إنه كلما اشتدت وطأة دكتاتورية حزب واحد وكلما ازدادت المعارضة الجماهيرية قوة يصبح الجيش بقيادة مجموعة من الضباط ذوي الروح المتعالية هو الحكم والفيصل بين الجانبين” *فرانز فانون.

 

إذا كان هذا هو الأمر إذن مع ديكتاتوريات الأحزاب، والتي بالطبع ليس الإسلاميون بمنأىً تام عنها، فقد تورط الإسلاميون كثيراً في ديكتاتوريات كالسودان وإيران، لكن ماذا إذا وصل الإسلاميون للحكم بطريقة ديموقراطية واختارهم الشعب؟ لماذا ينقلب العسكر دومًا عليهم؟ هل لأن لديهم القابلية لحمل السلاح والدخول في صراع مسلح؟ فماذا إذن إذا لم يحملوا السلاح أيضاً؟ سينقلب عليهم العسكر دومًا، إنها علاقة شائكة، مترددة، متقلبة، ودامية في أغلب اللحظات.

بإمكان علماء الاجتماع أن يحللوا الأسباب، أن يفسروا لماذا دوماً هناك مواجهات دائمة بين الفريقين، أو وئام دائم وشهور من العسل يعقبها ـ في الغالب ـ دماء أيضاً، البعض يعتقد أنَّ العسكر والإسلاميين وجهان لعملة واحدة: نفس العنف، الديكتاتورية، الصلافة والكبر، فهل هذا هو السبب؟ لن نحدد بالضبط في هذا التقرير ما هو السبب، فقط سنعرض لبعض تجارب الإسلاميين في الحكم واشتباك العسكر معهم واشتباكهم معه، وخلافاً لهذه النماذج التي نذكرها لن تجد إسلاميين متفاهمين مع العسكر أو حتى متعايشين معهم في أية دولة إلا إيران بتعقيداتها وجيشها الثوري التابع للمعمَّمين. فإلى النماذج إذن.

جبهة الإنقاذ والجيش في الجزائر وسنوات الحرب “القذرة”

“كان الجيش هو العامل الرئيسي في تجنيد الإرهاب الإسلامي” *ضابط القوات الخاصة الجزائري حبيب سويدية

ماذا سيفعل الرئيس حين يبدأ في سياسات تقشفية فيثور عليه الشباب في انتفاضات 1988؟ بالتأكيد سيدعو للديموقراطية وعودة الأحزاب والتعددية السياسية. لكنَّ الرئيس الشاذلي بن جديد استقال فجأةً في يناير 1992 ثم انتقلت السلطة إلى المجلس الأعلى للدولة الذي كان يسيطر عليه الجيش. لماذا يستقيل الرئيس ـ الذي كان وزيرًا للدفاع قبل ذلك ـ فجأة وتنتقل السلطة للجيش؟ المحللون يؤكدون أنه استقال رغماً عنه لأنه لم يرض عما يريد الجيش، من يتحكم إذن في مجريات الأمور؟ الجنرالات أم الرئيس؟

Soldier-manned Army APCs on patrol in wa

الحرس الجمهوري في الشوارع بعد الإطاحة بجبهة الإنقاذ الإسلامية


فازت الجبهة الإسلامية لإنقاذ الجزائر برئاسة الشيخ عباس مدني بأغلبية المقاعد في مجالس البلديات والولايات كما فازت بأغلبية ساحقة في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية. لم يعجب هذا الجيش بالطبع فقرروا أن يتصرفوا. تمَّ القبض على الشيخ عباس مدني ثمَّ ألقي ما يقارب الخمسة آلاف من أعضاء الجبهة في السجون وألغي حزبهم وألغيت نتيجة الانتخابات، لم يجد الإسلاميون ملجأً سوى الجبال.

بدأوا في التجمع في الجبال ومحاربة الدولة، لم ينتهِ الأمر إلا بعد زهاء عشر سنوات عام 2000 بعد ميثاق السلم والمصالحة الوطنية. سجل ضابط القوات الخاصة الجزائرية حبيب سويدية انتهاكات العسكر والإسلاميين الذين اصطبغوا حينها بصبغة “الإرهابيين” لا يتوانى حبيب سويدية في وصفهم بالإرهابيين واصفاً أفعالهم بالشنعاء والعنيفة مثلهم مثل الجيش بالضبط.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

الرجل الثاني في الجبهة أثناء إلقاء خطاب قبل الانتخابات 1991

يقول حبيب سويدية في كتابه الحرب القذرة:

رأيتُ زملاء لي يحرقون طفلاً في الخامسة عشرة من عمره، حيَّاً. رأيت عسكريين يذبحون مدنيين وينسبون هذه الجرائم إلى الإرهابيين. رأيت عقداء يقتلون أشخاصاً بدمٍ بارد، لمجرد الشبهة، رأيتُ ضباطاً يعذبونَ إسلاميين حتى الموت، رأيتُ اشياءَ كثيرة جداً، لا أستطيعُ السكوت، وهذه أسباب كافية لتحطيم حاجز الصمت.

إذن كان الجيش سبباً في ولادة الإرهاب وتوسعه وانتشاره، يذكر الضابط السابق ذكره أنَّ المدنيين العُزل كانوا يُقتلون لمجرد الاشتباه وتجاه هذا العنف المفرط والمجنون لم يجد الأهالي بُدَّاً من الانضمام للإسلاميين “الإرهابيين” في الجبال ومحاربة الدولة، لقد كان الجيش سبباً في ولادة الإرهاب وانتشاره، لقد تنكر ضباط الجيش في زي إسلاميين وقتلوا مدنيين، اخترقوا الإسلاميين ودعموا بعضهم بالسلاح لقاء القيام بأعمال وحشية تجاه المدنيين، هذا ما يقول حبيب سويدية في كتابه.

الجيش ينتشر في الشوارع بدباباته


هذه هي الدوامة إذن؟ لهذا يقول البعض أنَّ الكفاح الدائم بين العسكر والإسلاميين بسبب قابلية الإسلاميين لحمل السلاح، وبغض النظر عن صحة هذا التحليل من عدم صحته، فقد عاشت الجزائر عشر سنين سوداء ملطخة باللون الأحمر، لون الدم. لقد كان هذا الصدام هو الأعنف بين العسكر والإسلاميين.

باكستان: حلم الدولة الإسلامية يضيع مع بنادق الجيش

ربما تستغرب من إيراد قصة إسلاميي باكستان في هذا التقرير رغم أنهم لم يمسكوا بزمام السلطة لكننا سنورد قصتهم لأنهم كانوا مكوِّنًا أساسيًا ورئيسيًا في تأسيس دولة باكستان وفي دائرة اتخاذ القرار لفترة كبيرة، وحدثت مواجهات بينهم وبين العسكر.

إذا كنتَ تعرف أنَّ باكستان أُعلنت كدولة مستقلة عام 1947 فهل تعرف أنها قامت على أكتاف “الإسلاميين”؟ على أكتاف مفكرين كالشاعر محمد إقبال، والشيخ أبي الأعلى المودودي وغيرهم كثير، كانوا يحلمون بإنشاء دولة إسلامية في شبه القارة الهندية. يُعرف محمد إقبال عند العرب كشاعر غنَّت له أم كلثوم قصيدة حديث الروح لكنه غير معروف كفيلسوف ومتصوف ورجل لاهوت وسياسي بارع. كان موقف الجماعة الإسلامية برئاسة أبي الأعلى المودودي مؤيدًا لتأسيس دولة باكستان الإسلامية، والانفصال عن الهند.

أبو الأعلى المودودي

كان الجنرال محمد علي جناح هو المؤسس الفعلي للدولة الجديدة، ولكن إذا كنت تتساءل عن مدى إسهام الإسلاميين في هذا التأسيس فيكفي أن تعرف أن الدولة كان اسمها “دولة باكستان الإسلامية”. إذن كان تأسيس الدولة الجديدة بدعم كامل وقوي من الإسلاميين وقاعدتهم الشعبية العريضة جداً في باكستان. دعم الإسلاميون الجنرالات لكنهم لم يكملوا حلمهم بإنشاء دولة إسلامية ومرت علاقتهم بالعسكر بمنعطفات شديدة لم تصل لحد الاقتتال كالجزائر. لكنهم كانوا يثقون بجنرال يبكي أمام الناس ويقول “أنا أخاف الله” فيعطونه دعمهم فوراً!

عام 1958 قام الجنرال أيوب خان بانقلاب على محمد علي جناح واجه الإسلاميين بعصىً من حديد وقرر تسمية باكستان بدولة باكستان فقط دون كلمة “إسلامية” لكنه لم يستطع، فالقاعدة الشعبية العريضة تقف وراء مشايخها بكل طاقتها، فعاد الاسم من جديد. رغم الخصومة الظاهرة بينه وبين الإسلاميين في أول مشكلة أعلن أيوب خان الجهاد للحيلولة دون انفصال بنجلاديش عن باكستان فانضمت الجماعة الإسلامية له، تُتهم الجماعة من قبل حكومة البنجال بارتكاب مذابح في المدنيين البنجال، لكن الجماعة تنكر وكتابات عديدة تتحدث عن تلفيق للجماعة، التي أسسها المودودي.

حاول غاندي إقناع جناح بالرجوع عن فكرة إنشاء دولة مستقلة، غاندي(يمين)محمد علي جناح(يسار)

ظلت العلاقة بين الإسلاميين في باكستان والجيش تتسم بالمصالح، بل ربما نستطيع أن نقول إن مصلحة الجيش كانت دائماً هي الأساس، والإسلاميون مجرد هامش يتلاعب بهم الجنرالات، فلحظة يكون الرئيس معادياً لهم ثم يستميلهم حين الحاجة فيسيرون تحت لوائه، وتارة يقوم بحملات سجن ضدهم وقمع وهكذا، حتى كان أيوب خان الذي أشركهم في الوزارة ولكنه انقلب عليهم مرةً أخرى حتى خرجوا من دوائر السلطة لفترة كبيرة جداً ولم يعد لهم وجود إلا على الهامش في الانتخابات وفقط.

تركيا وإسلاميو الديموقراطية بدون “مشايخ”

الرئيس مصطفى كمال أتاتورك قائد المقاومة السرية التركية إبان سقوط الخلافة العثمانية، مؤسس الدولة التركية الحديثة، الجنرال القوي الذي لا زالت صورته تزين مكتب رئيس تركيا، أسس دولته الجديدة على أساس علماني متين، علماني لا بمعنى أنه يتقبل التعددية السياسية بل علماني متعصب يغير لغة الأذان إلى التركية ويهمش العربية تهميشًا كبيرًا ولا يتعاطف مع الإسلاميين وأصحاب “المشروع الإسلامي”.

من حامي ذمار العلمانية إذن؟ إنه المؤسسة العسكرية التركية التي خرج منها أتاتورك، حتى هذه اللحظة لا يزال جنرالات الجيش يحتفظون بلقب “حماة الجمهورية التركية الأتاتوركية” وإن استطاع “الإسلاميون” الجدد تحجيمهم بعض الشيء. وصل عثمان مندريس إلى رئاسة الوزراء عام 1950 وأعدم عام 1960 لأنه فقط زحزح بعض أسس النظام، وتحدث عن تعددية سياسية وحرية اعتقاد وعدم حجر على المعارضة، حدث الانقلاب وأعدم مندريس.

أربكان

في ذلك الوقت كان مهندسًا إسلاميًا يشقُّ طريقه في مسارات السياسة التركية، نجم الدين أربكان، دعي أربكان لقطع العلاقات مع إسرائيل وعلاقات مغايرة مع أمريكا والغرب، فكلفه ذلك رئاسة الوزراء المشتركة مع السياسي ألب أرسلان عام 1971 وتم حظر حزبه وسجنه، لم تمر تسع سنوات على هذا الانقلاب حتى كان الانقلاب الثالث عام 1980 على اربكان أيضاً الذي كان في رئاسة وزراء مشتركة مع بولنت أجاويد وتم حظر حزبه مرةً أخرى.

العام 1997 كان أربكان على موعد آخر مع انقلاب ناعم، فقد وجه الجيش تهديداً لأربكان اضطر أربكان معه للاستقالة وتم حلّ حزبه كالعادة، لقد كانت عادة أن يقوم كل عشر سنوات انقلاب عسكري في تركيا على الإسلاميين، المعروف عن إسلاميي تركيا أنهم ليسوا مشايخ ولا يحملون السلاح أيضاً، فلم يحملوا السلاح في الجبال كما فعل إسلاميو الجزائر مثلاً.

أتاتورك وزوجته لطيفة

على العكس من ذلك استطاع الرئيس ذو الجذور الإسلامية رجب طيب أردوغان أن يحد من سلطة العسكر، فقد قدم بعض كبار الجنرالات للمحاكمة عام 2011 بتهمة محاولة الانقلاب عام2003، بعد وصول أردوغان للحكم بسنتين فقط، كانت محاولة الانقلاب تقضي بافتعال أزمات في العاصمة وبعض المدن التركية الكبرى بإحراق مساجد تاريخية وإشاعة الفوضى لاستدعاء الجيش لإحكام قبضته على الأمور، كان المخطط يتضمن أيضاً افتعال أزمة مع اليونان للدخول في حرب معها!

أردوغان

لكنَّ الإسلاميين كانوا أكثر ذكاءً وتعلموا من التجارب السابقة لهم في السياسة، اندمجوا أكثر في المجتمع، اعترفوا بعلمانيته وعلمانيتهم هم أنفسهم، واكتسبوا رصيدًا كبيرًا لدى طبقات الشعب المختلفة بما قدموه من نماذج للاقتصاد والنهضة الحقيقية ببلادهم، لذلك لا زال حزب أردوغان يحتفظ بالأغلبية في البرلمان التركي منذ العام 2001، فهل سيستفيد الإسلاميون من تجربة أردوغان؟ أم أنَّ سيناريوهات أخرى بانتظارهم؟

مصر والإسلاميون: القطّ والفأر!

سنة واحدة مكثها الإسلاميون في الحكم في مصر، منذ 30يونيو 2012 وحتى 3 يوليو 2013 لم يمكثوا غيرها في الحكم لكنهم قدموا سنين طويلة وأرواحاً أكثر ثمناً لها. لا تتوقف علاقة الإسلاميين بالعسكر في مصر على الثلاثة أعوام السابقة والتي تلت ثورة 25 يناير فتاريخهما ممتد معًا منذ ثورة 1952. اعتبر الإخوان أنفسهم شركاء في ثورة 1952 منُّوا أنفسهم بحكم إسلامي لكنَّ العسكر كعادتهم في التعامل مع الإسلاميين ـ كما في باكستان ـ استخدموهم للوصول ثم وضعوهم في السجون.

اتُّهم الإخوان بمحاولة اغتيال جمال عبدالناصر أكثر من مرة، ودفعوا ثمن هذه الاتهامات غاليًا، تعذيب في السجون، اعتقال دون مبرر، مجرد الاشتباه في التعاون معهم كان تهمة تقذفك في السجن سنين طويلة، في عهد الرئيس السادات استخدمهم السادات للقضاء على الشيوعيين ثم انقلب عليهم مرةً أخرى، في عهد الرئيس المخلوع مبارك اتسمت العلاقات بشدٍّ وجذب، تعاون ومعارضة، وهكذا، حتى جاءت ثورة 25يناير.

يؤكد الشارع الثوري أنَّ الإسلاميين تورطوا في تعاون مع المجلس العسكري ـ الذي انتقلت إليه السلطة في مصر بعد خلع الرئيس مبارك ـ. لم يكن هذا التعاون مقبولاً لدى شباب الثورة، وبدأَ الإسلاميون في حصد ثمارهم باكراً فحصدوا أغلبية مقاعد البرلمان وأعلنوا ترشحهم للرئاسة، فاز الإخوان المسلمون برئاسة الجمهورية ممثلين في الرئيس محمد مرسي، في 30يونيو 2013، وبعد عام من الحكم “الإسلامي” خرجت مظاهرات عارمة في الشوارع، وبعد أربعة أيام أعلن الجيش تدخله ضد الرئيس الذي لم يتخذ أي خطوات لحل المشكلات في الشارع.

بعد سنة من تحرك الجيش، صار وزير الدفاع، وقائد تحرك الجيش عبد الفتاح السيسي رئيسًا منتخبًا.

الجنرال عبد الفتاح السيسي

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

“الرئيس عبد الفتاح السيسي”

هذه كانت النماذج الأربعة الأشهر لتعامل الإسلاميين والعسكر. فهل هنالك أي أفق للتعاون بينهما في المستقبل في أيٍّ من تلك البلاد؟ المؤشرات تقول لا، سيظلون في حربٍ دائمة!


 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد