«ما هي عرابيا (بلاد العرب) اليوم؟ إنها فوضى حدود عارمة، ذهاب إلى التاريخ بالقهقري. متاهات من الحروب التقليدية والبديلة، جيوش من كل مكان، استباحة كاملة للأرض والفضاء والثروات. استدعاء للماضي والأجنبي المبتذل»، بهذه الكلمات بدأ سعيد الصافي كتابه جيوبوليتيك الدم التي اجتاحت العالم العربي.

والكلمتان الأخيرتان هما اللتان تجسدتا مع كل توتر في العالم العربي إلى غاية الآن، الزمن يسير، والدم ما يزال يسيل، وهو ما يجعل الملف الليبي أمام فوهة بركان لتدخل عسكري في أي لحظة، يحول الدولة المنهارة إلى سوريا وصومال وأفغانستان المغرب العربي.

راشد الغنوشي وعلي الصلابي وآخرون من المحسوبين على التيار الإسلامي، وردت أسماؤهم عبر وسائل الإعلام الدولية، حول رهان حل الأزمة الليبية، وبمشاركة دولية واسعة في هذا الإطار، والمعروف أن اسمي الغنوشي والصلابي لا يحوزان على أي منصب رسمي في كل من تونس وليبيا، فلماذا الاستعانة بهذه الأسماء؟

لماذا تتجه الجزائر للاستعانة بالإسلاميين؟

ويأتي الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، أحد الزعماء العرب الذين يقدمون على الحوار مع الإسلاميين في صورة الغنوشي والصلابي؛ لبحث مسألة الملف الليبي، والخروج من الانفلات الأمني الذي يسيطر على البلاد، منذ إطاحة العقيد معمر القذافي.

اعتقد الرومان في القديم أن «القوة تخلق الحق، وأن الحرب وسيلة مشروعة لاكتساب الحقوق وحمايتها»، وتدرك الجزائر جيدًا أن أي فشل سياسي في الحوار بين الليبيين، مع الانفلات الأمني الممزوج بالتدخل الأجنبي، هو ما يعني حتمًا قنبلة ليبية، وتوسع قوى الغرب في الأراضي الواسعة بالصحراء الإفريقية، وتحويلها لمنطقة شبيهة إلى حد ما، بسوريا والعراق وأفغانستان واليمن. ولذلك تسعى الدبلوماسية الجزائرية إلى إيجاد حل يرضي كافة الأطراف، دون إقصاء لا من النظام القديم، ولا من الإسلاميين.

ويقول الغنوشي في آخر زيارة له إلى بوتفليقة، إن هذا الأخير كلفه بمهمة الحوار مع الإسلاميين، والدعوة إلى التنازل عن بعض المطالب، ويضيف الغنوشي أن «تجربة الجزائر الرائدة في الحوار مع الإسلاميين، بإمكانها حل الكثير من المشاكل في دول الربيع العربي». وأضاف الغنوشي أن المحادثات شملت ملف الاتحاد المغاربي، والعلاقات العميقة بين الجزائر، وتونس.

وفي حوار له مع يومية الخبر الجزائرية، يقول الغنوشي: «الجزائر تحررت، ولم يكن ذلك سهلًا بعد أزمة التسعينيات الدامية، من التمييز بين إسلامي وإسلامي، هذه الصعوبة ما زالت موجودة في مصر»، ويضيف الغنوشي بأن وزن الجزائر الدولي قد يؤثر في الموقف المصري من الأزمة الليبية، ملمحًا لوجود قمة رئاسية بين الجزائر، وتونس، ومصر في الفترة المقبلة.

ويشاطر الداعية الإسلامي علي الصلابي، زعيم حركة النهضة الغنوشي قوله بقوة المقترح الجزائري، ونفعه على الملف الليبي، داعيًا في نفس الوقت إلى ضرورة التمسك بهذا المقترح الذي يعيد الأمن إلى المنطقة حسبه، ويقول في حوار له هو الآخر إلى يومية الشروق الجزائرية: «ملف المصالحة الليبية يجب ألا يخرج من أيدي الجزائر، وتونس».

وكان الصلابي قد جمعه لقاء بأحمد أويحيى، مدير ديوان الرئيس الجزائري، في بيت راشد الغنوشي خلال الأيام الأخيرة، وهي الصور التي نقلتها وسائل إعلام تونسية وجزائرية، باعتبارها تكليفًا مباشرًا من بوتفليقة لمدير ديوانه بضرورة الإسراع في إدارة الملف الليبي، والتركيز على تنازلات إضافية من الإسلاميين في ليبيا، ومحاولة إرضاء كافة الأطراف للجلوس حول طاولة تفاوض واحدة.

https://twitter.com/KoblerSRSG/status/824669856708657152

ويحتل دور الجزائر أهمية لدى هيئة الأمم المتحدة، وتسعى دبلوماسية بوتفيلقة هي الأخرى من خلال الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، إلى أداء دور يمكّن الدول الإقليمية من إيجاد حل بعيد عن التدخل الدولي، وأبدى المبعوث الأممي في ليبيا، مارتن كوبلر، سعادته بالتعاون مع وزير الخارجية الجزائري عبد القادر مساهل، وأثنى على حكومته في هذا الشأن.

«الإخوان المسلمون» تحدي الجزائر أمام مصر

وفي العلاقة بين الأنظمة، وتنظيم جماعة الإخوان المسلمين، لم ينجح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال زيارته إلى الجزائر في شهر يونيو (حزيران) 2014، في إقناع الرئيس بوتفليقة بتصنيف الإخوان المسلمين منظمةً إرهابية، أو إدانة أعمال العنف حسبه، ونقلت وسائل الإعلام المحلية رد بوتفليقة: الإخوان عندنا في الجزائر شاركوا الدولة في إطفاء نار الفتنة، وراح أكثر من 500 قيادي من بينهم ضحية الوقوف مع مؤسسات الدولة.

ويعتبر المسؤولون الجزائريون، أن تجربة المصالحة الوطنية في البلاد، إحدى التجارب الواجب تصديرها للدول التي تعاني من ويلات الإرهاب، وقامت الدبلوماسية الجزائرية بعرض التجربة على سوريا والعراق في وقت سابق، كما تشرف الجزائر على رعاية اتفاق وقف النار في باماكو بين الجيش المالي، والتنظيمات المسلحة في شماله (إقليم الأزواد).

وينص قانون المصالحة الوطنية، وقبله الوئام المدني، وقبلهما دائمًا قانون الرحمة على تفادي محاكمة المسلحين الإسلاميين من المتابعة القضائية، والاستفادة من الحقوق الاجتماعية والمدنية، والعودة إلى الحياة الطبيعية في المجتمع، ويستثنى من الحقوق السياسية من تورط في دماء الجزائريين، وشمل هذا القانون المسلحين من مختلف التنظيمات، بالإضافة إلى بعض القياديين من الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة منذ عام 1992.

وفي آخر ردود الفعل حول تصنيف الإخوان منظمة إرهابية، عرفت العاصمة المالية باماكو آخر هذا الأسبوع (26 يناير 2017)، مناوشات كلامية بين الوفود المشاركة، والوفد المصري لاتحاد مجالس الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، وقد طالب وفد النظام المصري بإدانة الإخوان المسلمين في البيان الختامي للمؤتمر، وتصنيفها جماعة إرهابية.

وهو الطلب الذي قوبل بالرفض ابتداءً من الوفد الجزائري، لتلتحق وفود كل من تركيا، والمغرب، وإيران، ولبنان ونيجيريا، برفض المقترح وسحب هذا الطلب، وعدم تلغيم البيان الختامي، حسب ممثل الوفد الجزائري البرلماني ناصر حمدادوش. واستشهد البرلماني بموقف الدبلوماسية الجزائرية الرافض لهذا التصنيف مهما كانت الضغوط والمبررات التي تسوقها السلطات المصرية.

وتدين مصر إلى الجزائر بخصوص موقفها من الثورة المصرية، وبجهود نظام بوتفليقة في رفع الحظر على مقعد مصر في الاتحاد الإفريقي بعد انقلاب الثالث من يوليو، بالإضافة إلى الإمداد الطاقوي من شحنات الغاز إلى مصر، وهي في أحلك الظروف الدولية والإقليمية، والتوتر الداخلي.

وتشير الأرقام الاقتصادية إلى أن الجزائر تمول مصر بست شحنات من الغاز سنويًّا، كل شحنة تقدر بكمية 850 ألف متر مكعب، كما تقول مصادر حكومية من الجانبين عن وجود مفاوضات بشأن رفع التمويل الجزائري لمصر من الغاز، بالإضافة إلى وجود مناقصة مصرية بهذا الشأن من أجل طلب المزيد من الإيرادات الطاقوية. وتحتاج مصر إلى 45 شحنة من الغاز المسال سنويًّا.

هل ينجح الإسلاميون في إعادة الاستقرار إلى ليبيا؟

ويشكل الإسلاميون قوة سياسية وعسكرية في المشهد الليبي، خاصة في الجهة الغربية المجاورة للجزائر وتونس، ويؤيدون بطريقة مباشرة، وغير مباشرة حكومة الوحدة الوطنية التي يقودها فايز السراج، كما تتمتع القوى المرتكزة في الغرب الليبي بعلاقات جيدة مع السلطات في البلدين المجاورين، وتخشى تونس بشكل خاص عودة المقاتلين الليبيين والتونسيين إلى بلدانهم، بعد سنوات من القتال في سوريا والعراق، وهو ما يهدد المنطقة برمتها.

وبالمقابل، تتمتع الجهة الشرقية التي يسيطر عليها اللواء خليفة حفتر، بعلاقات جيدة ودعم مسنود من النظام المصري، وتشير التقارير إلى أن دعم حفتر تعدى مصر إلى الإمارات العربية المتحدة، وفرنسا، وروسيا مؤخرًا، وهو السيناريو الذي تخشاه دول المنطقة المغاربية، خاصة بعد الوعد الروسي لحفتر برفع حظر تسليح الجيش الليبي، مقابل إنشاء قاعدة عسكرية روسية مطلة على البحر في ليبيا.

اقرأ أيضًا: 5 مؤشرات قد تدفع روسيا باتجاه ليبيا

وتسعى الجزائر بحكم العلاقة المميزة مع نظام السيسي، ومواقفها التي تلقى المدح من التونسيين، بعد إبعاد نظام بن علي من الواجهة، ورعايتها للنقيضين «نداء تونس وحركة النهضة»، بالإضافة إلى وجود إسلاميين في ليبيا، كانوا من ضمن المعتقلين لديها في البلاد، واستقبالها لعائلة القذافي في وقت سابق، بعد تدخل الناتو، وسقوط العقيد معمر القذافي من حكم البلاد لصالح  الثوار، إلى إيجاد صيغة توافقية تبعد التدخل الأجنبي الذي تعتبره أحد دوافع قيام الربيع العربي.

إلا أن الموقف المصري الثابت من التعامل مع الإسلاميين، قد يشكل عائقًا كبيرًا أمام نجاح المفاوضات الجارية تجاه ليبيا، والحيلولة دون وقوع تدخل أجنبي عسكري، وبالتالي يصبح كل طرف ليبي أمام تأييد ودعم إقليمي، وهو ما يعمق من نقاط الخلاف.

وأعلنت حركة مجتمع السلم «حمس» المحسوبة على تيار الإخوان، أول أمس السبت في الجزائر في بيان لمجلسها الوطني، تقديم تجربتها وعلاقاتها مع الإسلاميين في ليبيا، تحت تصرف الدبلوماسية الجزائرية، وكانت نفس الحركة، أقامت قبل أشهر ملتقى مغاربي لأحزاب الوسطية والاعتدال، إذ استقبلت وفدًا عن حزب العدالة والبناء الإسلامي الذي يعتبر أحد المكونات الأساسية في المشهد الليبي بعد الثورة.

وكانت نفس الحركة لعبت دورًا كبيرًا في إعادة الاستقرار إلى الجزائر، إذ شاركت في الحكومة الجزائرية في وقت مبكر من الأزمة الأمنية التي عصفت بالبلاد، حينها قال مؤسس الحركة محفوظ نحناح: «يسعدني أن تعيد السلطات في الجزائر آلاف الإرهابيين إلى بيوتهم على أن تفخر بقتل الآلاف منهم في الجبال»، وساهمت «حمس» في تأييد الرئيس بوتفليقة منذ انتخابه أول مرة عام 1999، لتتحول إلى المعارضة ابتداء من يناير 2012، بعد رفضها لمسار الإصلاحات التي جاءت مع هبوب رياح الربيع العربي على مجموعة من دول المنطقة.

 

اقرأ أيضًا: «الحركة الإسلامية» في الجزائر من المشاركة إلى المعارضة.. حسابات معقدة في 2017

عرض التعليقات
تحميل المزيد