ترجمة وتحرير الخليج الجديد

إذا أوضحت، بعد أن أعلن تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) مسؤوليته عن التفجير الانتحاري في 22 مايو/أيار داخل مسجد شيعي في منطقة القطيف بالمملكة العربية السعودية، أنه لم يكن هجومهم الأول كما أنه من المحتمل ألا يكون الأخير، فأنت محق تماما. في يوم 29 مايو/أيار، أعلنت «ولاية نجد»، نجد هو الاسم الذي يشير إلى وسط المملكة العربية السعودية، مسؤوليتها عن هجوم انتحاري آخر أمام مسجد شيعي آخر في منطقة العنود بالدمام، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص. وتمثل هاتان الحادثتان، كلاهما كانت أثناء صلاة الجمعة، هجمات أكثر تطورا حتى الآن، خاصة هجوم القطيف الأكثر فتكا. وعندما يؤخذ هذا في سياق الهجمات السابقة، فإن الاعتقالات والتهديدات التي يمكن إرجاعها الى خريف عام 2014، تمثل أيضا تصعيدا ملحوظا.

من؟

حقيقة أن المواطنين السعوديين يشكلون غالبية الاعتقالات المرتبطة بالتشدد ومرتكبي هجمات المتشددين المحلية يوضح أن التهديد الرئيسي للبلاد ينبع من السكان المحليين المنتهجين للتطرف. القتال بين القوات السعودية والحوثيين على طول الحدود الجنوبية بقي مقتصرا على تلك المنطقة الحدودية، بينما كان هناك ثلاث هجمات فقط من الخارج منذ يوليو/تموز 2014 (اثنان بالقرب من معبر عرعر الحدودي الشمالي، وآخر على معبر واديا الجنوبي الحدودي مع اليمن).

ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بالتطرف، فقد تم القبض على ستة وعشرين من أعضاء «خلية إرهابية» مرتبطين بتفجير القطيف، وكان المهاجمون الانتحاريون جميعهم مواطنون سعوديون. وبالمثل، فإن حوالي 93 شخصا سعوديا اعتقلوا في إبريل/نيسان، بينما كان الاثنان المرتبطان بـ«الدولة الإسلامية» والمتهمان بإطلاق النار في 8 إبريل/نيسان على ضباط الشرطة في الرياض أيضا من المواطنين السعوديين. وفي ديسمبر/ كانون الأول تم الإعلان عن اعتقال 135شخصا، من بينهم 109 كانوا مواطنين سعوديين. وكان الأشخاص الثلاثة المرتبطين بـ«الدولة الإسلامية»، والذين ألقي القبض عليهم بتهم إطلاق النار على دانماركي في 20 نوفمبر/تشرين الثاني سعوديين أيضا، واعتقلت الشرطة سبعة وسبعين، بينهم ثلاثة وسبعين مواطنا سعوديا، لتورطهم في إطلاق النار يوم 3 نوفمبر/تشرين الثاني على الشيعة. تلك نماذج على سبيل المثال لا الحصر.

وفي الوقت الذي قيل فيه إن تفجير القطيف واستراتيجية «الدولة الإسلامية» الشاملة في المملكة العربية السعودية، ربما تمثل هجمات فردية تطوعية لأفراد غير محسوبين على تنظيمات بعينها لتنفيذ مخططها، فقد بدا أن العكس ربما يكون صحيحا. فبالإضافة إلى خروج البيانات والتصريحات التي تعلن المسؤولية عن العمليات، فقد ذكرت وزارة الداخلية ان انتحاري القطيف «كان مطلوبا لكونه عضوا نشطا في خلية إرهابية تابعة للدولة الإسلامية قبل عام واحد مع 26 مع أعضائها، وتم اعتقال جميع السعوديين حتى الآن». وشملت اعتقالات إبريل/نيسان أيضا خلايا تم تفكيكها، أحد تلك الخلايا كانت في القصيم، وضمت خمسة وستين عضوا. وألهمت المنظمة السنية المسلحة بشكل واضح أكثر من شخص مهاجم ليقوم بمهام فردية تطوعية في هذا البلد.

ماذا؟

ضمن هذا الإطار الزمني، من سبتمبر/أيلول 2014 إلى الآن كانت هناك ثماني هجمات تم الإعلان عنها، اثنان من بينهم يشكلان التفجيرات الأخيرة، والتي بقي أحدها غير مؤكد الدافع من ورائها (في يناير/ كانون الثاني 2015 حادث إطلاق النار الذي استهدف مواطنين أمريكيين يعملون لشركة مقاولات دفاعية). هناك أيضا العديد من المؤامرات الفاشلة والتحذيرات الصادرة عن السفارة الأمريكية. ومن بين هذه الحوادث؛ كان هناك خط واضح للتصعيد، حتى وقعت تفجيرات القطيف والدمام، التي أعلنت عناصر للدولة الإسلامية مسؤوليتها عنها. ومع اعتقالات إبريل/نيسان، كانت هناك مؤامرات أكثر تعقيدا، على الرغم من أنه تم إحباطها، مثل انتحاري بسيارة ملغومة استهدف سفارة الولايات المتحدة. لكن هذه المحاولات الفاشلة مرة بعد مرة تُوجت الآن بتفجيرات انتحارية ناجحة، وأعلنت ولاية نجد مسؤوليتها الرسمية عنها.

