استطاعت القوى السياسية المتصارعة في تونس، وعلى رأسها الحركة العلمانية والإسلامية، تجاوز خلافاتها السياسية والأيديولوجية من أجل المصلحة الوطنية، ما أسفر في آخر الأمر عن ميلاد دستور توافقي جديد وشراكة في الحكم بين الإسلاميين والعلمانيين، لتشق تونس أولى خطواتها نحو طريق الدولة المدنية الديمقراطية، الشيء الذي لم يحدث في مصر.

إذن لماذا استطاع الإسلاميون والعلمانيون التوافق في تونس بينما فشل الأمر في مصر؟

1- إسلاميو تونس معتدلون وعلمانيوها متنورون

في الواقع لقد أبان كل من العلمانيين والإسلاميين في تونس حرصهم على مصلحة الوطن قبل كل شيء، ولم تشغلهم حساباتهم السياسية والأيديولوجية الضيقة عن تقدير أعباء المرحلة الانتقالية، التي تستدعي تنازلات متبادلة.

لقد حاولت حركة النهضة طمأنة خصومها العلمانيين الذين كانوا يظنونها ستسعى لقلب الهوية والمجتمع التونسي، منذ الوهلة الأولى بعد فوزها في انتخابات أكتوبر 2011، حيث تحالفت مع حزبين علمانيين صغيرين، وبعد أن تأزمت الأوضاع إثر اغتيال المعارضيْن السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، تخلت عن السلطة نتيجة الضغط الشعبي والاحتقان الشديد في الشارع التونسي.

يعد الإخوان المسلمون في مصر أكثر اعتدالا من نظرائهم السلفيين، إلا أن حركة النهضة الإسلامية التونسية تفوق الجماعة انفتاحا واعتدالا نظريا وعمليا، فرؤية الحركة وإن كانت محافظة إلا أنها تنفتح على رؤى متعددة، يقول الغنوشي: “تنطلق مرجعيتنا من أدبيات رموز الفكر الإسلامي التونسي ومدرسة الزيتونة، وأدبيات رموز الإخوان المسلمين، ومفكري العصر من الغرب والعرب، وأدبيات حركة الديمقراطيين الاشتراكية التونسية”، بالإضافة إلى أن حركة النهضة قدمت تنازلات فكرية ومراجعات لم تكن حركة الإخوان في مصر أبدا لتقدم عليها، فـ”الدين الإسلامي في تونس ليس المشرع الوحيد” كما ينص على ذلك الدستور التونسي الحالي، كما أنها كيفت رؤيتها الفكرية الإسلامية لتتلاءم مع الديمقراطية والحداثة ولم تطالب بتطبيق الشريعة.

أما العلمانيون في تونس فقد كانوا أكثر تعقلا من نظرائهم في مصر، فقد اعترف القائد السبسي، الرئيس الحالي لتونس، بأن “الإسلام السياسي في البلاد يعتبر واقعا سياسيا واجتماعيا لا يمكن القفز عليه”، مما جعل العلمانيين في تونس يتريثون في رد فعلهم تجاه الحكومة الإسلامية – عكس نظرائهم المصريين الذين تعجلوا الأمر- فنظموا صفوفهم وأسقطوها عبر صناديق الاقتراع، ورغم ذلك لم تمنعهم نشوة الفوز من إشراك إسلاميي النهضة في حكومتهم الجديدة، كما أن العلمانيين التونسيين لم يتشددوا في مسألة هوية الدولة الدينية، حيث قبلوا أن تكون تونس “دولة تدين بالإسلام”، بحيث لا يختلط الدين بالمجال السياسي، وإنما هو ملك للدولة التي هي ملزمة أيضا باحترام الحقوق الفردية.

2- إسلاميو تونس لم يتحالفوا مع السلفيين

شاهد هذا الفيلم الوثائقي حول أنصار الشريعة بتونس، من إنجاز “العربية”


ينظر إلى السلفيين عامة، كما يقول الباحث أنوار بوخرص، بأن “رؤيتهم الفكرية الإسلامية تكفر بالديمقراطية وآلياتها وتأبى ركوب قطار الحداثة، إذ يرتكسون دائما نحو الوراء كما يبدو الحال في خطابهم على الأقل”، إلا أن هذا لم يمنع الحركة السلفية أن تكون قوة شعبية وسياسية في مصر، بل حازت على المرتبة الثانية من الأصوات في الانتخابات المصرية بعد 25 يناير! وهو ما لم يحدث على الإطلاق في كل بلدان الربيع العربي.

كما أن محمد مرسي الرئيس السابق لمصر تحالف سياسيا مع السلفيين، ما أشعل احتقانا سياسيا شديدا، وقدم صورة سلبية للمشروع الإسلامي المعتدل في مصر، وهو ما لم يكن في صالح حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين.

أما في تونس، فقد وضعت حكومة النهضة حدا لنشاط وخطاب السلفيين المتطرف، حيث قامت بحظر تنظيمهم “أنصار الشريعة” سنة 2013، ومنعت نشاطاته واجتماعاته، بعد أن تبين أن للتنظيم علاقة في اغتيال ناشطين سياسيين وأحداث عنف أخرى، وبذلك اصطف إسلاميو النهضة والعلمانيون معا ضد موجة “العنف” التي اجتاحت تونس في السنوات الأخيرة، وهو ما عزز بعد ذلك جسور الثقة بين الأطراف السياسية التونسية المختلفة.

3- تونس لديها مجتمع مدني قوي

كان للمجتمع المدني في تونس دور فعال في تصالح العلمانيين والإسلاميين، فهو لم ينخرط في طوفان الاستقطاب السياسي كالحال في مصر، وإنما كان وسيطا في تقارب القوى السياسية المتخاصمة.

يرى البعض بأنه ما كان للحوار الوطني بين الإسلاميين والعلمانيين في تونس أن ينجح، لولا المبادرة التي قادها المجتمع المدني التونسي، الممثل في الاتحاد العام التونسي للشغل، واتحاد أرباب الأعمال ونقابة المحامين، إضافة إلى الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، الذين أعلنوا منذ بداية الحوار أن هدفهم الأول هو استعادة حالة الحوار الوطني، وحماية المسار الديمقراطي، حيث تمكنوا بعد نقاشات طويلة ومريرة بين مختلف الفرقاء السياسيين في تونس، من الخروج بدستور توافقي وبدء انتخابات جديدة في نهاية 2014، التي فاز بها حزب نداء تونس.

4- تونس لديها “إرث تقدمي”

يعتقد البعض أن المجتمع التونس كان مهيأ لتقبل الديمقراطية وقيمها قبل قدوم ثورة الياسمين، مما سمح له على خلاف كل البلدان العربية بانتقال ديمقراطي ناجح وسلس.

يمتن كثير من التونسيين للرئيس لحبيب بورقيبة الذي حكم تونس بين 1957 و1987 رغم ممارساته الديكتاتورية خصوصا مع معارضيه الإسلاميين، إذ رسخ نظاما تعليميا جيدا في تونس، سمح بتخريج مجتمع متعلم وواع يتجاوز بكثير أمثاله من المجتمعات العربية، كما أن المرأة التونسية تعد هي الأكثر حظا من شقيقاتها النساء العربيات سواء في المشرق أو المغرب؟

ومما ساهم في ردم الهوة بين القوى العلمانية والقوى الإسلامية في تونس هو استفادتهما من تجربتهما الماضية، فقد كان لإسلاميي وعلمانيي تونس شراكة سابقة قبل مجيء الربيع العربي، حيث نشأ تحالف بين الإسلاميين والعلمانيين سنة 2005 سمي بهيئة “18 أكتوبر”، بغاية الدفاع عن الحريّات العامّة والبحث عن أفق للانتقال إلى الديمقراطيّة إبان حكم بن علي الديكتاتور، لكن هذا التحالف فشل في تحقيق أهدافه نتيجة التنافر الشديد بين العلمانيين والإسلاميين، قبل أن تأتي ثورة الياسمين التي ستعلن ميلاد تونس جديدة.

5- مؤسسات الدولة في تونس محايدة

يعود الفضل لنجاح الانتقال الديمقراطي في تونس إلى مؤسستي الجيش والقضاء، اللذين لم ينخرطا في المعركة السياسية واكتفيا بدورهما الاحترافي.

بينما في مصر كان لكل من المؤسسة العسكرية ومؤسسة القضاء دور بارز في بلورة المسار السياسي للبلد، حيث انتهى الحال بعد 30 يونيو بعودة العسكر إلى الحكم، بعد أن أصبح عبد الفتاح السيسي القائد العسكري السابقُ رئيسا لمصر، وبذلك أصبح كل من الإسلاميين والعلمانيين خارج العملية السياسية فعليا.

يرى بعض المحللين أن توافق العلمانيين والإسلاميين في تونس، لم يكن نتيجة نوايا قصدية للطرفين، وإنما جاء لاعتبارات موضوعية فرضت على كل منهما التفاوض ثم التوافق كاختيار لا مفر منه، حيث لم يستطع أي منهما استخدام مؤسسات الدولة من أجل دحر الآخر.

وعلى الرغم من هذا التوافق المرحلي بين الإسلاميين والعلمانيين في تونس، إلا أن الكثير يخشى من أن يكون ذلك مجرد تصالح مؤقت براغماتي بينهما، إذ لا تزال جسور الثقة التي تربطهما ضعيفة، وهو ما يشعل فتيل الصراع بينهما من جديد في كل مرة تحدث فيها أزمة، كان آخرها تفجير متحف باردو قبل أيام، فهل يستطيع العلمانيون والإسلاميون في تونس الحفاظ على هذه الشراكة؟ لننتظر، الأيام القادمة ستخبرنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد