أصبحت نظريات التجديد الوظيفي في الأحزاب السياسية، قاعدة مرتبطة بالأحزاب المغاربية ذات التوجه الإسلامي، وتمثل هذه الميزة أهمية كبرى على مستوى التنظير لدى قادة هذه الحركات التي شارك معظمها في الحكم، سواء كمشاركة في الجهاز التنفيذي أو أثناء مرحلة الانتقال الديمقراطي والخروج من الأزمات مثل ما حدث مع حركة الراحل «محفوظ نحناح» عام 1994 في المجلس الانتقالي بالجزائر، ومع حركة النهضة التونسية عام 2011 عند قيادتها للحكومة عن طريق المجلس التأسيسي الذي جاء بعد ثورة 17 ديسمبر (كانون الأول).

وتعتبر تجربة الحركة الإسلامية في المغرب العربي مغايرة للتجربة القائمة في مشرقه، وتعود هذه الفوارق لعوامل عديدة أهمها بنية المجتمعات المغاربية، وآثار الاستعمار الفرنسي في هذه البلدان وكذلك إلى طبيعة التكوين الديني لدى قادة الحركة الإسلامية التي تنتمي للمدرسة ذات البعد المقاصدي لا الفقهي الشرعي.

وباستثناء ما يحدث في فلسطين وبالتحديد غزة من نجاحات لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» في ميدان المقاومة والتنمية، حسب تقارير الحكومة المقالة هناك، لم تشهد منطقة المشرق العربي نجاحات كبرى للإسلاميين واستمرارًا في الحكم هناك، فالانقلاب العسكري أطاح بأول رئيس إسلامي منتخب في مصر بعد فترة قصيرة من الانتخاب، ولم تنجح التجربة الإسلامية في الحكم حتى الآن في السودان لاعتبارات التقسيم والصراعات العسكرية الدائرة في هذا البلد الفقير.

يعيش المشرق العربي الكثير من الصراعات التي تديرها أطراف وقوى عالمية كبرى كالولايات المتحدة الامريكية وروسيا وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، وهو العامل الذي لم يمنح أي فرصة للحركات الإسلامية من تجسيد برامجها وتطبيق أفكارها في العراق وسورية ولبنان والأردن واليمن، في حين لا تعتبر دول الخليج مؤشر على ممارسة سياسية ديمقراطية لطبيعة الأنظمة السياسية، باستثناء التجربة الجزئية في البحرين والكويت.

وتعتبر بنية الأنظمة العربية سواء الملكية أو الجمهورية، فاعل قوي في الساحة السياسية المدنية وخاصة تجاه الهيئات الحزبية، فالممالك الخليجية لا تسمح – عمومًا – بوجود أحزاب وديمقراطيات عريقة، وهو ما يؤثر على الأداء السياسي للتيارات الأيديولوجية في محاولة تجسيد أفكارها، وعلى العكس من ذلك نجحت المملكة المغربية بعد الإصلاح الدستوري في الخروج عن القاعدة، ومنحت الحكم للإسلاميين منذ احتجاجات فبراير عام 2011.

عبر هذا التقرير سنتطرق إلى كيف تطور فكر قادة الحركات الإسلامية في دول ثلاث بالمغرب العربي تجاه العمل الإسلامي والدعوي؟ وكيف ينادي هؤلاء بضرورة تمدين العمل السياسي داخل الهيئات والحركات الإسلامية؟ وإلى السيرورة التاريخية ونضال هؤلاء الزعماء تجاه التمييز أو الفصل الوظيفي؟ مع الإشارة إلى أن التقرير نابع من كتابات هؤلاء المفكرين والقادة، وإلى أدبيات الحركة الإسلامية بهذه الأقطار.

حمس الجزائر بين منهج المؤسس وطموح المجدد

تعتبر الحركة الإسلامية في الجزائر نفسها أول حركة قدمت نموذج نجاح في تجربة المشاركة بالحكم، إذ ترشح الزعيم الإسلامي الراحل «محفوظ نحناح» عام 1995 لرئاسيات الجزائر، مع تسجيل لرفض من قادة الإخوان في العالم لهذا القرار؛ حصد فيها أكثر من ثلاثة ملايين صوت، رغم ظروف الأزمة الأمنية التي شهدتها البلاد في فترة ما يسمّى «بالعشرية السوداء»، وظلت بعد وفاة المؤسس نحناح عام 2003 حركة مجتمع السلم مشاركة في الحكم إلى نهاية عام 2011 (برئاسة أبو جرة سلطاني وزير الدولة السابق)، ثم تحولت إلى المعارضة مع انطلاق شرارة رياح التغيير العربي.

ويتراوح النقاش في الجزائر عند جموع الإسلاميين بين مصطلحات جامدة «المشاركة، المغالبة، المقاطعة والمعارضة» كسلوك سياسي تجاه السلطة، وتنقسم هذه المصطلحات بين مجموعة من التيارات ذات الوزن التاريخي في مفهوم الحركة الإسلامية كجماعة الشرق لعبد الله جاب الله (مؤسس ورئيس حركة العدالة والتنمية) بالإضافة إلى الحزب المحظور الجبهة الإسلامية للإنقاذ، كما لا يزال تيار من داخل حركة مجتمع السلم يسعى إلى عودة هذه الأخيرة إلى المشاركة بالحكم، وتيار يقود الحركة نحو ضرورة الانتقال الديمقراطي في البلاد كشرط أساسي للمشاركة في حكومة منتخبة.

وبالرغم من هذا النقاش الدائر في السّاحة، يسعى رئيس الحركة الحالي عبد الرزاق مقري إلى ترتيب بيت الإسلاميين من خلال التمييز الوظيفي الذي نادى به عام 2006 في مقال له بمجلة «البصيرة»، ويذكر مقري في كتاباته الموثقة في «البيت الحمسي، وثائق في الفكر والسياسة والدعوة» أنه دعا مؤسس الحركة نحناح إلى فصل الدعوي عن السياسي في مقالة موجهة إلى المكتب الوطني عام 1997، لكن بعض الأوساط في الإخوان المسلمين وصفت محاولته بجر الحركة الإسلامية إلى العلمانية وخدمة الفكر الغربي.

وعرفت الندوة الأخيرة لمركز الجزيرة للدراسات حول التحولات في الحركة الإسلامية، إجماعًا لدى نخب التيار الإسلامي بضرورة الفصل الوظيفي للحركة، والتوجه نحو الخط الاستراتيجي وترتيب المشهد الإسلامي، والذي دفع بهذا التوجه هو مآلات ثورات الربيع العربي، حسب مداخلات قادة هذه الأحزاب المجتمعة في العاصمة القطرية الدوحة شهر تشرين الأول 2016.

ويؤصل مقري الذي يشغل الأمانة العامة لمنتدى كوالالمبور للفكر والحضارة، في مقاله «واقع الحركة الإسلامية في آخر هذا القرن ما العمل؟» لضرورة التسلح بالعلوم الإنسانية والاجتماعية التي هي ميدان السياسة والجماهير، حيث يربط كاتب المقال أزمة الحركة الإسلامية في عدم الخروج من إشكالية المفاهيم والمصطلحات التي تستعمل كشعارات وعناوين كبرى في صناعة الأهداف والدوافع من النضال السياسي والذود عن الفكرة الإسلامية، ويضرب مثال «اضطراب الأداء السياسي لعدم وضوح الحدود الشرعية التي تضبط مفهوم المصلحة، ومعاني الولاء والبراء، والمداهنة والمهادنة، وكذا شرعية بعض الاتفاقات وبعض التحالفات والمعاهدات».

ويتحدث رئيس «حمس» عن الوضع الداخلي للتنظيمات الإسلامية، واولوية التربوي على العلمي الفكري «كان بإمكاننا أن نقدم الفكر والعلم على التربية واكتساب الإيمان، إذ إن خطاب التكليف قصد العقل قبل القلب ودعا إلى العلم قبل الإيمان، فالله سبحانه يقول في كتابه: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وتطور فكر الرجل إلى دعوة جموع الحركة الإسلامية إلى احترام التخصص وإرجاع الأمر إلى أهله في العمل السياسي، كما دعا من خلال مقاله دومًا إلى ضرورة ضبط المصطلحات وتوضيح المفاهيم جيدًا خاصة في مسائل «مفهوم الدولة، السلطة السياسية، مفهوم الشريعة، الدولة الإسلامية، مفهوم العصرنة، اللائكية، الوطنية…»، بالإضافة إلى معارضة السلطة واجبة عند اقتضاء الحال والمحافظة على الدولة لازمة في كل الأحوال.

وظل هذا النداء في التمييز الوظيفي محل نضال فكري داخل الحركة الإسلامية بالنسبة إلى مقري، وحاول ترتيب وظائف الحركة الإسلامية إلى وظيفة سياسية فكرية، ووظيفة اجتماعية خيرية، ووظيفة دعوية تربوية، وألف كتابًا بمناسبة المؤتمر الخامس للحركة في مايو (أيار) 2013 يشرح أكثر من 60 مشروعًا جديدًا يخدم هذه الوظائف بمنهجية تخطيطية، عبر استراتيجية الاستقلال في القرار والإدارة والمال والتنفيذ للقائمين على هذه المشاريع.

ويشير المقال الذي وقعه مقري عام 1998 في اتجاه رئيسه آنذاك محفوظ نحناح، إلى ضرورة مراجعة العمل السياسي والأداء الدعوي والقيادي والدفع نحو الأداء الاستراتيجي أكثر، ويصف الطبيب البشري وضع البلاد والحركة الإسلامية بالسّيء، ويدعو إلى ضرورة «الاستقواء» كحل وبداية الطريق في تغيير الأولويات، من خلال تحديد الوظيفة السياسية بعيدًا عن الدعوية والعكس كذلك.

وفي مقال له نشر عام 2006 بالدورية العلمية المحكمة البصيرة، يصارح مقري جمهور الحركة الإسلامية بضرورة الفصل في العلاقة بين الدعوي والسياسي، وهي الأعوام التي عرفت فيها حركته «حمس» الانشقاقات داخل الحزب، حيث انشقت مجموعة من القيادات الإسلامية عن الحركة بدافع الخروج عن المنهج والتخلي عن فكر الإخوان المسلمين. ويعتبر أن أزمة الحركة الإسلامية في الضرورة المبدئية للدعوة والضرورة الواقعية للسياسة، يتساءل دومًا كيف يمكننا تجاوز هذه المحنة الفكرية؟

ويحاول في هذا الشأن التركيز على ضرورة الفصل المفاهيمي والشرعي بين المقاصد الكبرى والعليا للدعوة، ومرونة السياسة التي تتميز بالكر والفر أحيانًا كثيرة، وهنا يترتب على الحركة الإسلامية تبسيط هذه الممارسات لدى مناضليها ومحيطها بشكل عام، ويضيف الكاتب لنفس الموضوع مسار التغيير التدريجي في تحولات المجتمع والدول «إن الفساد العميق الذي وصلت إليه الأنظمة الحاكمة لا يمكن أن يخلفه بشكل جذري ومباشر نظام إسلامي على الطهر والنقاء الذي تعرضه الدعوة الإسلامية، إن ذلك مناقض لسنن التغيير ولو تكلفت الحركة الإسلامية ذلك بمجملها واستعجلت الأمر لوقعت مآزق كبيرة تعود بالوبال على تجربتها».

ولم تتمكن الحركة الإسلامية «حمس» من حسم موقفها من هذا التجديد الفكري إلا مع المؤتمر الخامس الذي انعقد في مايو (أيار) 2013، أي بعد 16 سنة من النضال الفكري والسياسي لمقري، وهو ما أتاح الفرصة للرجل من أجل فرض أفكاره في ضرورة ترتيب «البيت الحمسي» كما جاء في تسمية الكتاب، ومحاولة التمييز بين الوظائف عن طريق بناء مشاريع مجتمعية مستقلة في المهام، خاصة في المجال الدعوي والنسوي والشبابي والقطاعاتي (حكومة ظل). ويقول مقري في هذا الشأن إن العمل السياسي حاليًا لا يمثل سوى 15% من اهتماماتنا في ظل الأدوار الاستراتيجية للحركة.

ويعيش تيار من المناضلين الإسلاميين في الجزائر، على وقع صراع حول التمثيل الشرعي للتنظيم الدولي للإخوان، ويصرح مقري عبر برنامج مراجعات الذي يبث في قناة الحوار من لندن، أن التنظيم الدولي انتهى ودخلت الحركة الإسلامية مرحلة جديدة من الفكر والممارسة، في الوقت الذي لا تزال فيه جماعة البناء الوطني المنشقة عن «حمس» تنادي أنصارها بأنها الممثل الشرعي والحصري للإخوان في البلد، مع وجوب البيعة لقادتها والسمع والطاعة للشيخ مصطفى بلمهدي.

نهضة تونس.. بين تأصيل الغنوشي وضغط الرأي العام

وفي تونس، أعلنت حركة النهضة، عن الفصل الوظيفي رسميًا بين الدعوي والسياسي في مؤتمرها العاشر المنعقد شهر مايو (أيار) 2016، وفي خطاب الافتتاح لرئيس الحركة قال الغنوشي إن الحركة ستتجه إلى العمل السياسي وتدعو إلى تمدين الحياة السياسية بعيدًا عن شعارات الدين والدعوة، وسلطت وسائل الإعلام المحلية والدولية الضوء على هذا القرار الذي وصف بفك الارتباط بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

وفي مقال لها حول التوجهات الجديدة لحركة النهضة، دافعت سمية الغنوشي عن هذا القرار، إذ يرتبط حسبها بالواقع التونسي الذي يتميز بالبيئة المتفتحة والخصوصية في الفكر الإسلامي، وقالت في مقالها المعنون بـ إلى اين تتجه حركة النهضة؟ «ينبغي للمهتمين بما يحدث في النهضة الانتباه هنا إلى ان التطورات التي تشهدها تمثل استجابة عملية للواقع التونسي الجديد، الذي يفرض علينا في النهضة التكيف مع المتغيرات الحاصلة في المشهد المحلي، ومن ذلك انتفاء القيود المانعة لسائر المناشط العامة وغياب السلطة التحكمية للدولة التسلطية»

وبالعودة إلى مؤلفات الغنوشي نجد أنه في عام 2003 طرح إشكالية العلاقة بين الجماعة الإصلاحية والحزب السياسي، ووصف ذلك بالحيرة في الحركات الإسلامية «كتاب الحركة الإسلامية ومسألة التغيير»، ولم يفصل رئيس الحركة الحاصل على جوائز عالمية في إنجاح مسار الانتقال الديمقراطي وتثبيت السلم ونبذ العنف، في بلورة تصور كحل واقعي لهذه الحيرة التي أفرد لها فصلا كاملا بالكتاب.

ويرجع الغنوشي التحول التاريخي لظاهرة «من الدعوي إلى السّياسي» إلى الانقلاب الأموي في طريق انفصال الدين عن السياسة، حيث يقول «توزعت النخبة الإسلامية إزاء هذا النموذج الخليط من المثال والواقع، من الجاهلية والإسلام على جبهتين: جبهة الأحزاب السياسية التي اتخذت من دولة الأمر الواقع، دولة الغلبة، موقف المعارضة السياسية المسلحة، رافضة ما أحدثه الأمويون من انتقال متعسف بالدولة، من دولة الخلافة الشورية إلى «الملك الكسروي» العضوض مع صبغة إسلامية».

وحول دوافع هذا القرار يقول رفيق عبد السلام وزير الخارجية الأسبق في مقابلة له مع قناة الجزيرة «إن النهضة تتخذ هذا التوجه الجديد في ظل التطورات السياسية النوعية التي تشهدها تونس، حيث كانت في السابق تواجه نظاماً شمولياً، أما اليوم فإن الحركة تتجه للتخصص الوظيفي في إطار «حزب مدني يعتمد المرجعية والثوابت الإسلامية والعربية للبلد». ورحّب رئيس تونس باجي قايد السبسي بالقرار، واصفًا إياه بالتحول التاريخي في الساحة السياسية وهي نتيجة نضال فكري للطبقة السياسية التونسية وليس النهضة وحدها.

ويضيف الغنوشي في نفس الكتاب الصادر عن دار قرطبة، أن معنى كل ذلك أن العلماء، بعد فتن قاسية أوشكت ان تطيح بالكيان الإسلامي جملة، اضطروا إلى التنازل عن السلطة لصالح أصحاب الشوكة والقوة وبذلك كانت المعادلة أو الصفقة التاريخية كالتالي: السياسة للحكام، ولهم الطاعة ما خضعوا لأحكام الشريعة، وللعلماء ضبط أحكام الشريعة والقضاء والتعليم والإشراف على الأوقاف. ويشير إلى أن الإشكالية الكبرى في الحركة الإسلامية حتمية لإشكالية رئيسية متمثلة في أن الإسلام إذا كان دينًا توحيديًا لم يميز بين الديني والدنيوي، فهل يلزم ذلك أن تكون دولته شمولية وأن تكون الأحزاب العاملة في إطار المجتمع الإسلامي لإصلاحه أحزابا شمولية؟

تنمية وعدالة المغرب.. التمييز لا الفصل تجربة قائمة

يجيب عن تساؤل الغنوشي، وزير خارجية المغرب الأسبق سعد الدين العثماني في أطروحته (تصرفات الرسول بالإمامة) حيث يشرح التمييز بين التصرفات النبوية، على أساس ما يخص الأمور الدينية، وما يختص بالأمور الدنيوية والعوارض البشرية، كما يوضح العثماني في كتابه دومًا مسألة الإمامة عند النبي محمد بوصفه إمامًا للمسلمين ورئيسًا للدولة، يدبر شؤونها بما يحقق المصالح، ويدرأ المفاسد، ويتخذ الإجراءات والقرارات الضرورية لتحقيق المقاصد الشرعية في المجتمع.

وتعيش التجربة الإسلامية في المغرب، تمييزًا واضحًا في الأداء الدعوي الذي تقوده الحركة الأم «التوحيد والإصلاح»، والأداء السياسي الذي يقوده حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، ويعتبر هذا الأخير أول حزب إسلامي في المنطقة العربية يحقق نجاحا بالاستمرار في الحكم لعهدة كاملة، وينجح لمرتين متتاليتين في الاستحقاقات الانتخابية، وهو مؤشر إيجابي لدى المغاربة كتجربة ثرية تحترم الخصوصية الملكية للمغرب، وتقدم البرامج وفق ما هو متاح من ممارسة سياسية.

ويقول المهندس محمد الحمداوي في كتابه «العلاقة بين الجماعة والحزب» هذا العنوان مشكلة متضخمة لدى الكثيرين في الوسط الإسلامي، فهناك من يدمج الخطاب وهناك من يزاوج بين الخطاب، ومحاولة منه لفك هذا الاشتباك القائم الذي يطرح سؤالا كبيرًا «هل نحن نسعى لإقامة الدين أم إقامة الدولة؟» يطرح الحمداوي عبر تجربتهم التي امتدت الآن لأكثر من عشر سنوات في الممارسة والتصحيح والتطوير بما يحقق أهداف كلا المؤسستين، الدعوية والسياسية حسب تعليق ناشر الكتاب الذي صدر عام 2013.

ويقول الحمداوي الرئيس السابق لحركة التوحيد والإصلاح إن خصوصية الحركة الإسلامية في المغرب تتميز باحترام الواقع الذي نشأت فيه، وينفي امتداد الحركة الإسلامية في المغرب إلى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في حوار له مع أحمد منصور معد برنامج «بلا حدود» على قناة الجزيرة.

ويؤكد سعد الدين العثماني في كتابه «الدين والسياسة، تمييز لا فصل» بأن إشكالية التمييز بين الدين والسياسة مطروحة منذ زمن في تاريخ الحضارة الإسلامية، ويستشهد بذلك لما ذكره أبو الحسن الماوردي (364 – 450 هـ / 974 – 1058 م) أن الدولة أو الخلافة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا. ويستشهد كذلك بما ذكره عبد الرحمن ابن خلدون (1332 – 1406م)، فيقوم بالتمييز عندما يعرف الملك الشرعي بأنه «حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الآخروية والدنيوية الراجعة إليها، فهي خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين، وسياسة الدنيا به».

وبخصوص نظرته للديني والسياسي، يقول العثماني في نفس الكتاب «وفي رأينا العلاقة الأوفق بين الدين والسياسة في الإسلام، ليست هي الفصل القاطع، وليس هو الوصل والدمج التامين، بل هو وصل مع تمييز وتمايز» وفي هذه النقطة يفصل محمد الحمداوي رئيس حركة التوحيد والإصلاح أكثر حول التميز في مجالات العمل في تجربة المغرب بين الحركة الدعوية والحزب السياسي، والتميز في الخطاب والتميز في الرموز والقيادات.

يقول الحمداوي إنهم في تجربة الفصل بين حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، قامت الحركة عام 1996 بالانخراط في حزب موجود يترأسه الراحل محمد الخطيب، ومنذ ذلك اليوم يقول الحمداوي: قررت الحركة فصل الدعوي عن السياسي وللحزب استقلالية في قراراته دون العودة إلى الحركة، رغم وجود ستة من أعضاء المكتب الوطني يمثلون حركة التوحيد والإصلاح، وهي إشارة إلى سيطرة الحركة على الحزب.

ويشرح الحمداوي في حواره بالجزيرة، مجالات عمل الحزب التي تتلخص في تدبير الشأن العام، المشاركة في الانتخابات، الحكومة، البلدية، والأغلبية البرلمانية وما شابه ذلك، في حين تشرف الحركة على نسيج الجمعيات، المجال النسائي والطلابي والخيري والطفولي، وكذلك مجالات الدعوة والتربية والوعظ والإرشاد تحت شعار «إعداد الإنسان الصالح المصلح». ويضيف الحمداوي دائما أن الحركة قد تختلف مع الحزب في مواقف سياسية معينة، لكنها تلتقي معه في الأهداف الكبرى للوطن والأمة، وهذا المتفق حوله منذ أول يوم.

وتحقق تجربة المغرب نجاحات عديدة على المستوى السياسي، فبالإضافة إلى الفوز في التشريعيات لعهدتين متتاليتين، تحقق بقية الأذرع الشبابية والطلابية حضورًا مميزًا على مستوى النخب والمجتمع. وبالرغم من هذه النجاحات تعيش التجربة صعوبة في الحكم تجاه محيط الملك وتضييق الداخلية ووسائل الإعلام التي تعتبر عن قوة ونفوذ المخزن، وكذلك بحكم أن المنجزات الميدانية تحسب للملك، في حين تعود الإخفاقات على حكومة بن كيران.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد