراسة «الدولة الإسلامية» في منظور مقارن وأظهرت النتائج أن التنظيم ليس فريدا من نوعها بين المنظمات المتمردة من حيث الوحشية ونظام الحوكمة الشبيه بالدول في المناطق التي تسيطر عليها. وتسهم الدراسة المنهجية للعنف السياسي في تسليط الضوء على ثلاثة عناصر مفتاحية للغموض المحسوس للدولة الإسلامية، وهي تعاملها مع المدنين وتكتيكات المعركة والاستراتيجية واسعة النطاق.

التعامل مع المدنيين

ويتساءل المؤلف المجهول حول قدرة «الدولة الإسلامية» على التحكم وتحقيق الحد الأدنى من التعاون، وإن كان سلبيا، مع قطاعات واسعة من السكان العرب السنة في سوريا والعراق. بالنظر إلى أن معظم هؤلاء لا يشاركون التنظيم تعصبه الديني الشديد وينفرون من عنفه الشنيع. كيف يمكن للدولة الإسلامية أن تنجح بينما هي تنتهك المبدأ الأساسي لحرب العصابات بعدم تنفير قاعدتها الشعبية؟

يفشل هذا الرأي في فهم اثنين من الديناميات الموثقة للحروب الأهلية. أولهما هو قدرة العنف على تشكيل سلوك السكان المدنيين، وثانيها قوة الهوية المشتركة وبخاصة في سياق بحور الدماء المسفوكة عبر الخطوط العرقية والطائفية. حيث يميل الفاعلون المسلحون إلى ممارسة العنف بشكل انتقائي للعقاب على سوء السلوك. حتى الأشخاص الذين لا يشاركونهم ذات الأيدولوجيا يميلون للاستسلام إلى ذات الخط.

في الواقع، يبدو العنف الذي يمارسه «الدولة الإسلامية» تجاه المجتمعات السنية انتقائيا بشدة، في تناقض صارخ مع معاملته للشيعة والعلويين والأكراد واليزيديين والمسيحيين. على سبيل المثال، في الفترة التي سبقت سيطرة التنظيم على الموصل استهدف «الدولة الإسلامية» بصورة منهجية الصحفيين السنة وممثلي الحكومات ورجال الأمن وأجبرهم على مغادرة المدينة أو التعاون مع التنظيم. ومع ذلك، عندما سيطر التنظيم على المدينة فقد حرص بعناية على منع العنف العشوائي والتعسفي لتجنب تنفير القاعدة الشعبية، وتم تلقين أعضاء المنظمة لتهذيب ممارساتهم مع السكان السنة. ومن المؤكد أن العقوبات الصارمة التي فرضت من قبل «الدولة الإسلامية» على الانحرافات الطفيفة في السلوك مثل التدخين لا تحظى بشعبية. ولكن السكان المحليين بدأوا يتفهمون نمط الحكم القائم للدولة الإسلامية. وكما يشير «عبد الباري عطوان» في كتابه (الدولة الإسلامية: الخلافة الرقمية)، فإنه ينظر إلى المحاكم الشرعية التي أنشأتها «الدولة الإسلامية» بشكل عام على أنها محايدة، وأنها قادرة على الفصل في القضايا الدينية والمدنية بسرعة ونجاعة.

وفي ظل المناخ الطائفي الحارق في العراق وسوريا، فإن قبضة «الدولة الإسلامية» على السكان السنة يتم تعزيزها عبر تقديم نفسها على أنها الوصي والحامي الوحيد للمصالح السنية في ظل قدرتها على إخضاع الجماعات المسلحة المتناحرة. وفي مواجهة الخيار غير المستساغ بين تنظيم ودولة «أبوبكر البغدادي» المتعصبة من جهة، وبين الحكومات التي تعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية إضافة إلى الميليشيات الشيعية بما ترتكبه من مذابح عرقية طائفية من جهة أخرى، فإن العديد من السكان السنة الذين يعيشون تحت راية «الخلافة» ينظرون إلى «الدولة الإسلامية» باعتبارها أفضل رهان لضمان بقائهم على قيد الحياة الشخصية ورفاه مجتمعاتهم. ويميز هذا النمط من الاستقطاب الطائفي والعرقي العديد من الحروب الأهلية الأخرى، من البلقان إلى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا.

التكتيكات العسكرية

كما أن الكثيرين يسيئون أيضا فهم التكتيكات العسكرية للدولة الإسلامية. على الرغم من أن المقال المنشور على «نيويورك ريفيو أوف بوكس» يدعي أن المنظمة تتحدى (ترفض) المباديء التقليدية التي وضعها «ماوتسي تونغ» وغيره بشأن الحروب غير المتكافئة، فإن تصرفات الحركة تكشف في الواقع عن فهم متطور لتكتيكات القتال غير المتكافيء.

يضع «ماو» ثلاث مراحل للحرب الثورية: المرحلة الأولى يكون تركيز المتمردين على التعبئة الشعبية مع اغتيالات للأفراد الرئيسيين للجانب الحكومي. في المرحلة التالية يتم تصعيد حرب العصابات مع تكتيكات الكر والفر التقليدية في مواجهة قوات الأمن. وأخيرا، وبعد أن تكون الحركة قد اكتسبت القوة الكافية وضعف الخصم في المقابل، يخرج المتمردون إلى الحرب التقليدية وينخرطون في معارك ضارية مع القوات الحكومية، مع الهدف النهائي المتمثل في إلحاق هزيمة ساحقة بهم والاستيلاء على السلطة.

ربما تكون «الدولة الإسلامية» قد دخلت إلى الحرب الموضعية بشكل عاجل مقارنة بالمجموعات المتمردة التقليدية. ويشير «ستاثيس كاليفاس» أن ذلك ربما يرجع لمزيج من التضاريس المسطحة والضعف العسكري للمعارضين. ولكن المجموعة قد انتقلت بسلاسة على طول هذا الطيف من التكتيكات تبعا للظروف التي واجهتها على أرض المعركة. وفي الموصل، عمل التنظيم لسنوات في عمليات التجنيد والتعبئة وابتزاز السكان المحللين وتجديد خزائنه من عائدات الأنشطة الإجرامية والضرائب، قبل أن يشعر أنه قوي بما يكفي لخوض مواجهة مفتوحة مع قوات الأمن. مثلها مثل طالبان أفغانستان في عام 2001، وقوات «معمر القذافي» في ليبيا في عام 2011، تكيفت «الدولة الإسلامية» سريعا في مواجهة الضربات الجوية للقوات الأمريكية وتجنبت نشر تشكيلات كبيرة من الوحدات المدرعة، وفضلا عن ذلك، استخدمت تكتيكات المناورة بالوحدات الصغيرة مستغلة بمهارة الفرص من أجل التغطية والتخفي.

بالمثل، استخدم التنظيم مجموعة من الهجمات المتنوعة والمفاجئة للإجهاز على قوات تتفوق عليه عدديا في مناسبات عديدة عاكسا دراية عسكرية كبيرة تنافي الاعتقاد السائد حول الاستعداد الطائش للمجموعة لتلقي خسائر في صفوفها. ويجادل خبراء السياسة منذ فترة أن الهجمات الانتحارية يمكن تصنيفها وفهمهما بشكل أفضل كشكل من أشكال الأسلحة الخاصة التي تستخدمها الجهات الفاعلة غير الحكومية لمواجهة فارق القوة مع نظرائهم الحكوميين، لا على مجرد كونها نتاجا للتعصب الديني.

في مقال نشر مؤخرا لتحليل جميع الهجمات الانتحارية في الفترة ما بين أعوام 1981-2008 تبين لـ«سيمون يكسلر» و«مارتن سميث»، كما تبين لي أن الجماعات المسلحة تميل إلى تبني هذا التكتيك عندما تواجه الدول التي لديها قوات عسكرية عالية التجهيز الآلي، (أي تلك التي لها وفرة من المركبات، بما في ذلك الدبابات وناقلات الجند المدرعة)، كما يتمتع المهاجمين الانتحاريين بـميزة نسبية في القدرة على الاقتراب وتدمير الأهداف الصلبة. كما وجد أيضا أن العمليات الانتحارية في أفغانستان والعراق كانت أكثر فاعلية عن سائر أنواع العنف الإرهابي في التركيز على الأهداف الصلبة مثل الجيش والشرطة والمنشآت الحكومية بدلا من الأهداف المدنية.

استخدام «الدولة الإسلامية» للهجمات الانتحارية لا يخرج بالضرورة عن هذا المفهوم الأوسع. في حملة كسر الجدران في عام 2013، قامت المجموعة بتدشين 24 هجوما انتحاريا بسيارات مفخخة بهدف تدبير عمليات هروب في 8 من السجون العراقية. مما يتيح الهروب للمئات من المقاتلين ذوي الخبرة. في العامين الماضيين، استخدمت «الدولة الإسلامية» مرارا وتكرارا تلك الهجمات الانتحارية لقيادة محاولات اختراق لمواقع دفاعية للحكومتين السورية والعراقية. جماعات المتمردين السورية من جميع الخلفيات تعرف فائدة مثل هذه الهجمات. أحد المسؤولين في لواء التوحيد، أكبر فصائل الجيش السوري الحر في حلب، برر تعاون مجموعته مع فرع تنظيم القاعدة في سوريا «جبهة النصرة» قائلا: «النصرة في حلب أقل منا بكثير على المستوى العددي، ولكنها تعوض ما تفتقر له من حيث الأعداد من خلال قدرات مقاتليها، وحقيقة أنها على استعداد للقيام بالعمليات الاستشهادية. ونظرا لمحدودية السلاح لدينا هناك حالات نحتاج فيها إلى العمليات الاستشهادية، والنصرة توفر ذلك».

الاستراتجية الكلية

وأخيرا، وربما الأهم، هناك القليل جدا من الأدلة المؤيدة لفرضية السذاجة الاستراتيجية للدولة الإسلامية. ولاسيما بخوص ميلها الدائم لإضافة مدخلات جديدة إلى قائمة أعدائها. ومن المؤكد أن التاريخ العسكري مليء بحالات سوء التقدير المتفائلة والرهانات المتهورة والأخطاء الصريحة. وليس هناك أي أساس لنتوقع أن قيادة «الدولة الإسلامية» سوف تكون محصنة تجاه هذه الأخطاء. المثال على ذلك هو الخطأ الأكثر وضوحا إلى الآن، وهو الإقدام على اتخاذ قرار بمهاجمة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق في أغسطس/آب 2014 والذي أدى في النهاية إلى التدخل الأمريكي. ومع ذلك، فإن الخطوط العريضة لخطة التنظيم لتحقيق الخلافة هي معقولة جدا.

جاء ظهور التنظيم في دمشق وبغداد متزامنا مع لحظة مواتية من الناحية التاريخية، حيث كانت قواتهما، على التوالي، مستنزفة بعد عامين من مكافحة التمرد الشديد (سوريا)، وعاجزة بسبب الفساد المتفشي وانخفاض الروح المعنوية (العراق). وعلاوة على ذلك، وعلى عكس الكثير من التعليقات، فإن «الدولة الإسلامية» لم تبدأ المعركة مع بقية حركة التمرد السنية في سوريا. بدلا من ذلك، فإن تحالفا واسعا يتكون من «جبهة النصرة»، الجماعات السلفية والكتائب التابعة للجيش السوري الحر شعروا بالتهديد من قبل التنظيم بسبب القوة المتنامية له وقرروا استخدام القوة لمنع صعوده في وقت مبكر من عام 2014. وفي ربيع نفس العام ارتدت «الدولة الإسلامية» من حافة الهزيمة في الحرب مع المتمردين في سوريا إلى وضعية هجومية عقب نموها الدرامي في أعقاب سيطرتها على الموصل. اكتسب التنظيم وجاهته في هذه المرحلة من قدرته على خوض «الحرب داخل الحرب»،  كما تمكن من استيعاب أعداد كبيرة من المنشقين عن الجماعات المتمردة الأخرى، واستخلاص الموارد من السكان المحللين الذين كانوا يقعون في وقت سابق تحت سيطرة خصومها.

في مشروع لكتاب تحت الإعداد حول الحرب بين المتمردين، تبين لي أن سلوك «الدولة الإسلامية» تجاه غيرهم من المسلحين في سوريا بعد سقوط الموصل يتناسب بشكل وثيق جدا مع وجود نمط مشترك عبر مجموعة واسعة من الحروب الأهلية: جماعات متمردة قوية تميل إلى استخدام القوةللتخلص من المنافسين الأضعف في تلك اللحظات التي تمثل فيها الحكومات تهديدا محدودا. وذلك لتكثيف مواردها وتفادي ظهور منافسين على الطريق.

باختصار، لقد تصرفت «الدولة الإسلامية» وفقا لطرق تساعد النظريات القائمة في مسألة التمرد والإرهاب على فهمها بشكل جيد للغاية. هذا بالتأكيد لا ينفي أن هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث على هذه الظاهرة  من أجل إعطاء المعلومات اللازمة لجعل التهديد الناجم عن الحركة أقل خطورة. لكن المساعي الأكاديمية المستقبلية والمبادرات السياسية سوف تكون لها فرص أكبر في النجاح إذا كانت تأخذ على محمل الجد ثروة من الأفكار المتولدة من قبل الدارسين للعنف السياسي.

عبر وصف «الدولة الإسلامية » بأنها لغز فريد، فنحن نحرم أنفسنا من الأدوات ذاتها التي يمكن أن تساعدنا في وضع المنظمة في السياق المناسب ومن ثم فهمها وبالتالي الإجهاز عليها في نهاية المطاف.

المصدر | كوستنتينو بيسكيدا – واشنطن بوست
عرض التعليقات
تحميل المزيد