وتكشف هذه الهجمات الثمانية والمؤامرات الفاشلة وتحذيرات السفارة أيضا عن ثلاث مجموعات واضحة وغير مفاجئة تماما للأهداف التي تتلاءم بسهولة مع طريقة عمل «الدولة الإسلامية»؛ الأفراد الغربيين والمواطنين الشيعة وأفراد الأمن السعودي. وقد ظهر ذلك في أحد خطابات عام 2014، وتحديدا في نوفمبر/تشرين الثاني التي كانت لقبول القسم بالولاء من المجموعات المختلفة، وكان من بينهم واحدة تعمل في المملكة العربية السعودية، والتي دعا فيها الزعيم «أبو بكر البغدادي» خصيصا لهجمات ضد الشيعة، والأسرة المالكة في السعودية وجنودهم، قبل أن تتم مهاجمة الصليبيين «الدول الغربية» وقواعدهم.

ومع ذلك، فإن الهدفين الأخيرين يبرهنان على وجود تفضيل للشيعة كهدف رئيسي. خلافا لمنطقة القطيف، هناك أهداف محتملة أخرى متعددة داخل وحول مدينة الدمام. ومع ذلك، تعرض مسجد شيعي لهجوم مرة أخرى.

لماذا؟

هناك عدد قليل من التفسيرات المحتملة. قد تكون الأهداف «المرغوبة» أكثر،  مثل المركبات الغربية والمنشآت النفطية والمباني الحكومية، محمية بصورة تحصنها من التعرض لهجوم ناجح. وربما ترغب المجموعة في التقليل من عدد الضحايا بين السنة أيضا. على الرغم من أنه يمكن القول بأن هذا لم يكن تفكير مجموعة «ولاية صنعاء» عندما استهدفت مساجد في العاصمة اليمنية التي يحضرها كل من السنة والشيعة، ربما تكون داعش حساسة بشكل خاص لمواقف الشعب السعودي. ومن المرجح أن تعتبر الدولة ذات أهمية خاصة، نظرا لوجود مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومع معارضة قائمة بالفعل لهذه التفجيرات، فإن قتل السنة ربما لن يكسب العديد من المؤيدين. وفي الوقت نفسه، فإن الهجوم على الشيعة قد يكون هدف الجماعة عموما. إذكاء التوترات الطائفية كافية في بلد مع أقلية شيعية محبطة بالفعل، وهذه الأقلية قد تنفجر من تلقاء نفسها.

إذا ماذا الآن؟ أيدلوجية أعضاء «الدولة الإسلامية» ومؤيديها من غير المرجح أن ترى الاعتقالات بمثابة رادع. وظهر بتفجيرات القطيف والدمام، بكل وضوح، ما يدل أن المعتقلين في إبريل/نيسان وبعد القطيف لم يكونوا هم «الجميع»، والحقيقة المؤسفة تشير إلى أنه علينا أن ننتظر مزيدا من الهجمات الناجحة. القيادة السعودية لديها سبب يجعلها تقلق بشدة، ليس فقط بسبب أن هجمات الدمام مخيفة، وذك بشكل خاص لكثير من الأجانب العاملين في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط (الولايات المتحدة لديها قنصلية قريبة في الظهران). ويشتكي السكان الشيعة من مظالم الحكومة منذ فترة طويلة، على الرغم من تنفيذ بعض الإصلاحات، لكنها كانت بطيئة للغاية ومحدودة، ونظر إليها الكل على اعتبار أنها غير كافية.

بالفعل، هناك احتمال واضح أنه في المدى الطويل سوف تزيد الاضطرابات ببطء في ظل غياب تغيير ملموس. وفي الوقت الذي يظهر فيه بعض رجال الدين السنة السعوديين عن تعصبهم تجاه الشيعة، فإن القبض على المعتدين وزيارات سمو ولي العهد للضحايا من المرجح أن تعتبر ردود غير كافية إزاء تلك التفجيرات وما قد يحدث غيرها. الفشل في اغتنام هذه الفرصة لبدء عملية إصلاح، حتى لو كانت تدريجية، وجها لوجه مع السكان الشيعة ربما يعطي انطباعا بأن الحكومة تساعد بدون قصد أي هدف للدولة الإسلامية من شأنه أن يزيد تأجيج الاضطرابات الطائفية. وربما تركز القيادة على اليمن، ولكن هذا لا يعني أنهم لا يستطيعون المشي ومضغ العلكة في نفس الوقت.

المصدر | ناشيونال إنترست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد